أنت هنا:توحيد»شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل التوحيد والإخلاص

شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل التوحيد والإخلاص

  • د. كمال قالمي
تم قراءة المقال 9591 مرة

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قال: قِيل يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَسْعدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيامَةِ؟ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يا أبا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ، لِـمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلى الحديثِ، أَسْعدُ النَّاسِ بِشَفَاعِتي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَال: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ خَالصًا مِنْ قَلْبِه أو نَفْسِه».

تخريج الحديث: أخرجه البخاريُّ في العلم (99) من طريق سليمان (هو ابن بلال التَّيميُّ مولاهم)، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُريّ، عن أبي هريرة، فذكره.

وأخرجه في الرِّقاق (6570) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو به، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قال: «قلتُ: يا رسول لله...» الحديث، وقال في آخره: «خالصًا من قِبَلِ نفسِه».

معاني بعض الكلمات:

قوله: «قال: قيل...» كذا وقع بصيغة التَّمريض في بعض نسخ البخاريِّ، وليس في أكثر النُّسخ لفظة «قيل».

قال الحافظ ابن حجر: «وهو الصَّواب (يعني بدون ذكرها)، ولعلَّها كانت «قلت» فَتَصَحَّفَتْ، فقد أخرجه المصنِّف في الرِّقاق كذلك»(1).

فالسَّائل هو أبو هريرة رضي الله عنه نفسه بدليل قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم له: «لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا أَحَدٌ أوَّل مِنْكَ».

قوله: «أَسْعَد النَّاسِ»: أي أَحْظَاهم، والسَّعادة خلاف الشَّقاوة.

ولفظ «أَسْعد» اسم تفضيل، واسْتُعْمِل هنا فيما ليس في الطَّرف الآخر مشاركة، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان:24]، والمعنى أنَّ أسعد النَّاس بشفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم هم الموحِّدون المخلصون فلا يشاركهم في ذلك أحدٌ.

وقيل: أَفْعَل هنا ليست من باب المفاضلة، وإنَّما هي بمعنى فَعِيل أي سعيد، والمعنى سعيد النَّاس؛ إذْ لا يَسْعَدُ بشفاعته مَنْ ليس من أهل التَّوحيد.

وقيل: هي اسم التَّفضيل على بابها، وأنَّ كلَّ أحدٍ تحصلُ له سعادةٌ بسبب شفاعته صلى الله عليه وسلم؛ لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في أرض المحشر لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم(2).

قوله: «بشفاعتك»: الشَّفاعة مأخوذة من الشَّفع، وهو خلاف الوتر، وهو الزَّوج تقول: كانَ وترًا، فَشَفَعْتُه شَفْعًا، فصار زوجًا، كأنَّ المشفوع له كان فردًا، فجعله الشَّفيعُ شَفْعًا بضمِّ نفسِه إليه، وأكثر ما تُستعمل في انضمام من أعلى مرتبة إلى مَنْ هو أدنى(3).

قوله: «مِنْ قَلْبِه أو نَفْسِه»: شَكٌّ من الرَّاوي، وفي الرِّواية الأخرى: «مِنْ قِبل نفسه».

من فوائد الحديث:

1 ـ فيه منقبة عظيمة، وفضيلة جليلة لأبي هريرة رضي الله عنه؛ حيث شهد له النبيُّ  صلى الله عليه وسلم بالحرص على سماع الحديث منه.

2 ـ فيه إثبات الشَّفاعة لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وقد خصَّه الله تعالى بثلاث شفاعات(4):

الأولى‏:‏ شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف، ليُقضى بينهم بعد أن يتراجع عنها أولو العزم من الرُّسل نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم ـ عليهم السَّلام ـ، وقبلهم نبيُّ الله آدم ـ عليه السّلام ـ، حتى تنتهي إلى نبيِّنا صلى الله عليه وسلم(5).‏

وهذه هي الشَّفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء:79].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلقَةِ البَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ»(6).

وهذه الشَّفاعة العظمى لم يخالف فيها أحدٌ من الطَّوائف.

الثَّانية‏:‏ شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الجنَّة أن يدخلوا الجنَّة، بعد الفراغ من الحساب.

ويدلُّ عليها ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنِّي لَأَوُّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنِّي آتِي بَابَ الجَنَّةِ فَآخُذُ بِحَلْقَتِهَا فَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: أَنَا مُحَمَّدٌ، فَيَفْتَحُونَ لِي فَأَدْخُلُ، فَإِذَا الجَبَّارُ ـ عزَّ وجلَّ ـ مُسْتَقْبِلِي، فَأَسْجُدُ لَهُ، فَيَقُولُ: اِرْفَعْ رَأْسَك يَا مُحَمَّدُ، وَتَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وقُلْ يُقْبلْ مِنْكَ، وَاشْفَع تُشَفَّع، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي يَا رَبّ، فَيَقُولُ: اذْهَبْ إِلَى أُمَّتِكَ فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنَ الإِيمَانِ فَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ،...» الحديث(7).

الثَّالثة‏:‏ شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمِّه أبي طالب أن يخفَّف عنه العذاب.

ويدلُّ على ذلك ما جاء عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه، أنَّه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وذُكر عنده عمُّه، فقال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُه»(8).

وهذه الشَّفاعة المتمثِّلة في تخفيف العذاب، خاصَّة بعمِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من دون سائر الكافرين؛ لأجل ما كان يحوط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرِّعاية في صغره والحماية من إيـذاء قـومه، ونصرته والقيام معه في مواقف كثيرة في الدَّعوة إلى الله، فعن العبَّاس بن عبد المطلب رضي الله عنه، أنَّه قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: ما أغنيتَ عن عمِّك، فإنَّه كان يحوطُك ويغضبُ لك؟! قال: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»(9).

وأمَّا غيره من الكافرين، فقد أخبر الله تعالى في غير ما آية أنَّهم لا يُخفَّف عنهم العذاب يوم القيامة، كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُور﴾ [فاطر:36].

وشفاعة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لعمِّه في تخفيف العذاب، لا في إخراجه من النَّار، وعليه فلا يتعارض هذا  مع ما جاء في القرآن من عدم منفعة شفاعة الشَّافعين في الكافرين، كقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاع﴾ [غافر:18] ، وقوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِين [المدَّثر:48].

والشَّفاعة لله وحده لا يملكها ملكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل، قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَر:44]، ولا تحصل إلَّا إذا أذن الله تعالى فيها للشَّفيع، ورضي عن المشفوع له، قال تعالى:  ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى [النجم:26].

فإذا كان سيِّد ولد آدم صلى الله عليه وسلم لا يشفع ابتداءً، وإنَّما يشفع بعد الاستئذان ـ  كما تقدَّم في الحديث ـ، فكيف بمن يطلبها من الأموات الذين لا يملكون لأنفسهم ـ فضلًا لغيرهم ـ  نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟! هذا من أقبح الفِعال، بل من أمحل المحال.

وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بأنَّ الميِّت قد انقطع عمله، وهو أحوج ما يكون إلى من يدعو له، قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»(10).

ولذلك لم تشرع زيارة القبور إلَّا لأجل تَذكّر الآخرة، والدُّعاء لأصحابها لا دعاؤهم، كما جاء عن بريدة بن الحصيب صلى الله عليه وسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّمُهم إذا خرجُوا إلى المقابر يقول: «السَّلام عليكم أهلَ الدِّيار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء اللهُ للَاحقون، أسألُ اللهَ لنا ولكم العافيةَ»(11) .

وأمَّا شفاعته صلى الله عليه وسلم فيمن استحقَّ النَّار من عصاة الموحِّدين ألَّا يدخلها، وشفاعته فيمن دخل النَّار من عصاة الموحِّدين أن يخرج منها، فهذه يشاركه فيها غيرُه من الأنبياء والملائكة والصِّدِّيقين والشُّهداء، كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصَّحيحة.

وهاتان الشَّفاعتان يثبتهما أهلُ السُّنَّة، وينكرهما أهلُ البدعة من الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون أصحاب الكبائر ـ إن لم يتوبوا منها ـ ويقولون: إنَّ من دخل النَّار لا يخرج منها أبدًا، فردُّوا بذلك الأحاديث الثَّابتة المتواترة الصَّريحة كقوله صلى الله عليه وسلم: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي»(12).

وقد أورد جملة منها الحافظ أبو بكر محمَّد بن الحسين الآجرِّي ـ رحمه الله ـ في كتابه «الشَّريعة»، ثمَّ قال: «فأرجو لمن آمن بما ذكرنا من الشَّفاعة، وبقوم يخرجون من النَّار من الموحِّدين، وبجميع ما تقدَّم ذكرنا له، وبجميع ما سنذكره ـ إن شاء الله ـ من المحبَّة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ولأهل بيته وذرِّيَّته وصحابته، وأزواجه ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ أن يرحمنا مولانا الكريم، ولا يُحْرِمْنا وإيَّاكم من فضله ورحمته، وأن يُدْخلنا وإيَّاكم في شفاعة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم وشفاعة من ذكرنا من الصَّحابة وأهل بيته وأزواجه ـ رضي الله عنهم أجميعن ـ، ومن كذَّب بالشَّفاعة فليس له فيها نصيب، كما قال أنس بن مالك»(13).

3 ـ فيـه فضل كلمة «لا إله إلَّا الله»: كلمة الإخلاص والتَّوحيد، والكلمة الطَّيِّبة، والقول السَّديد، وكلمة التَّقوى والعروة الوثقى، وكلمة الصِّدق ودعـوة الـحقِّ، والكلمة الحسنة ومفتاح الـجنَّة... شهد الله تعالى بها لنفسه، وشهد له بها ملائكته وأولو العلم من عباده: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ [آل عمران:18]، ولأجلها خلق الله الخلق وتكفَّل لهم بالرِّزق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُون إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين﴾ [الذاريات:56-58]، ومن أجلها أرسلتِ الرُّسل وأُنزلت الكتب ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون﴾ [الأنبياء:25]، وبها عُصمت الأنفس والأموال والدِّماء، وفضائلها في نصوص الوحيين لا تحصى كثرة(14) .

واعلم أخي المسلم أنَّ هذه الكلمة الطَّيِّبة لا تنفع قائلها يوم القيامة وتستوجب له دخول الجنة، والنَّجاة من النَّار، إلَّا باستجماع شروطها، وانتفاء موانعها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك الإخلاص لله تعالى فيها، كما جاء في هذا الحديث العظيم: «خَالصاً مِنْ قَلْبِه».

والإخلاص لله تعـالى رُكـنٌ ركينٌ في جميع العبادات؛ لقوله تعالى:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ [البيِّنة:5]، وفي «الصَّحيحين» عن النَّبيِّ  صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»(15).

وإنَّ من أعظم العبادات وأجلِّ الطَّاعات الَّتِي أمر الله تعالى بالإخلاص فيها: الدُّعاء، كما جاء عن النُّعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ»، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾ [غافر:60]»(16)، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[الأعراف:29].

فالواجب إخلاص الدُّعاء لله تعالى، وعدم صرف شيء منه لغيره سبحانه؛ فدعاء الأولياء والصَّالحين وأصحاب الأضرحة والقِباب في قبورهم والاستغاثة بهم وطلب الحوائج منهم كلُّ ذلك ينافي الإخلاص وينقضه  بل هو الشِّرك بعينه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِير إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير﴾ [فاطر:13-14].

ولا تنفعهم معذرتهم بأنَّهم لا يعبدونهم وإنَّما يتَّخذونهم وسائط فقط؛ بحجَّة أنَّ لأوليائهم منزلةً وجاهًا عند الله، كما يتَّخذون شفعاء ووسائط لهم مكانة عند مَنْ حاجتُهم بيده، فوقعوا في تشبيه الخالق بالمخلوق، وهو من الشِّرك الأكبر الذي أنكره الله تعالى على مشركي العرب قديماً ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [يونس:18].

والشِّرك بالله ظلمٌ عظيمٌ وجرمٌ جسيم، ووِزْرٌ فظيع وإثمٌ شنيع، مُحْبِطٌ للأعمال ومبطلُها، ومفسدٌ للأديان ومهلكها، أضراره جسيمة، وعواقبه وخيمة، سبب للخلود في النِّيران والحرمان من الجنان، لا يُغفر إلَّا بتوبةٍ نصوح خالصة، وعودةٍ إلى حظيرة التَّوحيد صادقة.

قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار﴾[المائدة:72]، وفي «الصَّحيحين» عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ»، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة».

قـال الإمام الحافظ شمس الدِّين ابن قيم الجوزيَّة ـ رحمه اللهـ:

«ومن أنواعه (أي الشِّرك الأكبر): طلبُ الحوائجِ من الموتى، والاستغاثةُ بهم، والتَّوجُّه إليهم.

وهذا أصلُ شرك العالم؛ فإنَّ الميِّت قد انقطع عملُه، وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمَّن استغاث به، أو سأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشَّافع والمشفوع له عنده كما تقدم، فإنَّه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلَّا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببًا لإذنه، وإنَّما السَّبب لإذنه:  كمال التَّوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك، والميِّت محتاج إلى من يدعو له، ويترحم عليه، ويستغفر له، كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زُرْنا قبورَ المسلمين  أن نترحَّم عليهم، ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارَةَ العبادة، واستقضاء الحوائج، والاستغاثة بهم، وجعلوا قبورهم أوثانًا تُعبد، وسموا قصدها حجًّا، واتخذوا عندها الوقفة وحلق الرأس، فجمعوا بين الشِّرك بالمعبود الحقِّ وتغيير دينه، ومعاداة أهل التَّوحيد ونسبة أهله إلى التنقّص للأموات، وهم قد تنقَّصوا الخالق بالشِّرك، وأولياءَه ـ الموحِّدين له، الذين لم يشركوا به شيئا ـ بذمِّهم وعيبِهم ومعاداتِهم، وتنقَّصُوا من أشركوا به غايةَ التَّنقُّص إذْ ظنُّوا أنَّهم راضون منهم بهذا، وأنَّهم أمروهم به، وأنّهم يوالونهم عليه، وهؤلاء هم أعداء الرُّسل والتوحيد في كلِّ زمان ومكان، وما أكثرَ المستجيبين لهم! وللهِ خليلُه إبراهيم ـ عليه السلام ـ حيث يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَام رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:35-36].

وما نجا من شَرَك هذا الشِّرك الأكبر إلَّا من جرَّد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرَّب بمقتهم إلى الله...» انتهى كلامه(17).

 


([1]) «فتح الباري» (1/194).

([2]) ينظر: «شرح الكرماني على صحيح البخاري» (1/94)، و«فتح الباري» (1/194).

([3]) ينظر: «شرح صحيح البخاري» للكرمانيّ (1/94).

([4]) ينظر «العقيدة الواسطية» (ص156 ـ 159) مع شرحها للشيخ صالح الفوزان.

([5]) كما في «الصّحيحين» من حديث أبي هريرة بطوله، رواه البخاريّ (4712)، ومسلم (194)، ورواه البخاري (4476، 7510)، ومسلم (193) من حديث أنس رضي الله عنه.

([6]) رواه البخاريّ في الزّكاة (1474، 1475).

([7]) رواه أحمد في «المسند» (3/144)، والدّارميّ (53) من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن أنس بن مالك.

وَجَوَّدَ الألباني إسناده في « الصّحيحة» (4/100).

([8]) رواه البخاري (3885)، ومسلم (210).

([9]) رواه البخاري (3883)، ومسلم (209).

([10]) رواه مسلم (1631) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([11]) رواه مسلم (975).

([12]) رواه أبو داود (4739)، والترمذي (2435)، وهو صحيح، انظر: «صحيح الترغيب والترهيب» (3649).

([13]) «الشّريعة» (3/1252).

([14]) انظر: «كلمة الإخلاص» لابن رجب  (ص79) وما بعدها.

([15]) رواه البخاريّ (1)، ومسلم (1907).

([16]) رواه أبو داود (1479)، والترمذيّ (2969)، وابن ماجه (3828)، وأحمد (4/267، 271)، وابن حبان (890)، والحاكم (1/490) كلّهم من طريق ذر (هو ابن عبد الله الهمدانيّ)، عن يُسيع الحضرميّ، عن النّعمان، به، وصحّحه الترمذيّ والحاكم.

([17]) «مدارج السالكين» (1/346).

 

* منقول من مجلة الإصلاح العدد 2