أنت هنا:توحيد»لماذا نضحِّي؟

لماذا نضحِّي؟

  • إبراهيم بن حليمة
تم قراءة المقال 5435 مرة

 

يرغب سائر المسلمين أن تكون لهم في يوم العيد أضحية يريقون دمها ويأكلون لحمها، ولكن هل من سائل سأل نفسه: لماذا أضحّْي ؟

سؤال قد يبدو غريباً، واستفهام قد يظهر عجيباً، ولكن من سمع ويسمع أجوبة الناس على مثل هذا السؤال؛ يزول عجبه ويعلم وجاهة هذا الاستفسار وكذا فائدته وأهميته.

يجيبك كثير من الناس عن ذاك السؤال بقولهم: أريد أن أُفرِح الأولاد وأدخل البهجة عليهم في يوم العيد.

ومن أجل هذا السبب تجده يستدين ولا طاقة له على الوفاء كي لا يمر العيد على أبنائه من دون أضحية تَسرُّهم وتُبهِجهم.

ويجيب بعضهم بأنه ما ذبح أضحيته إلاّ لإشباع شهوته للَّحم ، ولذا تجد من هذه حاله قد يعدِل عن شراء أضحية إلى شراء اللحم إذا كان ثمن الأضحية قد يربحه لحماً زائدا يشبعه مع عياله ، ويكون أرفق بجيبه وأوفر لماله.

في حين يجيب الآخر بأن شراء الأضحية للعيد عادةُ كلِّ الناس، فلا ملجأ من ذلك ولا مناص، فيشتري المسكين مجاراة لجيرانه ، وموافقة لأصحابه وأقرانه.

ويقول آخرـ مجيبا ـ :وكيف لا أضحي ؟ فهذا عيب أعاب به، وعار أُعيَّر بسببه، أتريد أن أوسم بالبخل أو أنعت بالفقر؟!

وكل هذا أيها السادة؛ مما نسمعه وتسمعونه، ونعلمه وتعلمونه، وما لم نذكره من إجابات الناس أكثر، وما خفي علينا من ذلك أكبر.

تصويب:

ولكننا نقول لإخواننا هؤلاء مصوِّبين، ولهم منبِّهين، ولفهمهم مقوِّمين: إنَّ هذا كلَّه أيها الأحباب خطأ ينبغي اجتنابه، فإن قلتم: وما وجه مجانبته للصواب؟ قلنا مجيبين وبربنا مستعينين :ألم تعلموا أيُّها الأحبة أن الأضحية عبادة من أجلِّ العبادات، وطاعة من أفضل الطاعات، يتقرب بها المضحُّون إلى رب الأرض والسماوات؟ فإذا كانت كذلك، أفليست ـ كسائر الطاعات ـ تفتقر إلى صلاح نية وإخلاص إلى رب البرية؟ فقد قال العزيز جل جلاله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾[البينة:5]،وقال سبحانه:﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لله الدِّين الْخَالِصُ﴾[الزمر:2-3]،وقال جل ثناؤه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾[الزمر:11-14]، وقال تقدست أسماؤه : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:37]، قال الطبري ـ رحمه الله ـ : يقول تعالى ذكره: «لن يصل إلى الله لحوم بُدْنِكم ولا دماؤها، ولكن يناله اتقاؤكم إياه أن اتقيتموه فيها، فأردتم بها وجهه، وعملتم فيها بما ندبكم إليه وأمركم به في أمرها وعظمتم بها حرماته». [(17/216 )،ط / ابن حزم].

فكل من نوى شيئا من تلكم النيات أدركه، كما قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه » [متفق عليه].

فمن نوى بأضحيته التقرب إلى الله ونيلَ مرضاته فله ما نوى، ومن نوى بها إفراحَ أولاده فحسب أو نوى أكل اللحم وإشباع نهمته فحسب فله ما نوى، ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾، وليسلهذين وأمثالهما أجر التقرب إلى الله بالأضحية، ذلكم أنَّ الله غني لا يقبل إلا ما كان له خالصا وليس لغيره فيه شيء، فعن أبي هريرة،قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشركَه» [مسلم:2985]،ولا يفهمن فاهم ـ عنّي ـ أنّ الأكل من الأضحية محرم، كيف وقد قال صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل» [انظر:"الصحيحة" للألباني (ح1282)].

ألا فلتنتبهوا معشر المضحين إلى هذا الأمر الجلل، ولا تذروا أموالكم تذهب سدىً من غير أجر تحصلونه، وثواب ليوم العرصات تدَّخرونه، وإياكم أن يغلبكم أولادكم وأزواجكم على نياتكم؛ فما تشترون الأضاحي إلا من أجلهم، وقد أنذركم ربكم ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن :14ـ15]، فطيبوا بأضاحيكم نفسا، وابتغوا بها ما عند الله والدار الآخرة،﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:17].