الصفحة الرئيسيةالكلمة الشهرية

عبرة من الوباء

الكلمة الشهرية شهر المحرم من عام 1442 هـ

قالوا قديمًا: «مَن كانَ له فكرةٌ، كانَ له في كلِّ شيء عِبرَةٌ»؛ ومنَ العِبَر البليغة المستفادة زمن الوباء الذي عمَّ؛ أنَّ النَّاس خضعوا لعُلماء الصِّحَّة والأطبَّاء العالمين بالفيروسات والأوبئة المعدية، حتَّى أضحى السَّاسةُ يصدُرون عن رأيهم ومشورتهم، وأُغلقت البُلدان وعُطِّلت وحُبس النَّاس في بيوتهم، وأُلزموا الحجرَ الصَّحِّي، استجابةً لنصيحة علماءِ الطِّبِّ، ولم يجرؤ أحدٌ على معارضَتهم، طلبًا للسَّلامة منَ الوباء.

فكيفَ لو اعتَبرنا بهذا الحال، وبوَّأنا علماء الأمَّة الموثوقين ـ حُماةَ الدِّين والأخلاق ـ مثل هذه المنزلة العالية، فنَعتمد رأيَهُم وحكمَهم، ونأخذ بفتاويهم ونصائحهم، فإنَّهم أدرى بمواقع الخيْر منَ الشَّرِّ، وأقدرُ على تمييز الحُسن من القُبح؛ وإدراك مآلات الأمور وعواقبها، فإهمالهم والتَّزهيد فيهم، سيدفعُ النَّاس إلى استفتاء غيرهم ممَّن لا علمَ عنده، ومعنى ذلك حلول الوبال والخراب، في «الجامع» لابن عبد البر (2410): «بكى ربيعة بن عبد الرَّحمن؛ فقيل: ما يُبْكيكَ؟ أمُصيبةٌ دخلَت عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفتي مَن لا علمَ له، وظهَر في الإسلام أمرٌ عظيم»؛ ولم يخلُ عصرٌ من هؤلاء المتشبِّهين بالعلماء ـ وليسوا منهم ـ، والمتسلِّطين على مقام الفتوى كذبًا وزورًا، «وهذا الضَّرب إنَّما يُستَفْتَون بالشَّكل لا بالفَضْل، وبالمناصب لا بالأهليَّة» ـ كما قال ابنُ القيَّم ـ؛ وفي «الصَّحيحين» قال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ الله لا يقْبِضُ العِلمَ انْتِزاعًا ينتَزعُهُ منَ العباد، ولكنْ يَقْبِضُ العلمَ بقبض العلماءِ، حتَّى إذا لم يُبْقِ عَالمًِا اتَّخذ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالا، فسُئِلوا فأفْتَوْا بغيْرِ علمٍ، فضَلُّوا وأضَلُّوا».

فالوباءُ والوبال أن يتولَّى إفتاء النَّاس الجهَّالُ؛ لأنَّه يُسبِّبُ تفشِّي الضَّلال في الأمَّة، وهُو أشدُّ فتكًا بها من تفشِّي وباء كوباء كورونا أو غيره؛ لأنَّ الوباءَ يُهلكُ الأبدان، وأمَّا الضَّلال فيُفسد الأديان.

وإنَّ مَن مات بالوباء (الطَّاعون) صابرًا محتَسبًا قد ينال أجر الشَّهادة عند الله، وهو ما يعني الفوزَ بالجنَّة، وأمَّا جائحة الضَّلال فقَد يخسَر معَها المرءُ دنياه وآخرته؛ لأنَّ الضَّلال إذا حلَّ بساحة قوم أفسَدَ عليهم دينَهم، وفشى بينَهم إسلامٌ مشوَّه المعاني، فينقلبُ المعروفُ فيه منكرًا، والسُّنَّةُ بدعةً، والحقُّ باطلًا، وهو ما ينعكسُ سلبًا على الأخلاق والأعمال والعقائد، فلا يُبقي الضَّلالُ للأمَّة دينًا صحيحًا تنجو به، ولا دنيا منصورةً تُعزُّ بها.

وعليه؛ فإنْ رامَت الأمَّة سعادةَ الدَّارين فلتحفَظْ للعُلماء كرامتَهم وتبوِّئهم الرِّيادة، ليصدُر الأفراد والمؤسَّسات عن فتاويهم ورأيهم ومشورتهم، فهُم الأُمنَاء النَّصحَة الَّذين لن تخيبَ أمَّةٌ وضعَت ثقتَها فيهم؛ فكمَا أمِن النَّاسُ اليوم علماءَ الطِّبِّ وصدَّقوهم ليَحفظوا أبدانَهم، وتحمَّلوا لذلك مشاقَّ كبيرةً وخسَائر ماديَّة عظيمة، عليهم أن يأمَنُوا علماءَ الشَّرع ذوي المنهَج السَّليم والمعتقَد القَويم لوقايَة الدِّين من كلِّ تحريفٍ وضلال، ليَسْعَدوا بالهداية في الحال والمآل.

 

منشور في العدد (64) من مجلة الإصلاح

التعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *