قضايا منهجية

(تفريغ) إنا كفيناك المستهزئين

الحمدُ لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فإن الموضوع كما سمعتم موضوعٍ مهمٌّ جدًّا، ألا وهو موضوع الرد على أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المشركين، واليهود والنصارى، والمنافقين وأصحاب الشهوات والشبهات، نحنُ نعلم جميعًا أنهم لا يضرون الرسول صلى الله عليه وسلم مهما قالوا، ومهما تكلموا فإن غيظهم في نحورهم، والنبي صلى الله عليه وسلم منصور ومؤيد من قبل الله جل وعلا، الذي أرسله كإخوانه من النبيين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾.

فهم إنما ضروا أنفسهم ولن يضروا الله شيئًا ولن يضروا رسولَه صلى الله عليه وسلم، ولن يضروا المسلمين وليس ما ظهر من سبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويتكرر في هذا الزمان ليس هذا بغريب، فإن هذا منذُ أن بعثه الله جل وعلا وأعداؤه ينالون منه ومن رسالته، فالمشركون وعبدةُ الأوثان ينالون منهُ انتصارًا لأصنامهم وأوثانهم التي جاء صلى الله عليه وسلم بإبطال عبادتها، وجاء صلى الله عليه وسلم لإزالتها ومحوِها، غاروا عليها.

قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُون﴾.

انظرْ وصفوه بأنه شاعر، ووصفوه بأنه مجنون، ووصفوه بأنه ساحر، ووصفوه بأنه كذاب، ووصفوه بأوصافٍ اخترعوها من عند أنفسهم، إنما تليق بهم هم ولا تليق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما أهل الكتاب فهم يعلمون أنه رسول الله، يعرفونه كما يعرفون أبنائهم، وإنما حملهم على سبهِ وتنقُّصهِ الحسد، ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾، والحاسد إنما يضرُ نفسه، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾.

ومحمد صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم﴾، فلا أحد يُحجِّر على الله سبحانه وتعالى أن يعطي عبده من الفضل ما يشاء سبحانه وتعالى، ولكن هؤلاءِ حملهم الحسد والكبر، الاستكبار عن أن يتبعوه أو يطيعوه مع أنهم يعرفون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾.

وأما المنافقون فآذوهُ صلى الله عليه وسلم لأنهم كفار في الأصل والباطن، فهم مع الكفار ومع الوثنيين، ومع اليهود والنصارى، لكنهم أظهروا الإسلام خديعة، يخادعون الله والذين آمنوا، ولذلك يؤذون الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهم الذين يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون هو أُذُن، هذه مقالة المنافقين والله جل وعلا قال فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾، أو أصحاب الشهوات الذين رأوا أن في اتِّباع الرسول صلى الله عليه وسلم منعًا لشهواتهم المحرمة وهم يريدون الزنا، ويريدون الخمر، ويريدون الربا، ويريدون ما ألِفوه ونشؤوا عليه، أو اشتهتهُ أنفسهم؛ فلذلك عادَوْا الرسولَ صلى الله عليه وسلم، من أجل البقاء على شهواتهم وكلهم لم يضروا الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول رفع الله درجته وأعلى منزلته، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، يحمدهُ عليه الأوَّلون والآخِرُون يومَ القيامة، وهو الشفاعة العُظمى للعالم، في أن يُريحَهم اللهُ من الموقف، ويحاسِبَهم على أعمالهم بدلًا من الوقوف الطويل، والضَّنك، والحر والشدة، والضيق، فهو صلى الله عليه وسلم يشفع عند ربهِ في أن يصرفهم من الموقف الهائل بعدما يطلبون منه ذلك، قال سبحانه وتعالى له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَك الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، قال سبحانه وتعالى قبلها بسم الرحمن الرحيم: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَر وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَر وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث﴾.

قال سبحانه وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ وهو نهر في الجنة أو هو الخير الكثير، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾.

شانئك أي: مبغضك؛ لأنهم قالوا إن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس له عقب، يعني ليس له أولاد بعدهُ يعيشون بعده، وأنه سوف ينقطع ذكرُه ويُبتَرُ ذكره، الله جل وعلا قال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم محمود عند الله وعند خلقه، حيًّا وميتًا أما هم فإن العار يلحقهم، والبتر يلحقهم.

البتر المعنوي، والبتر الحسي، فلم يضروا الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا، وفي هذه الآية لما بعثه الله عز وجل في مكة ودعا إلى الله سرًّا خشيةً من أذى المشركين في أول أمره.

أمره الله سبحانه بالجهر بالدعوةِ علانية وضمِنَ له الحماية، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُون﴾، إنا كفيناك المستهزئين الذين يستهزؤون بالرسول صلى الله عليه وسلم، كفاه الله شرهم، وردَ كيدهم في نحورهم، ولم يستطيعوا منع الرسول صلى الله عليه وسلم من دعوته، ولم يستطيعوا منع الناس من الاستجابةِ له ولم يستطيعوا محاصرة الإسلام في مكة والمدينة، بل امتد الإسلام في المشارقِ والمغاربِ وبلغ مبلغ الليلِ والنهار، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾، فظهر دينُ الله في المشارقِ والمغارب رغم أنوفهم، واستمر وسيستمر إلى أن تقوم الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ولَا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله تَبَارَكَ وتعَالَى»، ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون﴾، والله جل وعلا يُتمُ نوره ولن يطفئوه بأفواههم، ونفخهم بأفواههم ليطفئوا الضياء الذي جاء به صلى الله عليه وسلم، لأن الله جل وعلا يحميه ويحفظه وإذا كان الله هو الحافظ له فلن يستطيع أحدٌ أن ينال منه، ولهذا قال ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين ﴾، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فأمره بالاستمرار على الدعوة بالمنهج السليم الذي رسمه له ولا يخشى في الله لومة لائم، ولن يضره أحد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ فالله أمره أن يُبلغ ما أُنزل إليه من ربه، وكفل له العصمة من أذى الناس، وقد تحقق وعد الله سبحانه وتعالى فانتصر الإسلام، واندحر أعداؤهُ، وصار هذا الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال الله : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك﴾، فصار يُذكر اسمهُ صلى الله عليه وسلم مع اسم الله، في الخطب والآذان والإقامة، ويُرفع ذكرهُ مع ذكر ربه سبحانه وتعالى في الشهادتين على رؤوس المنائر، وحتى الآن يُسمع في المشارق والمغارب، بواسطة البث والفضائِيات والاتصالات، ولا أحد يمنع هذا من البشرية، من جميع أعداء الرسول ما يستطيعون أن يمنعونَ أن ينادى بالشهادة له بالرسالة عليه الصلاة والسلام، لأن الله حمى رسوله وحمى ذكره من هؤلاء، وإذا رجعنا إلى تاريخ أهل الكتاب مع أنبيائهم لم نستغرب ما يصدر منهم في حق الرسول صلى الله عليه وسلم.

فاليهود آذَوْا موسى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾، فهم آذَوْا موسى عليه السلام، وآذَوُا الرُّسُلَ الذين جاءوا إليهم من بعدِ موسى وآذوهم أذًى شديدًا ومنهم من قتلوه، ومنهم من كذبوه ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُون﴾، وهَمُّوا بقتل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأنجاه الله منهم، همُّوا بقتله في المدينة، وألَّبوا عليه ودسُّوا عليه الدسائس، يريدون القضاء عليه كما هي عادتهم مع الأنبياء السابقين، ولكن الله حماه منهم، ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين﴾؛ فلم يستطيعوا الوصول إليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، النصارى آذَوُا المسيحَ عليه السلام، بأي شيء آذَوْه؟

بأنهم غَلَوْا فيه حتى قالوا هو الله، أو ابن الله أو ثالثُ ثلاثة، ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار﴾، ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبمَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد﴾.

هذا موقفهم من نبيهم، غَلَوْا فيه وأطرَوْه، حتى جعلوه في مرتبة الربوبية، وهو رسولٌ من رسلِ الله عز وجل ليس له من الربوبيةِ شيء، ولا ادعى هذه الربوبية إنما بلَّغ ما أرسله الله به، فهم على طرفي نقيض؛ اليهود أهانوا الأنبياء وقتلوهم وكذبوهم، والنصارى غَلَوْا في نبيهم وجعلوه في مرتبة الألوهية؛ في مرتبة الألوهية، وهذا من أشد الأذى لرسول الله ونبيهِ عسى عليه السلام، فهذا يؤذيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وكَذَبُوا عليه وافتروا عليه ولكن الله سيفضحهم يوم القيامة، في هذا الموقف الهائل المخزي أمام الخلائق، وسيُصرِّح عيسى عليه السلام بِكَذِبهم وافترائهم عليه، ويُبيِّن ما قال لهم بأمر ربه سبحانه، ثم قال الله جل وعلا: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾؛ هذا يوم ينفعُ الصادقين صدقهم، هذا ثناءٌ على عيسى عليه السلام، حينما أجاب بهذا الجواب العظيم الذي أيدهُ الله عليه وأثنى عليه.

فاليهود والنصارى مع الأنبياء كما سمعتم؛ الأذى، القتل، التكذيب، حتى إنهم اليهود والنصارى كفروا بخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، المبعوثِ رحمةً للعالمين وهم يعرفون أنه رسولُ الله، لكن منعهم الحسد والكِبر والعياذُ بالله.

وكذلك اليهود كفروا بعيسى ـ عليه الصلاةُ والسلام ـ، ورموهُ بالعظائم ورمَوْا أمَّه بالعظائم قبحهم الله، فبرَّأه الله سبحانه وتعالى مما قالوا، وبيَّن أنه عبدُه ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، هذه هي حقيقة عيسى ليس له من الربوبيةِ شيء، لكن الحاصل أنَّ هذه مواقف اليهود والنصارى مع الأنبياء، وهم أهل كتاب وأهل علم ولكنهم لم يعملوا بعلمهم، ولا بكتابهم، وتجرؤوا على كتب الله التي جاءتهم مع الأنبياء فحرفوها، وغيروها وبدلوها، فأي جراءة على الله وعلى رُسله أعظم من هذه الجراءة العظيمة، فلا نستغرب أن ينعِقَ ناعِقٌ من النصارى اليوم، لا نقول المسحيين كما يُسَمُّون أنفسَهم أو يسميهم الجهَّال، ليسوا مسحيين وإنما هم نصارى كما سمَّاهم الله سبحانه وتعالى، ولا نقول إسرائيل كما تقوله اليهود ولكن نقول بنو إسرائيل ونقول اليهود، سماهم الله اليهود وسماهم بني إسرائيل فلا نحرف الكلم عن مواضعه كما حرفوه، ونسميهم بأسمائهم الصحيحة التي سمَّاهم الله بها، لكنهم قومٌ يفترون الكذب على الله قديمًا وحديثًا، يفترون الكذب على رُسل الله عزَّ وجل، فلا نستغرب ما صدر منهم أو يصدر منهم أو سيصدر منهم في المستقبل، ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾.

إنَّ الواجب علينا جميعًا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أن نُنَاصر رسولنا صلى الله عليه وسلم، وأن نذُبَّ عنه وأن نرد على هؤلاءِ الحاقدين بجميع طوائفهم، الله جل وعلا قادرٌ على أن ينصرَ رسوله وقد نصره، لكنه أمرنا بنُصرته صلى الله عليه وسلم ابتلاءً وامتحانًا لنا؛ فإن نصرناه آجرنا الله على ذلك وأثابنا، وإن تخاذلنا ولم ننصُرْه، فإن الله سبحانه وتعالى سيُعذبنا ويُعاقبُنا في الدنيا والآخرة، الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى نُصرتنا لأن الله نصره، وقال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين﴾، ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ ولكن الله أمرنا بنُصرتهِ من أجل مصلحتنا نَحْنُ، من أجلِ أن يُثيبَنا ومن أجلِ الابتلاءِ والامتحانِ هل نطيعُ أو لا نُطيع، هل نكون شُجعانًا ولا نبالي ولا تأخذُنا في الله لومةُ لائم، أو نتخاذلُ عن نصرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونخاف من المشركين ونخاف من عَبَدَةِ الأوثان، ونخاف من اليهود والنَّصارى، وتأخُذنا في الله لومةُ لائم، هذه هي الحكمة؛ لأنَّ الله طلب منَّا نصرةَ رسولِه صلى الله عليه وسلم، وإلَّا فالله قادرٌ على نصرته قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾.

فقد نصرهُ الله إذ أخرجه الَّذين كفروا، لمَّا هاجر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، أراد الرسول أن يلحق لما أَذِن اللهُ له بالهجرة أراد أن يلحق بأصحابه، سمِع المشركون بذلك فأرادوا منعه أن يلحق بأصحابه، يخافون أن تكون له دولة، وأن يكون عنده أنصار وأعوان، فتمالؤوا وتشاوروا فيما بينهم، فجاءهم الشيطان برأيٍ اتخذوه وهو أنهم يجمعون من كل قبيلة شابًّا قويًّا، ويكون معه سلاح فإذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته ضربوه ضربة واحدة بجميع ما معهم من السلاح، حتى يتفرق دمه في القبائل فلا تقدر قريش على أخذ الثأر من القبائلِ كلها، عزموا على هذا وجلسوا عند بابه، أوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بمكيدتهم، فأمر صلى الله عليه وسلم عليًّا رضي الله عنه أن ينام على فراشه، حتى يروه ويظنون أنه الرسول وباتوا ينظرون إليه، وهو على الفراش وخرج صلى الله عليه وسلم من بينهم وهم لا يشعرون، ألقى الله عليهم الذلة والمهانة، وأخرجه من بينهم وذرَّ التراب على رؤوسهم وهم لا يشعرون، وخرج هو وصاحبه أبو بكر مختفِيَيْن وذهبا إلى غار ثور جنوبِ مكة، واختبيا فيه عن المشركين، والمشركون بثوا الجواسيس، وبثوا الذين يبحثون عن الرسول وجعلوا الجوائز العظيمة لمن يأتي بهِ حيًّا أو ميِّتًا، فلم يُفلحوا حتى جاء المشركون ووقفوا على الغار، الذي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فعند ذلك خاف أبو بكرٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى موضع قدمهِ لرآنا، قال صلى الله عليه وسلم: «يا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا».

وأنزل اللهُ في ذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾؛ وفي الآيةِ الأخرى : ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين﴾، فمكر لرسوله صلى الله عليه وسلم وهم لا يشعرون وأخرجه من بينهم، فهذه نصرة من الله جل وعلا لرسوله.

لحق بأصحابهِ واجتمع حوله المهاجرون والأنصار، المهاجرون الذين هاجروا من مكة، والأنصار الذين هم أهلُ المدينة، اجتمعوا في المدينة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فكوَّن منهم جيشًا عظيمًا، فجاء صلى الله عليه وسلم في السنة الثامنة من الهجرة ومعه عشرة آلاف من جنود الله، مدججون بالسلاح؛ انظروا خرج ثانيَ اثنين وبعد سنواتٍ قليلة جاء بجندٍ مجندة من صحابته المهاجرين والأنصار، عشرة آلاف مدججين بالسلاح وفتح الله له مكة وعند ذلك تمكَّن من المشركين، ولو شاء لقتلهم جميعا، ولكنه صلى الله عليه وسلم حليمٌ، لكنه صلى الله عليه وسلم كريمٌ، فاجتمعوا في المسجد الحرام ينتظرون ماذا يفعل بهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، بعدما فعلوا الأفاعيلَ، فوقف صلى الله عليه وسلم وأخذ بباب الكعبة وقال: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: خيرًا أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم، قال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».

فعفا عنهم صلى الله عليه وسلم بعدما تمكَّنَ منهم وقد آذَوْهُ وقد ضايقوهُ، لكنهم لم يضُرُّوه والحمدُ لله، عصمه الله منهم وحماه منهم ونصره وأعزه، الله جلَّ وعلا قال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾.

﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ﴾، صدَّقوا برسالته ونبوَّتِه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ يعني وقروه واحترموه، ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ﴾، ما يكفي الإيمان به والتعزير والتوقير، بل لابدَّ من الاتِّباع، لابدَّ من اتِّباعه صلى الله عليه وسلم، والاهتداء بهديه والانضمام في طاعته، إنَّ هذه الأمور لابدَّ منها، الإيمان والتوقير والاحترام والنصرة له صلى الله عليه وسلم واتِّباعه وطاعته صلى الله عليه وسلم.

فبهذا يتحقق للمؤمنين أنهم أتْبَاعُ هذا الرسول صلى الله عليه وسلم سواءً كانوا من اليهود أو من النصارى، أو من المسلمين، فاليهود إذا أسلموا، وتابوا، وعزروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أُنزل معه صاروا من خواصه صلى الله عليه وسلم، الذين أسلموا من اليهود والنصارى صاروا من خواص الصحابة ومن أفاضل الصحابة، فهذه الآية هامَّةٌ في كل من اتَّبعهُ، وآمن به من العربِ والعجم، ومن المشركين، واليهود والنصارى، كل من آمن بهذا الرسول واتَّبعه ووقره واحترمه، فإنه يكون بهذه المثابة وهذه المنزلة، أما من أعرض وصدَّ عن سبيل الله فإنه يكونُ أذلَّ ذليل، وأحقرَ حقير في الدُّنيا، وفي الآخرة يكون خالدًا مخلدا في النار، ولن تنفعه أمواله أو أولاده أو جاهُه في الدنيا سيذهب هذا كله، ولا يبقى إلا من اتَّبع هذا الرسول صلى الله عليه وسلم وناصره.

الله سبحانه و تعالى نهى المؤمنين عن أذيَّةِ الرسول حتَّى برفع الصوت قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُون﴾.

وأمر صلى الله عليه وسلم المؤمنين إذا أرادوا الدخول على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته أن يستأذنوا، وألَّا يُطيلوا الجلوس عنده؛ لأنه يتأذى بطول الجلوس عنده صلى الله عليه وسلم، فيكون هذا فيه أذيَّة للرَّسول صلى الله عليه وسلم، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾.

وكذلك الله جل وعلا أدَّب المؤمنين مع الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم عندهم أعظم مخلوق، وأكرم مخلوق، وأشرف مخلوق، فهو أشرف الخلق وأكرم الخلق وهو سيد ولدِ آدم، لابدَّ أن المسلم يعتقد هذا، يعتقد أنه خاتمُ النبيين لا نبيَّ بعده، يعتقد أنه رسولُ الله إلى العالمين رسالةً عامَّةً، لابدَّ أن يعتقد هذا الاعتقاد في الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يحترمه هذا الاحترام.

ومن احترام الرسول صلى الله عليه وسلم احترامُ سنته، احترام الأحاديث الصحيحة الواردة عنه، إذا بلغت المسلم فإنه يسمع ويُطيع وينقاد لها ولو كان ذلك يشقُّ عليه؛ فإنَّه يصبر على ذلك طاعةً لله ولرسولِه، ولماَ في ذلك من العاقبة الحسنة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ وبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ».

وسنَّةُ الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوحي الثاني بعد القرآن، فيجب أن تُحترَم وأن تُصان وألاَّ يُعبثَ بها وأنْ تُنفَّذَ وأنْ تُطاع، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾، وطاعة الرسول طاعةٌ لله ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُون﴾.

نحنُ الآن كما تعلمون حتى من أبناء المسلمين من يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم، كيف؟

هذه المقالات السيئة التي تُنشَرْ في الصحف تُطالب بخلع الحجاب، تأمر النساء بخلع الحجاب الذي أمر اللهُ به، وأَمَرَ بهِ رَسولُه صلى الله عليه وسلم، أليس هذا أذيَّةً للرسول صلى الله عليه وسلم؟!

الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإكرام اللحى وإعفاء اللحى، وأمر بجزِّ الشوارب، الذي يُعاكس ويحلقُ لحيته ويوفرُ شاربه أليس عاصيا للرسول صلى الله عليه وسلم؟!

ومن عصاه فقد آذاه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، يأمرون النساء بالاختلاط بالرجال، يأمرون النساء بنزع الحياء، أليس هذا من أذيَّةِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم ومُخالفة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ؟! فإذا أردنا أن ننصر الرَّسول صلى الله عليه وسلم فلننصرْهُ في أنفسنا أوَّلًا، بأن نعظمه ونعظمَ سنته، ونعظم مقامه صلى الله عليه وسلم ونحترمه غايةَ الاحترام، وأنْ لا نتطاول على ما جاء به صلى الله عليه وسلم، ونأمر بمخالفته ونقول هذا لا يُوافق لهذا العصر، لا يوافق للحضارة المعاصرة، أليس هذا من أعظم الأذى لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟!

كذلك من حق الرسول صلى الله عليه وسلم علينا وحرمته أن نحترمَ أصحابَه الكرام، وألَّا نتكلم فيهم بشيء أو تنقُّص، قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ».

كذلك لا نؤذيه صلى الله عليه وسلم في أهله ونسائه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم هم أُمهاتُ المؤمنين، نحترمهُنَّ بحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يتزوَّجْنَ بعده لأنهنَّ زوجاتُه في الجنَّة، فلا يجوز أن يتَزَوَّجْنَ بعدَه، ولا يطمع فيهنَّ أحد، لأنهنَّ أمهاتُ المؤمنين، فهذا من احترامه صلى الله عليه وسلم، ومن حقوقه على أمتهِ فيجب أن نعرف قدر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقدر سنته وما جاء بهِ ـ عليه الصلاةُ والسلام ـ، أمَّا أنَّنا نُنكر على النصارى أنهم صوروا الرسول بصورٍ مؤذِيَةٍ هذا حقٌّ، ولكن كيف نُنكر عليهم ونحنُ أيضا نؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم، بأفعالنا وتصرفاتنا وكتابتنا، أما نستحي أما نتناقض في هذا الشيء؟!

فالواجب أن ننصر الرسول صلى الله عليه وسلم بأفعالنا قبل أقوالنا، حتى تكون نصرته له بالكلامِ صحيحةً موافقةً لأعمالنا، وإلا كيف ننصرُه بالقول ونتخاذل عن اتِّباعِه صلى الله عليه وسلم، أو نَصِف سنته بالجمود، أو نصفها بالرجعية، أو أنها لقومٍ مضَوْا، ولا تصلُح للزمان المستقبل، هذا مع الأسف يوجد في صُحفِنا التي تصدر من بلادنا، ويقرأها أعداؤنا، ويقرأها اليهود والنصارى، فيفرحون بها ويُشجعون هؤلاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فلنعلم كيف تكون نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، نصرتهُ في أنفسنا، نصرتهُ في أقوالنا، نصرتهُ في أعمالنا من كلِّ وجه حتى تكون النُصرة صحيحة، لا نصرةً مُدَّعَاة بالقولِ فقط.

فهذه مسألة عظيمة ومهمة جدًّا، ربما أنَّ بعض الناس يتحمس في الإنكار على النصارى ولا يعلم أن النصارى هذا ديدنهم مع الأنبياء كلهم، لاسيَّما محمدٌّ صلى الله عليه وسلم هذا فعلهم وهذه مهنتهم مع الأنبياء من قبله ـ عليه الصلاةُ والسلام ـ، لكن المشكلة أننا نحنُ ندَّعي اتِّباعه ثُمَّ إذا دقَّقْنَا وجدنا أننا عندنا مُخالفات كثيرة في اتِّباعه صلى الله عليه وسلم، فكيف نكون مُناصرين له؟

تكون النُصرة إما مُنتفية وإما ناقصة، الواجب علينا، وربما ضارة نافعة ربما أن هذه المناسبة التي استهزأ النصارى بنبينا صلى الله عليه وسلم، ربما تكون نافعة أننا نلتفت إلى مقامنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنعود على أنفسنا ونصحح ما عندنا من نقص في توقير الرسول صلى الله عليه وسلم، نلتفت إلى أنفسنا وإلى أعمالنا ونربي أولادنا أيضا على محبته صلى الله عليه وسلم ونصرته، ونُبيِّنُ لهم مكانةَ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم فتكون هذه النازلة دافعةً للمسلمين أن يتبصروا في موقفهم مع نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، ويعتبروا بها.

كان الصحابة يدافعون عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأشعارهم، مثل حسان بن ثابت، كعب بن مالك، عبد الله بن رواحة، شعراء الصحابة كانوا يدافعون عن الرسول ويردون على شعراء المشركين، والرسول صلى الله عليه وسلم يأمرهم بذلك، ويقول لحسان: «أَجِبْهُمْ ومَعَكَ رُوحُ القُدُسِ» فكان حسَّان يقول:

فإنَّ عرضي وعرضَ أبي وأمِّي *** لعرض محمَّدٍ منكم وقاءُ

فكان يفديه رضي الله عنه، يفديه بعِرضه، يفدي عرضَ الرسول صلى الله عليه وسلم بعرضه هو وعرض أبيه وأمه.

هذا مُنتهى النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحاصل أنَّ نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة على الجميع، ولكن علينا أن نتبصر في أفعالنا وتصرفاتنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن نُصحح أوضاعنا وتكون هذه النازلة مُوقِظةً لنا، هذه ناحية، والناحية الثانية ألَّا نغتر بدعايات اليهود والنصارى من التقارب بيننا وبينهم، تقارب الحضارات وما أشبه ذلك لأجل أن يدمجوا الإسلام مع أديانهم مع الأديان الباطلة، يدمجوا الإسلام الصحيح دين الله عز وجل مع الأديان الباطلة، ويُقال كلها أديان ونتقارب فيما بيننا ونجتمع فيما بيننا، هم لا يؤمنون بديننا ولا يؤمنون برسولنا صلى الله عليه وسلم، ونحنُ نؤمنُ بأنبيائهم ونؤمن بما جاؤوا به من عند الله عز وجل، نؤمنُ بأنبيائهم وهُمْ لا يؤمنون بنبينا ولا يؤمنون بديننا، ويريدون منَّا أن نتبعهم، ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾.

فكيف نغتر بهم وبدعاياتهم ونقول نتقارب، أول شيء أنه لا يمكن التقارب بين الدينِ الحق والدين الباطل، والدين المحكم والدين المنسوخ، ما فيه دين إلا دين الإسلام، ما فيه دين إلا دين محمد صلى الله عليه وسلم، ليس هناك أديان بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، إلا دين الرسول صلى الله عليه وسلم

فكيف نقول نقارب بين الأديان ونتعاون وما أشبه ذلك من هذه الدعايات الباطلة، علينا أن ننتبه لهذا وأنْ لا ننخدع بأنهم يجاملوننا وأنهم يتملقون لنا لا ننخدع بهذا، ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾، ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾، هذا ديدنهم فنحنُ لا ننخدع بدعاياتهم الباطلة والتقارب بين الأديان حتى نعترف أن ما هم عليه أنه صحيح، هم يريدون هذا وهم لا يعترفون أنَّما نحنُ عليه دينٌ صحيحٌ، هذا من العجائب! علينا أن نعرف هذا حتى لا ننخدع بهذه الدعايات المُضَلِلة.

هذا والله سبحانه وتعالى أعلم وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته وأن يخذلَ أعداءه وأن يرِيَنا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأنْ يُرِيَنا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، اللهم اهد ولاة أمورنا، ووفقهم لصالح القولِ والعمل، ووفقهم لما فيه صلاح الإسلامِ والمسلمين، وأعذهم من الأعداء والحاسدين، اللهم انصر بهم دينك، و اعلِ بهم كلمتك، واخذُلْ بهم أعدائك، واحْمِ بهم عبادك وبلادك، يا رب العالمين، وأصلح فساد المسلمين وصَلَّى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين…

رابط الصوتية

إنا كفيناك المستهزئين

التعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *