الكلمة الشهرية

لا تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام

إنَّ من الأصول المقرَّرة عند أهل السُّنَّة أنَّه لا يمكن النَّظر في الكتاب والسنة واستخراج معانيهما دون اعتماد على ما فهمه السَّلف منهما؛ فإنَّ كلَّ مَن أراد الاستقلال بفهمه عن فهم هؤلاء إلا ويخرج به الأمر إلى البدعة والانحراف؛ ذلك لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا[النساء:115]، فلا يجوز الانصراف عن سبيل المؤمنين، واعتياضُه بغَيره من السُّبُل، وقد تنبَّه الإمام الشَّافعي رحمه الله إلى أنَّ هذه الآية دليلٌ على حجِّيَّة الإجماع وتحريم خرقِه.

والصَّحابة يدخلون في مسمَّى المؤمنين دخولاً أوَّليًّا، وسبيلهم هو طريقهم ومنهاجهم، وهو الدِّين الحنيفي الَّذي هم عليه ـ كما قال أهل التَّفسير ـ، لهذا قال الإمام مالك رحمه الله: «وما لم يكن يومئذٍ دينًا، فلن يكونَ اليومَ دينًا»، فكلُّ فهم مُخالِفٍ لفُهوم الصَّحابة رضي الله عنهم فهو مردود، وكلُّ تطبيق عمَلي لنصٍّ من نصوص الشَّريعة لم يُؤثَر عنهم فهُو مطروح.

ومِن هُنا وضَع العلماءُ قاعدةً محكمةً للمُنتَسبين إلى العلم، تعصِمُهم من الخروج عن سَنَن السَّلَف وطريقِهم، وتُجنِّبُهم الزَّلَل والخطأ، وهيَ ألَّا يتجرَّأ المتأخِّر على الخوض في مسألة لم يخُض فيها المتقدِّمون، أو يُحدِثَ حكمًا لم يَسبقْه إليه الأوَّلون، وأحسَن صياغَة لهذه القاعدة ما جرى على لسان الإمام أحمد رحمه الله حين وصَّى تلميذَه الميموني فقَال: «إيَّاك أن تتكَلَّم في مسأَلة ليسَ لكَ فيها إمامٌ»[1].

ذلك؛ لأنَّ السَّلَف الأوائل هُم أحْرى بفَهْم القُرآن وأعلَم بالسُّنَّة، وأكثر النَّاس هدايةً، قال الشَّاطبي رحمه الله: «ولا يأتي آخِرُ هذه الأمَّة بأهدَى ممَّا كانَ عليهِ أوَّلُها، ولا هُم أعرَفُ بالشَّريعَةِ منهُم»[2]؛ فمِن غير المعقُولِ أن يغيبَ الحقُّ عن أهلِ القُرون المشهُود لها بالخيريَّة، ويظَلُّ خافيًا عليهم ويظهَرُ لمن بعْدَهم؛ ومَن ظنَّ ذلك أو جزم بوقوعه فقَد حكم على نفسِه بالضَّلال والغواية، إذ ما شهدَ النَّبيُّ ﷺ لتلك القُرون بالخيريَّة إلاَّ لكَوْنِ الحقِّ فيها ظاهرًا، والدِّين الصَّحيح الصَّائب فيها قائمًا، قال النَّبيُّ ﷺ: «خيرُ النَّاس قَرني ثُمَّ الَّذين يلُونَهم ثمَّ الَّذينَ يلُونَهم».

فلم تحصل لهم الخيريَّة إلاَّ بكمال الدِّين في زمانهم، وما مِن أمر يُتقَرَّب به إلى الله إلاَّ ولهم فيه فضل السََّبْق؛ وعليه؛ فكلُّ عبادةٍ لم يُنقَل عنهم فعلُها مع قيَام المقتَضي لها، فالإتيانُ بها بعدهم بدعةٌ مذمومةٌ، وإحداثٌ في الشَّريعَة، وتفويتٌ لفَضْل السَّلَف على الخَلَف، والحقُّ أنَّهم المُقدَّمون، قال ابنُ تيميَّة رحمه الله: «إنَّهم أفضَلُ منَ الخَلَف في كلِّ فضيلةٍ من علمٍ وعملٍ وإيمانٍ وعقلٍ ودينٍ وبيانٍ وعبادةٍ وأنَّهم أوْلى بالبَيَان لكلِّ مُشْكِلٍ؛ هذا لا يدفعُه إلاَّ مَن كابَر المعلومَ بالضَّرورة مِن دين الإسلام، وأضلَّه اللهُ على عِلم»[3].

وإنَّ أفضَلَ ما عندَ المتأخرِّين منَ العِلم والعَمل هُو ما وافقُوا فيه الصَّحابة رضي الله عنهم، وهذا باعتراف أئمَّة العلم والدِّين، يقُول ابنُ تيميَّة أيضًا: «ولا تجد إمامًا في العِلم والدِّين ـ كمالك والأوزاعي والثَّوري وأبي حنيفَة والشَّافعي وأحمد بن حنبَل وإسحاق بن راهويه، ومثل الفُضَيل وأبي سُليمان ومعروف الكَرخي وأمثالهم ـ إلاَّ وهُم مصَرِّحُون بأنَّ أفضَلَ علمِهم ما كانُوا فيه مُقتَدِين بعلم الصَّحابة، وأفضَلَ عمَلِهم ما كانُوا فيه مُقتَدِين بعمَل الصَّحابة، وهُم يروْنَ أنَّ الصَّحابةَ فوقَهم في جميع أبواب الفَضائل والمناقب، والَّذين اتَّبعُوهم مِن أهل الآثار النَّبويَّة، وهُم أهلُ الحديثِ والسُّنَّة العَالمون بطريقِهم المتَّبعُون لها، وهُم أهلُ العِلم بالكتاب والسُّنَّة في كلِّ عصْر ومصرٍ»[4].

فأيُّ مسألة وُجِد فيها علمٌ منقولٌ عن الصَّحابة ومن بعدَهم منَ القُرون المشهود لها بالخيريَّة فاعلَم أنَّ الحقَّ هناك لا يعدُوهم، فإن اتَّفقوا فلا تحلُّ مُخالفَتُهم، وإن اختَلفُوا على قوليْن ـ مثَلاً ـ فالحقُّ في أحد القَولين لا غير، ويكونُ هذا الاختلاف بمثابة الإجماع على أنَّ الصَّوابَ لا يخرجُ عنهُما، ومن هُنا تواضَع العُلماء على قاعدَة: «إذا اختلفَ الصَّحابة على قولَيْن فلا يجوزُ إحداثُ قولٍ ثالث»، قال ابن تيمية رحمه الله: «هذَا مذهبُ جميع العُلماء منَ الفُقهاء وغيرهم إلاَّ شِرذِمةٌ لا خَلاقَ لهم منَ المتكلِّمين»[5]؛ لأنَّ قَبولَ قول ثالثٍ يناقضُ القولين، يعني وقوعَ إجماع السَّلف على الخطأ، ومعلومٌ أنَّ الأمَّةَ لا تجتمعُ على ضلالة.

فالسَّلَفُ الصَّالح هُم سادات هذه الأمَّة علمًا وعمَلاً، فمَن ادَّعى أنَّه علمَ شيئًا من الدِّين لم يعلمُوه فهو كاذبٌ؛ إذ الدِّين هو ما جاء عنهُم رضي الله عنهم، فما لم يعلَمُوه فليسَ هو من الدِّين قولاً واحدًا، وإذا انفَرد أحدُ المتأخِّرين بقَول لم يسبِقه إليه أحدٌ من السَّلف الصَّالح فيستَحيل أن يكونَ صوابًا، بل لا يكون إلاَّ خطأً، قال ابنُ تيميَّة: «وكلُّ قولٍ ينفَردُ به المُتأخِّرُ عن المتقَدِّمين، ولم يسْبِقْه إليه أحَدٌ منهُم، فإنَّه يكونُ خطَأً، كما قالَ الإمامُ أحمد ابنُ حنبَل: إيَّاك أن تتكَلَّم في مسأَلة ليسَ لكَ فيها إمام»[6].

ولهذا لا يُحكَم للرَّجل أنَّه على منهَج السَّلف إلاَّ إذا جسَّد مثلَ هذا المسلَك في حياته العلميَّة والعمليَّة، وظهَر أثَر ذلك في طرحه للمسائل، وتعامُله مع الدَّلائل، فلا يشذُّ في أحكام مسائل العلم، ولا يهدر الأدلَّة المعتَبرة، وقَد يثير العالم الواسع الاطِّلاع مسائل قَد تخفَى على أغلَب أهل عصرِه لغلَبةِ الجهل وفشوِّ التَّقليد، وقصور الهمم، فيُظنُّ به ظنُّ السُّوء، ويُتَّهم أنَّه أحدَث في الدِّين ما ليسَ منه، والحقيقَة أنَّه أحيا سُنَنًا أُميتَتْ، وأعاد نشرَ علومٍ اندرَسَت، وأشاعَ أحكامًا شرعيَّةً أفَلَتْ، وهُو ما يقومُ به المجدِّدُون الَّذين أخبَر عنهم النَّبيُّ ﷺ في قوله: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ على رأسِ كُلِّ مائةِ سنةٍ مَن يُجَدِّدُ لها دينَهَا»[7].

فهؤلاء المجدِّدون المُصلِحُون لا يُحدِثون شيئًا جديدًا في الشَّريعة إذ لو فعَلوا ذلك لوقعوا في الابتداع، وإنَّما يُعيدون بعْثَ العلم الصَّحيح الَّذي اندَرس، كما هو حال الأئمَّة المجدِّدين في هذه الأمَّة مثل شيخ الإسلام ابن تيميَّة، والإمام محمَّد ابن عبد الوهَّاب، والإمام العلاَّمة ابن باديس، والإمام الألبَاني في وقتنا، وغيرهم من الأئمَّة الأعلام والعُلماء الأفذَاذ، وإنَّ أعظمَ ما يُرمَى به هؤلاء في دعوتِهم أن يُقال لهم: إنَّكُم خرقتُم الإجماعَ، وخالفتُم الأمَّة، وجئتُم بما لم يسْبِقكم إليه أحدٌ، بسَبب جهْل مُخالِفِيهم وخصومِهم المناوئين لهم، وعدم إحاطَتِهم بالعِلم، ومواطنِ الإجماع ومسائل الخلافِ بين العلماء، لهذا لمَّا ادَّعى الأخنَّائي على ابن تيميَّة أنَّ له مسائلَ خرَق فيها الإجماع، ردَّ شيخُ الإسلام على هذه الشُّبهة بعَشرة أوجه، قال في الثَّامن منها في كتابه «الرَّد على الأخنَّائي» (ص458): «إنَّ المجيبَ (يقصد نفسَه رحمه الله) ـ ولله الحمد ـ لم يقُل قطُّ في مسأَلة إلاَّ بقَوْلٍ قَد سبَقَه إليه العُلماء، فإن كانَ قَد يخطُر له ويتَوجَّه له، فلا يقولُه وينصُره إلاَّ إذَا عرَفَ أنَّه قَد قَاله بعضُ العُلماء، كمَا قَال الإمامُ أحمد: «إيَّاك أن تتكَلَّم في مسأَلة ليسَ لكَ فيها إمامٌ»؛ فمَن كانَ يسلُك هذَا المسلَك، كيفَ يقُول قولاً يخرقُ به إجماعَ المسلمين، وهُو لا يقُول إلاَّ ما سبَقَه إليه علماء المسْلمين!؟»

فهذا شيخ الإسلام الَّذي يحاول خصومُه رميَه بالشُّذوذ، وأنَّه ينفردُ بمسائل لم يُسبَق إليها، يدفَع عن نفسه هذه التُّهمة الشَّنيعَة، والفريَة الصَّلعَاء، ويتبرَّأ منها، وينفي أن يكونَ تكلَّم في مسألة لم يتكلَّم فيها أحدٌ قبله.

ومثلُه الإمام الألباني رحمه الله الَّذي عانى في أيَّامه من متعصِّبة المذاهب الفقهيَّة، الَّذين رموه بالشُّذوذ والانفراد، وهو من ذلك بريءٌ، ومَن سمع شيئًا من كلامِه وفتاويه أو قرَأَ بعضَ مؤلَّفاته وبحوثه أيقَن أنَّ الرَّجُل كان حريصًا أشدَّ الحرص على لزوم منهَج السَّلَف، وأن لا يأتي بشيء لم يُسبَق إليه، حتَّى في المسائل الَّتي خالَف فيها جمهورَ العُلماء، كمسألة النَّهي عن التَّحلِّي بالذَّهب المحلَّق، أو مسألة النَّهي عن صيام يوم السَّبت إلاَّ في الفَرض، فقد بذل وُسعَه في مناقشاته لإثباتِ أنَّه وُجد مَن قالَ بذلكَ منَ السَّلَف المتقدِّمين، وأنَّ ما ذهب إليه ليس بدعًا من القَول؛ بل إنَّ أحكامَه الحديثيَّة على كثرتِها لا تكاد تخرجُ عن كلام المتقدِّمين؛ لأنَّه كان يعتَقد أنَّ هذا المبدأ هو شعارُ المنهَج السَّلفي؛ قال رحمه الله: «السَّلفيَّة لا تتبنَّى رأيًا لم تُسبَق إليه، وإنَّما طريقُها وخطَّتُها ومنهَجُها إنَّما هُو اختيَار قولٍ منَ الأقوال الَّتي قيلَت، سواءٌ كانَ ذلك في الأحكام الشَّرعيَّة أو في تفسير الآيات الكريمَة»[8]، ويقول أيضًا: «كما أنَّه لا يجوزُ أن يتبنَّى الفقيهُ حقًّا في هذَا الزَّمان قولاً مُحدَثًا لم يُسبَق إليه من أحد الأئمَّة المتقدِّمين، كذلكَ لا يجوز لمن كان عالمًا بعلم الحديث أن يتَبنَّى رأيًا جديدًا لم يُسبَقْ إليه مِن أحدِ العُلماء المتقدِّمين، كلُّ ما يجوزُ لهؤلاء وهؤلاء هو أن يُرجِّحوا أو يتَبنَّوا رأيًا مِن رأيين أو أكثَر؛ أمَّا أن يبتَدعُوا فَلا»[9].

فإذا كان لا يجوزُ إحداثُ قول ثالثٍ في مسألة تنازَع فيها العلماءُ على قولين؛ ويعدُّ صاحبُه مخالفًا للإجماع؛ فكيفَ بمَن يُحدِثُ قولاً في مسألة غير متنازع فيها، وليس فيها إلاَّ قولاً واحدًا، ولا يُعرَف مُوافقٌ له منَ العُلماء السَّابقين!؟ فهذَا يكون خلافُه أقبَح، وقولُه أشنَع.

ومن هذا القَبيل صنيعُ من أفتَى النَّاس بمَشروعيَّة إقامة صلاة الجُمعَة في البُيوت، في ظلِّ الحجر الصِّحِّي المضروب على النَّاس في جميع البُلدان، بسبب جائحة كورونا، حين أُغلقت المساجد والجوامع ولم يُؤذَن لأحدٍ بالصَّلاة فيها، ذلك لأنَّه لم يسبق لأحد من أهل العلم المتقدِّمين منهُم والمتأخِّرين أن أجاز إقامةَ صلاة الجمعَة في البَيْت أو الرَّحْل؛ فالمتعارَف عليه عندَ أهل العلم أنَّ صلاةَ الجمعَة قَد خصَّها الشَّارع بخصائص، وجعل بينَها وبين صلاة الظُّهر فروقًا قد تَزيد على العشرين فرْقًا[10]، وذكر لها الفُقهاء على خلاف بينَهم شروطًا ليسَت لغَيْرها من الصَّلوات وأنَّها تُقام في المسجد أو الجامع على رأي الجمهور، ومَن فاته حضورُها بعُذر أو بغَير عُذر، لا يُشرَع له إلاَّ أن يُصلِّيَها ظُهرًا، كمَا أنَّ مَن حضَرَها مع إمام يُؤَخِّرها عن وقتها فإنَّه يُصلِّي في الوقتِ ظُهْرًا في بيته؛ لأنَّ مَن تعذَّرَت عليه الجمعَةُ صلَّى ظُهرًا، كما هُو حالُ النَّاس أيَّام الغَلْق الشَّامل للمساجد.

وأمَّا ما جاءَ عن عُمَر رضي الله عنه حينَ كتبَ إلى أهل البَحريْنِ: «جَمِّعُوا حَيْثُ كُنْتُم»[11] فيُقصَدُ به صحَّةُ إقامتها في غير المُدُن والأمصار منَ القُرى والمياه ونحوها، ويستُدلّ بهذا الأثر على عدَم اشتراط المصْر، وأنَّه يُشرع إقامتُها في القُرى و«ما دونَها من أماكن التَّجمُّع»[12]،لهذا قال الإمامُ الشَّافعي: «معنَاه: في أيِّ قَرْيَةٍ كُنْتُمْ؛ لأنَّ مُقامَهُم في البحْريْنِ إنَّما يكونُ في القُرى»[13]؛ فأثر عُمر رضي الله عنه يتحدَّث عن مشروعيَّة إقامة الجُمعَة في القُرى، فهو محمُولٌ على المواضع الَّتي تقام فيها الجمعَة إذا توفَّرت شروطها ولو في غير المصْر أو المدينة؛ لأنَّه كانَ معهودًا عندهم أنَّ الجمعَة تُقام في مساجد الأمصار والمُدن، فلمَّا سألوا جاءهم الجوابُ أن أقيمُوها حيثُ أنتُم في قُراكم تجتَمعون على إمام يخطب فيكم ويُصلِّي بكم في مسجدِكم، قال ابنُ حزم: «وقولُ عُمر ابنِ الخطَّاب: «حَيْثُ ما كُنْتُمْ»: إباحَةٌ للتَّجميعِ في جميعِ المساجِد»[14].

وهذا الألباني رحمه الله الذي نسب إليه بعضُهم القولَ بمشروعية إقامة الجمعة في البيوت وهو منه بريء، يقول: «والحاصل أنَّ جميعَ الأمكنَة صالحةٌ لتأدية هذه الفَريضَة إذَا سكنَ فيها رجلان مُسلمان، كسائر الجماعات» علَّق في الحاشية موضِّحًا: «قلت: ومن هذه الأمكنَة: القُرى، والبَوادي، والتِّلاع، والمصايف، ومواطن النُّزهَة»[15].

أمَّا إباحةُ التَّجميع في البَيت أو الرَّحْل، وأنَّه بإمكان كلِّ أهل بيتٍ إقامة صلاةِ الجمعَة بركعتين وخطبتين في بيتهم، فهذا ما لم يرد به الأثر، ولا أظنُّه تبادَر إلى ذهن فقيهٍ أبدًا؛ إلاَّ إلى ذهن الدُّكتُور فركوس الَّذي قَال: «إنَّ من استطاعَ أن يُقيمَها في رحلِه بشرطها من غير حرج ولا مشقَّة عليه، فإنَّه لا يُعدُّ ـ عندي ـ من أهل الأعذار، وهو مُطالَبٌ بها شرعًا للآية السَّابقة»[16]، وقال في فتوى أخرى: «بأنَّه من استطاعَ أن يُقيمَها في رحْلِه أو سجنِه بشرطها من التَّكليف والعَدَد والخُطبة ونحوها من غير حَرَج ولا مشقَّةٍ فليحرص على أدائها على الوجه المطلوب شرعًا، بخلاف من لم يستطع أن يُقيمَها بشرطها فليُصلِّها ظُهرًا»[17].

وهذه مجازَفةٌ بالغةٌ، ومخالفةٌ صريحةٌ للعُلماء قاطبةً، وما تعارف عليه المسلمون، وانسياقٌ وراء فهْم سقيم؛ لأن الأصل أن يقيمَ أهلُ البلد الجمعة في جامع واحد، لكن جاز تعدُّدها للحاجة ودفعًا للحرج والمشقَّة؛ قال النَّووي: «والصَّحيح هو الجواز في موضعين أو أكثر بحسب الحاجة، وعُسْر الاجتماع»[18]، وذلك لأنَّ مقصد الجمعة هو الاجتماع والائتلاف، وإظهار شعارها؛ فكيف يُقال بعد ذلك: إنَّ الشَّارع أذن بتعدُّد إقامتها بعدد بيوت البلد؛ إنَّها غريبة من الغرائب وعجيبة من العجائب!!

وما كانَ للدُّكتُور أن يكتفيَ بقوله: «عندي»، فإنَّها لا تُجدي في هذَا المقام؛ وحقُّه أن يُسمِّيَ مَن سبقَه من العُلماء إلى ذلك[19]، أو من أقرَّه من علماء العَصر، وإلاَّ فليتَّق الله، وليسحَب فتواه، ولا يُصرَّ على باطله، ففي فتواه تحريفٌ للعلم، وتغريرٌ للأتباع، الَّذين يظنُّون لجهلهم أنَّها مسألةٌ اجتهاديَّة، وأنَّ شيخَهم مستَقلٌّ ويملكُ حقَّ الانفراد؛ وهو في الحقيقَة شذوذٌ، وخرقٌ لسَنَن أهل العلم، وإحداثُ قولٍ ليس له فيه إمام؛ قَال فقيهُ عصرنا العلاَّمةُ ابن عثيمين: «أمَّا أن يأتي بفِكر شاذٍّ لا يُوافِقُه عليه أحدٌ مِن المعاصِرين، ولم يسبِقْه إليه أحدٌ منَ السَّابقين، فهذَا ليسَ استقلالاً، بل يُسمَّى عند العُلماء: شُذوذًا»[20].

والَّذي حصَل مِن إغلاق المساجد، وتعليق الجمعَة والجماعَة فيها، ليس حالةً استثنائيَّةً من كلِّ وجه؛ لأنَّه قَد وقع مثلُه في أوقات ماضية، وفي عصُور مختَلفة، وفي بُلدان متنوِّعة بسَبَب الفتَن العامَّة المدلهمَّة والاقتتال، كما حدث في بغداد أيَّام سقوط الخلافة وغزو التَّتار، إذ عُطِّلت المساجد والجماعة والجمعة مدَّة شهور، أو بسَبَب الطَّواعين الجائحَة، التي كانت تحلُّ مرَّةً بعد مرَّة؛ فلم يُنقَل إطلاقًا أنَّ أحدًا أقام صلاةَ الجمعَة في البَيت.

فعَلى الرَّاغب في النَّجاة والسَّلامة أن يلزَمَ سَبيل المؤمنين، ويتَّخذَ منهجَهم طريقًا يَسير عليه، ولا يتَقدَّم بين يدَي السَّلَف بقَول لم يؤثر عنهم، أو بفعل لم يجْرِ عمَلُهم عليه، حتَّى لا يحيد عن السُّنَّة والهداية إلى البدعَة والضَّلالة؛ فإنَّ طريقةَ أهلِ البدَع أنَّهم يُحدِثون أقوالاً أو أفعالاً لم تُعهَد عند السَّلَف، ثمَّ يدعُون إليها، وإذا تمكَّنوا ألزموا النَّاسَ بها، قال ابنُ تيميَّة: «ولهذَا كانَ مِن شعارِ أهلِ البدَعِ: إحدَاثُ قولٍ أو فِعْلٍ، وإلْزامُ النَّاسِ به وإكراهُهُم عليهِ، والمُوالاةُ عليهِ والمُعاداةُ على ترْكِه، كما ابْتَدَعَت الخوارِجُ رأيَها، وألْزَمَت النَّاسَ به، ووالَت وعَادَت عليه، وابتَدَعت الرَّافضَةُ رأيَها، وألْزَمَت النَّاسَ بهِ، ووالَت وعادَتْ عليهِ، وابتَدَعَت الجهميَّةُ رأيَها وألْزَمَت النَّاسَ بهِ وَوَالَتْ وَعَادَت عليه …»[21].

فليُعلم أنَّ السَّلفي لا يخرُج عن أقوال من مضى من العلماء في مسائل العلم، سواء في تفسير الآيات، أو في معاني الأحاديث، أو في الحكم عليها قبولا وردًّا، أو في مسائل الفقه؛ وأنَّه إذا نصَرَ قولاً أو أيَّد رأيًا كان لزامًا عليه أن يذكُر من سبقَه إليه من عُلماء السَّلف الكِرام، حتَّى لا يؤاخَذ ولا يُلام، ولا يُقال فيه: إنَّه تكلَّم في مسألة ليس له فيها إمام.

 

(1) «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (ص245).

(2) «الموافقات» (4/248).

(3) «الانتصار لأهل الحديث» (ص223).

(4) «مجموع الفتاوى» (21/291).

(5) «تنبيه الرجل العاقل» (ص574).

(6) «شرح العقيدة الأصفهانيَّة» (ص630).

(7) أبو داود (4291)، وانظر «الصحيحة» (599).

(8) من تفريغ «أشرطة متفرقة» (268/21) ـ الشاملة.

(9) «سلسلة الهدى والنُّور» (852).

(10) انظر: «مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين» (15/376 ـ 378)، والعجيب أنَّ الدُّكتور فركوس يقول: «لأنَّ الجمعَة لا تختَلف عن غيرها مِنْ صلوات الجماعَة المكتوبة إلاَّ في مشروعيَّة الخُطبة قبلها» فتواه برقم: (1231).

(11) أخرجه ابن أبي شيبة (5068)، تحت ترجمة: «مَن كانَ يرى الجمُعَةَ في القُرَى وغيرِها»، أي حيث يجتمع جمع من النَّاس ويكون لهم فيه مسجد.

(12) قاله الألباني في «الضَّعيفة» (2/318).

(13) «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (4/322).

(14) «المحلى» (3/259).

(15) «الأجوبة النَّافعة» (ص78).

(16) من فتوى له بعنوان «في حكم البيع وقت صلاة الجمعة المعطَّلة في المساجد» المنشورة بموقعه (1243).

(17) من فتوى الدكتور فركوس بعنوان «أعذار الجمعة بين الحالة العادية والاستثنائية» المنشورة بموقعه برقم (1248).

(18) «المجموع»  (4/586).

(19) ووقفنا على كتابة لأحد الجهَّال من المتعصِّبين له، أراد أن يذكُر بعض مَن أقامَ صلاةَ الجمعة في بيته من المتقدِّمين من كُتب التاريخ وغيرها؛ وفرح بكتابته مشرف الموقع وعلَّق عليها بالمدح والثَّناء؛ لكن سرعان ما حذف المقال من النت؛ لإدراكه أنَّه فضح نفسَه وكشفَ للنَّاس جهلَه، ولم يأتِ بشيء غير الخَلْط والخَبْط وسُوء الفَهْم!!

(20) «مجموع فتاويه وسائله» (26/148).

(21) «الفتاوى الكبرى» (6/339).

 

نشر في العدد (65) من مجلة الإصلاح

 

 

التعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *