أنت هنا:توحيد»لا ينفق الباطل إلا بشوب من الحق

لا ينفق الباطل إلا بشوب من الحق

  • محمد رحيل
تم قراءة المقال 3730 مرة

 

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «ولا يُنفق الباطل في الوجود إلاَّ بشَوبٍ من الحقِّ»(1).

هذا كلامٌ نفيسٌ، قاله عن دليل التَّتبُّع والاستقراء، وهو استقراء وأيُّما استقراء من مثل هذا الإمام الهمام.

معنى هذا: أنَّ الباطل لا يروج - في الغالب - إلاَّ إذا كان مشوبًا بحقٍّ؛ وذلك أنَّ الحقَّ إذا كان حقًّا محضًا لم نختلِف فيه، وكذلك الباطل إذا كان باطلاً محضًا لم نختلف فيه، وهذا الشَّوب الَّذي عناه شيخ الإسلام - رحمه الله - هو عين لَبس الحقِّ بالباطل الَّذي نهى الله عنه اليهودَ.

شوب الحقِّ بالباطل هو صفة المغضوب عليهم، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42]، قال ابن كثير - رحمه الله -: «يقول تعالى ناهيًا لليهود عمَّا كانوا يتَعمَّدونَه من تلبيسِ الحقِّ بالباطل وتَمويهِه به، وكتمانِهم الحقَّ وإظهارِهم الباطلَ: ﴿وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42]، فنهاهم عن الشَّيئَين معًا، وأمرهم بإظهارِ الحقِّ والتَّصريح به، ولهذا قال الضَّحاك عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ لا تخلطوا الحقَّ بالباطل، والصِّدق بالكذب.

وقال أبو العالية: ﴿وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقول: ولا تخلطوا الحقَّ بالباطل، و أدُّوا النَّصيحة لعباد الله من أمَّة محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم -.

ويروى عن سعيد بن جبير والرَّبيع بن أنس نحوه.

وقال قتادة: ﴿وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ولا تلبسوا اليهوديَّة والنَّصرانيَّة بالإسلام وأنتم تعلمون أنَّ دينَ الله الإسلام وأنَّ اليهوديَّة والنَّصرانيَّةَ بدعةٌ ليست من الله»(2).

إنَّ لكلام شيخ الإسلام أمثلةً كثيرةً أحببت أن أنبِّهَ عليها حتَّى لا يغترَّ بها من وقفَ عليها، دونكها:

1 - «الخَامْسَة» الَّتي يعلِّقها النَّاس على أبوابهم وسيَّاراتهم: هذه الخامسة الَّتي هي عبارة عن يد بها خمسة أصابع قد كتب عليها قول الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:64] فالآية حقٌّ والخامسة باطلٌ، فإذا ما جاء هذا العامِّيُّ المسكينُ الَّذي لا علمَ عنده ورأى هذه الخامسة وقد كتب عليها ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:64]، وقد شاع أنَّها تستعمل لدفع العين، ظنَّ أنَّها حقٌّ، فيشتريها ويعلِّقها والله المستعان، وما درَى المسكينُ أنَّها من جنسِ التَّمائمِ الَّتي قال فيها النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «إِنَّ الرُّقَى والتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»(3)، وهذا شوبٌ للحقِّ بالباطل.

2 - ما يعلِّقه النَّاس اليوم على الجُدران من الصُّور ذواتِ الأرواح وقد كتب عليها آيات قرآنية، كتلكم الصُّورة الَّتي تمثِّل صورة صبيِّ قد رفع يديه يدعو وقد كُتِبَ إلى جنبه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:41] فهذه - أيضًا - كسابقتِها لا ينظر العامِّيُّ فيها إلاَّ إلى تضرُّع الصَّبيِّ ورسمِ الآية المكتوبِ بالخطِّ العريضِ فتأخذه العاطفَةُ فيشترِي الصُّورَةَ ويُعَلِّقُها، وما درى المسكين أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «إِنَّ المَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»(4)، ومثلُها آية الكرسي الَّتي كُتِبت بخطِّ الثُّلث على هيئة رجلٍ جالسٍ للتَّشهُّد رافعٍ سبَّابتَه، فالآية حقٌّ والهيئة المكتوبة عليها باطل، إذ الصُّورةُ منهيٌّ عنها، ففي «الصَّحيحين» من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيَسَ بِنَافِخٍ»(5).

3 - الدَّعوة إلى وحدة الأديان: لقد تقدَّم أثر قتادة الَّذي قال فيه: «لا تخلِطوا اليهوديَّة والنَّصرانيَّة بالإسلام وأنتم تعلمون أنَّ دينَ الله الإسلام» ، وهذه الدَّعوة يكفي في إبطالها قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:85]، لكنَّ أعداءَ الله زيَّنوا هذه الدَّعوة بألفاظٍ برَّاقة مثل قولهم: الإخاء الدِّيني - وحدة الأديان - التَّفاهم بين الأديان - نبذ التَّعصُّب المذهبي - الصَّداقة الإسلاميَّة المسيحيَّة - التَّضامن الإسلامي المسيحيُّ - التَّعايش بين الأديان ... فراج أمرُها على خفافيش الدُّجى كما يقال، وتبنَّى الدَّعوةَ إليها بعضُ دعاة العصر تحت هذه الأسماء المزخرفة، والحمد لله أن سخَّر الله - جلَّ وعلا - علماءَ تصدَّوا لهذه الدَّعوة الخبيثة الَّتي يراد منها إلغاءُ الفروقِ بين الإسلام والأديان المحرَّفة المنسوخة، وأحسن ما وقفت عليه في الرَّدِّ على هذه الدَّعوة الخبيثة كتاب الشيخ بكر أبو زيد - رحمه الله - «الإبطال لنظريَّة الخلط بين الأديان» فمن أحبَّ أن يقفَ على مراميها فليَطَّلِع على هذا الكتاب.

4 - تسمية العقيدة بعلم الكلام: وهذه أيضًا يراد منها شوبُ العقيدة الصَّحيحة بعلم الكلام الَّذي ذمه السَّلف وأنكروه على الخلف، فعن أبي يوسف - رحمه الله - قال: «العلم بالكلام هو الجهل والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرَّجل رأسًا في الكلام قيل زنديق أو رُمِيَ بالزَّندَقَة»(6).

وعنه أيضًا: «من طلب العلم بالكلام تَزَنْدَق».

وقال الشَّافعي - رحمه الله -: «حكمي في أهل الكلام أن يُضَرَبُوا بالجريد والنِّعال، ويُطافَ بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاءُ من تركَ الكتابَ والسُّنَّة وأقبل على الكلام»(7).

إذن؛ فهؤلاء مزجوا علم الكلام بعلم العقيدة الصَّحيحة حتَّى يتسنَّى لهم ترويجُ بدعِهم ومقالاتِهم الفاسدة كالتَّأويل الَّذي هو في الحقيقة تحريف.

قال الشيخ سليمان بن سحمان: «وخلف من بعدهم خلف على طريقتهم عبَّروا عن هذه المعاني الفلسفيَّة بعباراتٍ إسلاميَّة، يخاطبون بها من لا يعرف معاني هذه الأوضاع، ويجعلون مراد الله ورسولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الآيات والأحاديث على ما أرادوا من معاني هذه الأوضاع الَّتي تخالف كتاب الله وسنَّةَ رسولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأقوال سلف الأمَّة وأئمَّتِها ... »(8).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «إنَّ طائفةً من أهل الكلام يسمِّي ما وضعه «أصول الدين» وهذا اسم عظيم والمسمَّى به فيه من فساد الدِّين ما الله به عليم، فإذا أنكر أهل الحقِّ والسُّنَّة ذلك، قال المبطل: قد أنكروا أصول الدِّين ... »(9).

والمقصود أنَّ أهلَ الكلام خلطوا الحقَّ بالباطل فسمَّوا كتبَهم الَّتي ألَّفوها «بأصول الدين» مع ما فيها من تلبيسٍ وتحريفٍ وما ذاك إلاَّ ليروِّجوا باطلهم في تلكُم القوالبِ، والله المستعان.

6 - تسمية المسمَّيات بغير أسمائها: وهذا من شوبِ الحقِّ بالباطل، ومن صورِه الكثيرة في عصرنا قول بعضهم عن الخمر: مشروباتٌ روحيَّة، وعن الرِّشوة: هديَّة، ويقولون عن التِّوَلة - الَّتي هي نوع من السِّحر يجعلونه بين المرأة والرَّجل، يزعمون أنَّه يحبِّب بعضهما إلى بعض - طِيبٌ، وتراهم يذهبون إلى السَّحرة وإذا أنكرت عليهم يقولون: فلان لا يعمل إلاَّ الطِّيب، ومرادهم أنَّ هذا السَّاحر يفعل ذلك من أجل تلاحُمِ الزَّوجين ونحوه لا من أجل افتراقهما، ويرونَه شيئًا ممدوحًا وهو عين السِّحر ويسمِّيه العلماء مسألة الصَّرف والعطف، وهي محرَمة لقول النَّبيِّ - عليه الصَّلاة والسَّلام -: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» وجه شوبِ الحقِّ بالباطل في هذه المسألة، أنَّ النَّاس سَمَّوا عمَل هذا السِّحر طيِّبًا، والسِّحر لا يكون طيًبًا أبدًا، بل هو كفر بالله تعالى.

هذا ما يسَّر الله جمعه، نسأل الله تعالى أن ينفعَ به كاتبَه وقارئَه، وأن يجعلَه خالصًا لوجهه الكريم إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربِّ العالمين.

وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين.


 


(1)  «مجموع الفتاوى» (35/ 190).

(2)  «تفسير ابن كثير» (1/ 10 - ط. مكتبة الصَّفا - ت 1425هـ - 2004م).

(3)  أخرجه أبو داود (3883) وابن ماجه (3530)، وابن حبان (1412)، وأحمد (3615)، وصححه الألباني في «الصَّحيحة» (1/ 584).

(4)  رواه البخاري (3226)، ومسلم (2106).

(5)  رواه البخاري (5963) ومسلم (2110).

(6)  انظر: «الإبانة» لابن بطَّة (671)، و«شرح الطَّحاويَّة» (69).

(7)  «شرح العقيدة الطَّحاوية» (ص75) لابن أبي العز - ط. المكتب الإسلامي - (ت 1416هـ - 1996م).

(8)  «الصَّواعق المرسلة على الشُّبه الدَّاحضة الشَّامية» (ص6) للشَّيخ سليمان بن سحمان، تحقيق عبد السَّلام بن برجس.

(9)  «مجموع الفتاوى» (4/ 56).