أخبار الكتب والتراث

المنظومة في الاعتقاد لابن المُهتار (ت:685هـ)

هذه منظومة ماتعة نافعة في الاعتقاد، ضمَّنها صاحبُها ـ على قلَّة أبياتها ـ أهمَّ مسائل أصول الدِّين بدءًا بالتَّوحيد بأنواعه الثَّلاثة: الأسماء والصِّفات والرُّبوبيَّة والعبادة، ثمَّ الإشادة بمتابعة النَّبيِّ الكريم ﷺ، والإشارة إلى بعض شمائله النَّبيلة وخصائصه الجليلة، وفضائل أمَّته والتَّنبيه على الطَّائفة المنصورة وأنَّهم هم حملة الأخبار ونقلة الحديث والآثار، ثمَّ شرع النَّاظم رحمه الله بالتوجُّه إلى الله ـ جلَّ وعلا ـ بدعوات مباركات، وتوسُّلات بأنسب الأسماء والصِّفات، مع الإشارة إلى أمور تتعلَّق باليوم الآخر من البرزخ والحشر والعرض والصِّراط وجنَّة الخلد وما فيها من النَّعيم، وأعظمه النَّظر إلى وجه الله ـ جلَّ جلاله ـ، ثمَّ اختتم النَّظم ـ كما هي السنَّة في آداب الدُّعاء ـ بالحمد والشُّكر والصَّلاة والسَّلام على خير الورى وعلى آله وصحبه والتَّابعين لهم بإحسان.

وأمَّا صاحب النَّظم(1) فهو المحدِّث القارئ مجد الدِّين أبو الفضائل يوسف بن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحمن المصريّ الأصل نزيل دمشق الشَّافعيّ الكاتب، المعروف بابن المُهتار ـ بضمِّ الميم ـ، المولود بدمشق في حدود سنة عشر وستمائة (610 هـ).

سمع على أبي عبد الله الحسين ابن المبارك الزَّبِيديّ «صحيح البخاري»، وسمع على شرف الدِّين محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن أبي الفضل السُّلمي المُرْسيّ الأندلسيّ «المدخل إلى كتاب السُّنن الكبرى» تأليف أبي بكر البيهقيّ، وسمع على الحافظ أبي عمرو بن الصَّلاح كتابه «علوم الحديث»، وسمع من ابن اللَّتِّيّ الشَّيخ الصَّالح المسنِد المعمّر أبي المنجى عبد الله بن عمر بن علي بن زيد البغدادي، وغيرهم.

وسمع منه الحافظ أبو الحجاج المزيّ، والفقيه المحدث علاء الدِّين أبو الحسن ابن العطَّار، وابن أبي الفتح، وغيرهم، وأجاز الحافظَ الذَّهبيّ بمرويَّاته.

وكان قارئ دار الحديث الأشرفيَّة بدمشق، ثمَّ ولي بها مشيخة دار الحديث النُّوريَّة، وكُفَّ بصرُه قبل موته بقليل، وكان له علم بالحديث والأدب، ومشاركة في بقيَّة العلوم، وكان ذا دِين وورعٍ وصلاح، كتب الأجزاء والطّباق بخطِّه الجميل الفائق، وانتفع النَّاسُ به وبكتابته الكثيرة.

وأثنى عليه الحفَّاظُ الكبار كالذَّهبي والبرزالي وابن كثير وغيرهم ثناءً عطرًا.

وكانت وفاته بدمشق في تاسع ذي القعدة من سنة خمس وثمانين وستمائة (685 هـ) ـ رحمه الله وأسكنه فسيح جنَّاته ـ.

وأمَّا النُّسخة الخطيَّة المعتمدة في التَّحقيق فهي من محفوظات مكتبة الأسد بدمشق (المكتبة الظَّاهريَّة سابقًا) في ضمن مجموع (3860 ـ العمرية 124)، تقع في ورقة ونصف ورقة (ل203 ـ 204أ) وخطُّها واضحٌ ومقروء، جلُّ كلماتها مشكولة، وبعضها غير منقوط.

وأمَّا ناسخُها فتبيَّن بمقابلة خطِّه بخطِّ كاتب سماعات بعض الأجزاء من المجموع نفسه أنَّه المحدِّث الفقيه أبو الحسن نور الدِّين علي بن مسعود ابن نفيس بن عبد الله الحنبلي الموصلي، نزيل دمشق، المولود في سنة أربع وثلاثين وستمائة (634 هـ)، والمتوفَّى في صفر سنة أربع وسبعمائة (704 هـ)، وكان ممَّن شيَّعه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحم الله الجميع ـ، وهو أحد شيوخ الحافظ الذَّهبي ترجمه في معجم شيوخه «المختص بالمحدثين» (ص176).

ونقل قطب الدين اليونيني في «ذيل مرآة الزمان» خمسة أبيات من شعره: البيت الأوّل  والثالث منها بنحو ما جاء في البيت الأوّل والسّادس من هذه القصيدة على اختلاف في بعض الكلمات، وأمّا البيت الثاني والآخران فليست من القصيدة التي بين أيدينا.

والأبيات هي :

 تَعَالى الإلهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ الفَرْدُ         العَليمُ بما يخْفَى مِن العَبْدِ أو يبْدُو

لَهُ الـمثَـلُ الأَعْـلَى عَــلَى كُـــلِّ خَـلْقِهِ    فَـلَــيْــسَ لَـــهُ قَــبْـــلُ وَلَــيْـسَ لَــهُ بَـعْـدُ

سَمِيعٌ إذا دبَّتْ عَلَى الصَّخْر نَمْلَةٌ         وَيَـنـظُرُ فـي الظَّـلــماءِ مَا هُوَ مُسْوَدُّ

كَــرِيــمٌ حَــلِيــــمٌ رَاحِـــمٌ مُــتَــعَـطِّفٌ   فَظُــنَّ بهِ الإحسَــانَ يَا أيُّــهَا العـــبْدُ

فَمَنْ مِثْلُ مَوْلَى يَغْفِرُ الذَّنْبَ كُـلَـّمـا       عَصَيْتَ إذَا اسْتَـغْفَرْتَهُ فَلَـهُ الحـمْدُ

وأمَّا عملي فيتلخَّص بعد هذه المقدِّمة في نسخ المخطوط وفق قواعد الإملاء الحديثة ومقابلته، وضبط ما يُشكل ـ ممَّا أُهمل ضبطُه ـ بالحركات، والتَّعليق على مواضع يسيرة عند الحاجة، وأسأل الله تعالى أن يجزي خيرًا ناظمه وناسخه، ومن أوقفني عليه وكلّ من أعان وساهم في إخراجه ونشره؛ إنَّه سبحانه خير مسؤول وأكرم مأمول.

وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ربِّ يسِّر وأعِنْ برحمتك([2])

أَنْشدَنا([3]) الشَّيخُ الإمام الفاضل مجدُ الدِّين أبو الفضل يوسف بن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحمن الكاتب المصريُّ الأصل نزيل دمشق لنفسه، بقراءتي عليه في منتصف جمادى الآخر سنة أربع وثمانين وستمائة بمسجد الرَّأس داخل باب الفراديس بدمشق المحروسة.

تَعالى الإلهُ الواحدُ الصَّمَدُ الفَرْدُ(1) لهُ عِلمُ مَا يَخْفَى من العَبْدِ أو يبْدُو
هُوَ الأَوَّلُ المُبْدِي(2) فلَيْسَ لَهُ نِدُّ هوَ الآخِرُ المُفْنِي(3) له القبلُ والبَعْدُ
إِلهٌ بَرَانَا لَيْسَ نعبدُ غيرَهُ وحُقَّ  لبَارِي الخَلقِ أنْ يَعْبدَ العبْدُ
تَقَدَّسَ عن زَوجٍ وعنْ ولدٍ لهُ وعن مُشبِهٍ أو أن يكونَ لهُ ضِدُّ
عليمٌ فَما شيءٌ عليه بعازِبٍ تَسَاوَى لمعلُوماتِهِ(4) القُرْبُ والبُعْدُ
سميعٌ إذا دبَّتْ على الصَّخرِ ذرَّةٌ ويُبصِـرُ في الدَّيْـجُوجِ(5) ما هُوَ مُسْوَدُّ
رحيمٌ لهُ تسعٌ وتسعونَ رحمةً وواحدةٌ في الحشـرِ تمَّ بها العَقْدُ(6)
وفي كُلِّ شيءٍ في الوَرَى آيةٌ لهُ تدلُّ عليه إنَّهُ واحدٌ فَرْدُ
فمَنْ كانَ حيًّا قلبُهُ ظَهَرَتْ لهُ ومَنْ كانَ مَيْتاً قلبُهُ فاتَهُ الرُّشدُ
أبانَ لَنَا طُرْقَ الهُدَى بنَبيِّنا محمَّدٍ المختارِ حتَّى صَفَا الوِرْدُ
نبيٍّ كريمٍ في القُرَانِ صفاتُهُ رؤوفٌ رَحيمٌ لم يَشِنْ قلبَه الحِقدُ
نبيٌّ سرىَ فوقَ البُراقِ كبَرقَةٍ إلى المسجدِ الأقصـى ودانَ له البُعْدُ
نبيٌّ علَا فوقَ الطِّباقِ مُقرَّباً فيَا حَبَّذا قربٌ بِهِ كَمُلَ السَّعْدُ
وكلَّمَهُ في حَضْـرةِ القُدْسِ ربُّهُ مُشَافهةً هَذا هُو الفخرُ والمَجدُ
وَيكفيهِ أنَّ النَّاسَ تحتَ لِوائهِ فيشفعُ فيهم حينَ يَعلُوهُمُ الجَهدُ
ويسجدُ تحتَ العَرْشِ للهِ حامدًا يُقالَ له ارفَعْ قد أجيبَ لكَ القَصْدُ
له الكوثرُ الموْرودُ حلوٌ شرابُهُ فَمَنْ نالهُ لم يَلْقَه ظَمَأٌ بَعْدُ
فما أَحدٌ يَستطيعُ حصـرَ صِفاتهِ وكيفَ  ولا   يُـحْــصى  لها  أَبدًا  عَدُّ
ومَاذا عَسى نَثْنِي عَلى خَيرِ مُرسَلٍ لَهُ مُعْجِزاتٌ نالهَا ما لَها حَدُّ
فإقرارُنا بالعَجزِ عن دَرْكِ وَصْفهِ مديحٌ لهُ، ثُمَّ اعتذارٌ لنا بَعْدُ
فأفلَحَ مَنْ أَضْحَى بنورٍ له اهْتَدَى وَقدْ خابَ مَن مَارى وكان لَه جَحْدُ
وأُمَّتُهُ في النَّاسِ هُمْ خَيرُ أُمَّةٍ كَذَا قالَ في تنزيلِهِ المَلِكُ الفَرْدُ
فطائفةٌ هُمْ ظَاهِرونَ بقَوْلِهِ عَلى الحقِّ طولَ الدَّهْرِ ما دامَ   يَمتدُّ
وهُمْ نَاقِلُو الأَخْبارِ أهلُ حَديثهِ كذا قالَ فِيهمْ مَنْ له الحلُّ والعَقْدُ(7)
ألا فابشِـرُوا يا  خيرَ طائفةٍ غَدَتْ بنصْـرٍ مِن الرَّحمنِ جَاء بِه الوَعْدُ
فأَسألُ ربَّ العرشِ جلَّ جَلالهُ يَقينًا وتَثْبيتًا إذا ضَمَّنا اللَّحْدُ
فَيَا خَيرَ مَأْمولٍ وَأَكرمَ رَاحمٍ وأَفضلَ مرجوٍّ لهُ يَرْتَجِي العَبْدُ
أَقِلْنَا ذنوبًا كالجبالِ عَظِيمةً وَهَبْهَا(8) ومَحِّصْها إذا مَسَّنَا الجَهدُ
وزَحْزِحْ عن النِّيرانِ ضَعْفَ جُسومِنا إذا اشْتدَّ وَهْجُ النَّارِ واحْترقَ الجِلدُ
وبَيِّضْ وُجُوهًا سَوَّدَتْها ذُنُوبُنَا وليسَ لنَا في العَرْضِ عَرْضٌ(9) ولا نَقْدُ
وثَبِّتْ لنَا الأقدامَ فَوْقَ صِراطِنا إذا زَلَّتِ الأقدامُ والأمرُ مُشْتَدُّ
وأدخِلْ برُحْماكَ الجِنَانَ جمِيعَنَا فأنْتَ كَريمٌ رَاحِمٌ صَمَدٌ فَرْدُ
وبالنَّظرِ الموعُودِ مَتِّعْ عُيونَنَا فَرُؤيَاكَ يَا مَوْلايَ جاءَ بها الوَعْدُ
قَصَدْنَا بِحُسْنِ الظَّنِّ غُفْرَ ذُنوبِنَا ونَرْجُو بِحُسْنِ الظَّنِّ أَنْ يَنْجَحَ القَصْدُ
فيَا ربِّ أَلْحِقْنَا بِمَنْ قَدْ هَدَيتَهُ فكانَ له الفِرْدوسُ والحورُ والخُلدُ
فَلَوْلاكَ تأمرُ بالدُّعاءِ تَفَضُّلًا لـما كانَ للعَاصِي يَدٌ قَطُّ تَمتدُّ
وَصَلِّ عَلى المخْتَارِ والآلِ كلِّهم وأَصْحابِه والتَّابعينَ لَهُمْ بَعْدُ
وَسَلِّمْ وحَقِّقْ مَا به قَدْ وَعَدْتَنا وآخرُ دَعَوَانا لَكَ الشُّكْرُ والحَمْدُ

 

والحمد لله وحده وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا.

ــــــــــــــــــــــــــ

[1] له ترجمة في «ذيل مرآة الزمان» لليونيني (4/307) و«تاريخ الإسلام» (15/563)، و«معجم الشُّيوخ» (2/392 ـ 393)، و«معجم المختص بالمحدثين» (ص 301) وكلّها للذَّهبي، و«الوافي بالوفيات» (29/156)، و«البداية والنِّهاية» (17/605)، و«ذيل التَّقييد في رواة السّنن والمسانيد» (2/327)، و«شذرات الذَّهب» (5/394).

[2] كتب في أعلى يسار هذا الوجه ما نصُّه: «نقله محمَّد ابن المحب». وهو الحافظ أبو بكر محمَّد بن عبد الله  بن أحمد المقدسي المشهور بابن المحب الصَّامت (ت 789 هـ)، تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، وصاحب كتاب «صفات ربّ العالمين» الَّذي فرغ من تحقيقه أخونا الفاضل الشَّيخ الدُّكتور عمار تمالت، ونسأل الله أن ييسِّر له طبعه ونشره عاجلًا.

[3] القائل: (أنشدنا) هو الكاتب نفسه وهو أبو الحسن علي ابن مسعود بن نفيس الحلبي المترجم آنفًا.

* منشور في مجلة الإصلاح العدد 60

التعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *