الكلمة الشهرية

من الآثار السيئة للفرقة

رمضان من عام 1441 هـ

الحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ الله، وعلى آ لِه وصحبِه وعلى مَن اتَّبع هداه، أمَّا بعد؛
فإنَّ طريقةَ أَهْل السُّنَّةِ والجمَاعةِ مبنيَّةٌ على اتِّباع الحَقِّ ورحمةِ الخَلْق، وقائمةٌ على العلمِ والرَّحمة والعدل والحكمة، وبعيدةٌ كلَّ البُعد عن الجهلِ والقسوة والظُّلم والعُدوان، قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ رحمه الله: «وأئمَّةُ السُّنَّةِ والجماعة وأهلُ العلمِ والإيمان فيهم العلمُ والعدل والرَّحمةُ، فيعلمون الحقَّ الذي يكونون به موافقين للسُّنَّة سالمين من البدعة، ويعدِلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾[المائدة:8]، ويرحمون الخلقَ فيريدون لهم الخيرَ والهدى والعلم، لا يقصدون الشَّرَّ لهم ابتداءً، بل إذا عاقبوهم وبيَّنوا خطأَهم وجهلَهم وظُلمهم كان قصدُهم بذلك بيانَ الحقِّ ورحمةَ الخلق والأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المنكر، وأن يكون الدِّينُ كلُّه لله، وأن تكونَ كلمةُ الله هي العليا» .
فتُلْفي الواحدَ منهم رحيمًا بالنَّاس، حريصًا على هدايتهم، مجتهدًا في إيصالِ الخير إليهم ودفع الشَّرِّ عنهم، ساعيًا في نُصرة مظلومهم والأخذ بيد ظالمهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين﴾[الأنبياء:107]، وقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾[الفتح:29]، وقال: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَة﴾[البلد:17-18]، والمرحمة هي الرَّحمة بالخلق، وقال رسُول الله ﷺ: «الرَّاحِمون يَرْحمُهم الرَّحمنُ، ارحَمُوا مَن في الأرض يرْحَمْكم مَن في السَّماء» ، وقال: «حُرِّمَ على النَّار كلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سهْلٍ قريبٍ مِن النَّاس» .
تجدُ هذا النَّوعَ صادقًا في كلِّ أمورِه عادلًا في جميعِ أحكامِه، يكيل بكيلٍ واحد ويزِن بميزان واحد، وهو الحقُّ والعدل الذي أمر الله به حتَّى مع المخالفين والشَّانئين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون﴾[المائدة:8]، وقال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾[الشورى:15].
فأمره عز وجل أن يعدلَ بين المشركين، فكيف بين المسلمين، بل كيف بين أهل السُّنَّة والجماعة؟
والعدلُ أن «يُعْطِيَ كُلَّ ذِي حقٍّ حقَّه ويَمْنَعَ كُلَّ مُبْطِلٍ عن باطِلِه» .
إنَّ أيَّ مناظرة أو محاكمة أو محاجَّة أو مجادلة إن لم تكن قائمةً على العدل والعلم لم يُجنَ منها إلَّا الشَّرُّ والفسادُ والظُّلم والبغي والعدوان، وهذا حال النَّاس اليومَ إلَّا من رحم الله.

ولم تزَلْ قلَّةُ الإنصافِ قاطعةً       بين الرِّجالِ وإن كانوا ذوي رحِمِ

وإنَّ من المصائب التي حلَّت بنا فتنةَ التَّنازعِ والاختلاف التي أوقدها قومٌ يُشبهون الحدَّاديَّة في التَّعالم والتَّطاول على الكبار والظُّلم والعدوان وقلَّة الرَّحمة والعدل والإنصاف، فمزَّقوا الدَّعوة السَّلفيَّة كلَّ ممزَّق وفرَّقوا بين أهلها شرَّ تفريق، وخالفوا طريقةَ أهل السُّنَّة والجماعة في التَّعاملِ مع السَّلفيِّين وأخطائهم، والحكمِ على الطَّوائف والأشخاص وانحرافاتهم:
فالحدَّاديَّة ومن شابههم يُبغضون العلماءَ الكبار ويطعنون فيهم ويثورون عليهم، ويُبدِّعون السَّلفيِّين الذين يخالفونهم كما يُبدِّعون من وقف معهم وساندهم ولو كانوا من عوامِّ النَّاس، فهم على مذهب «تبديع مَن لا يبدِّع مَن وقع في بدعة» دون تفصيل، بل يبدِّعون من يخالفونهم في طعوناتهم الفاجرة وإن لم يقعوا في بدعة، ويعادونهم عداوةً شديدةً مهما بذلوا من الجهود في الدَّعوة إلى السَّلفيَّة والذَّبِّ عنها، ومهما اجتهدوا في مقاومةِ البدع والحزبيَّات والضَّلالات.
ويدْعون إلى التَّقليد الأعمى والتَّقديس المقيت، كما هو حال الرَّوافض وغلاة الصُّوفيَّة، ويتعاملون بالكذبِ وتصديقِه والافتراءِ وترويجه؛ لإسقاط الأبرياء وتشويه الفضلاء، ويُزكُّون كلَّ مَن وافقهم ولو كان من المنحرفين والمجرَّحين.
وعندهم إصرارٌ على الباطل وتمادٍ فيه، وجرأةٌ عجيبة على تقليب الأمور بجعل الحقِّ باطلًا والباطلِ حقًّا، والصِّدق كذبًا والكذب صدقًا، وجعل الأقزام جبالًا والجبال أقزامًا.
ويتميَّزون بالغلظة والعُنف والجفاء والشَّراسة والقسوة وحبِّ الانتقام والإرهاب لدرجة أنَّهم يهدِّدون السَّلفيِّين ويخوِّفونهم ويضربونهم .
قال الشَّيخ ربيع ـ حفظه الله ـ:«ومن أهل الأهواء والضَّلال المحاربين للحقِّ وأهله فرقةُ الحدَّاديَّة التي أنشئت في الظَّلام لحرب أهل السُّنَّة السَّابقين واللَّاحقين ولحرب عقائدهم وأصولهم وهدمها، وحربُهم هذه لا تقوم على شيء من الحقِّ ولا من العلم والهدى، وإنَّما تقوم على الكذب والجهل والخيانات» .
إنَّ المفرِّقة عندنا شابهوا الحدَّاديَّةَ في صفاتهم، فيطعنون في العلماء الكبار، ويتَّهمونهم بالخَرَف وسوء البطانة والغفلة والتَّلقين لإسقاط أحكامهم ونزع الثِّقة بهم، ويأمرون أتباعَهم ومقلِّديهم بالقسوة على السَّلفيِّين ومضايقتهم وتهميشهم وهجرهم والتَّنكيل بهم وإحراق كتبهم، ويفتونهم بعدم تزويجهم وبمفارقة المرأة زوجَها الذي لا يوافقهم، وترك أخذ القرآن عنهم ويزوِّدونهم بتعليمات جائرة مضِلَّة، فصاروا بذلك يقسُون على السَّلفيِّين بغير حقٍّ، ويتهجَّمون ويضربون ويثورون على أئمَّة المساجد، كما فعلوا في إحدى الولايات، حيث قاموا بعد الصَّلاة رافعين أصواتَهم مطالبين تنحيةَ أحد إخواننا الأئمَّة، وأحدثوا فوضى وتشويشًا داخلَ المسجد، فانتهكوا حرمتَه واعتدَوْا على إمامِه في سلطانِه.
فهل هذه الأساليب مشروعة في التَّغيير أم هي من أساليب الخوارج المارقين والثَّوريِّين الدَّمويِّين؟
لقد صار أولئك لا يسلِّمون ولا يرُدُّون السَّلام ولا يشهدون الجنائز ولا يعودون المرضى، ويعُقُّون الوالديْن ويقطعون الأرحام ويسيئون الجوار، ويهجرون الأحبَّةَ والأصحابَ والمعلِّمين، ويَكفُرون الإحسانَ ويجحَدون المعروف، ويمنعون الطَّلبةَ والحُفَّاظ من الإمامة بالقوَّة، ووَصَل الأمرُ بأحدهم أن خرج من الصَّفِّ ولم يصلِّ على الميِّت لأنَّ الذي تقدَّم للصَّلاة عليه أحدُ المستمسكين بغرز الكبار، مع أنَّ الصَّلاة خلفَ المبتدِع تجوز بإجماع أهل السُّنَّة، وآخر يحرِّم الأكل من يد أخيه المخالف له، وشابٌّ يبصق على آخر لأنَّه يخالفه، وحَمَل أحدُ إخواننا على سيَّارته شابَّين من المفرِّقة ولمَّا علِمَا ـ بعد سؤاله ـ أنَّه لا يحضُر لأحد شيوخهم أمَراه بالتَّوقُّف حتَّى ينزلَا، وطَرَدت معلِّمةٌ متعلِّمةً لأنَّ زوجها رجع إلى قول الكبار، وهناك بقَّال يخرج من حانوته إذا دخل أحد الزَّبائن ـ وهو إمام فاضل ينصر الحقَّ ويجهر به ـ ولا يُكلِّمُه ولا يقبض منه المال، ويُولِّي ذلك غيرَه، وهناك من شُتِم وعيِّر وضُرب وشُجَّ رأسُه، ولو أردنا إحصاءَ ما أفسدوه لاحتجنا إلى سِفْر كبير.
زُيِّن لهم كشفُ الأستار وإذاعةُ سيِّءِ الأخبار، وإذا خالفتَ أحدَهم وقُلتَ أنا مع الكبار: مَقَتك وحاربك وتربَّص بك ونقَّب عن أحوالك القديمة وفتَّش عن عيوبك الماضية، وابتلوا بالقذف والطَّعن في الأعراض والاتِّهام باختلاس الأموال والتَّأكُّل بالدَّعوة.
والظَّاهر أنَّهم لمَّا أفلسوا من الأدلَّة والبراهين، لم يجدوا أمامَهم إلَّا قضيَّةَ الأموال، يغرُّون بها الأتباعَ ويُلبِّسون بها على المقلِّدين، أمَّا هم فكأنَّهم من الفقراء والمحاويج الذين يتوسَّدون الأرض ويلتحفون السَّماء، ليس لهم مساكنُ وسيَّاراتٌ وتجارات، ولا يستطيعون الحجَّ والعمرة ولا يسكنون الفنادق الفاخرة!
أَحَرَامٌ على بَلابِلِه الدَّوْحُ حلالٌ للطَّيْرِ مِنْ كُلِّ جِنْسِ
ومن عجيبِ أخلاقِ بعضِهم أنَّه إذا رآك أشاح وجهَه وأخرج صدرَه وغَيَّر طريقَه ورفع إلى أُذُنِه هاتفَه، وإذا صلَّى وراءَك شزَرك وجهَمَك، وقام بعد التَّسليم متمايِلًا مختالًا فخورًا كأنَّه طاووس.
وصاروا يتفكَّهون بأعراض السَّلفيِّين وطلبتِهم ومشايخهم وعلمائهم، باستثناء من وافقهم وأيّدهم ومدحهم وزارهم وشهِد مجالسَهم، وكلُّ هذا مشهور ومستفيض بالأدِلَّةِ والشُّهود، وصدق شيخُنا ربيعٌ إذْ قال: «لم يتربَّوْا تربيَّةً سلفيَّةً».
يُخيَّلُ إليك من صَنيعِهم أنَّهم يحاربون اليهودَ الغاصبين أو الصَّلبيِّين الحاقدين، أو أنَّهم يواجهون الملاحدة أو الجهْمية أو الخوارج أو الرَّوافض أو الزَّنادقة ونحوهم، ويا ليتهم فعلوا شيئًا من ذلك مع المبتدعة والمنحرفين حقًّا، لكن يستأسِدون على أهل السُّنَّة والجماعة ويجبُنون مع أرباب الهوى والبدعة، أَسدٌ عليَّ وفي الحُروبِ نَعامةٌ.
ومن المؤسف جدًّا أن يُنشرَ كلُّ ذلك في وسائل التَّواصلِ ويبلغَ شيءٌ منه المحاكمَ، حتَّى صرنا مَسْخَرةً بين الشَّانئين وشماتةً للمخالفين، وأصابنا الفشلُ وذهبت ريحُنا وتفتَّتت أواصرُنا.
وترتَّب على ما سبق توضيحُه وتشخيصُه نتائجُ وخيمةٌ وآثارٌ شنيعة، من انتشار لغةِ الطَّعن والعُنفِ والعَداء مع السَّلفيين ومشايخهم وتلامذتهم الذين لا يوافقون على الطُّعونات التي ليس عليها دليل، فيَعِزُّ أن تجدَ عند المفرِّقة لغةَ الحكمةِ والرَّحمة والعدل واللِّين والشَّفقة، ويندُر أن تكتحلَ عيناك برؤيةِ عباراتٍ في التَّقارُبِ والتَّآلف والتَّعاطف والإصلاح، بل تجدُ أقوالَهم وكتاباتِهم مشحونةً بأسلوبِ العُنف والقسوة والتَّهجُّم والسَّبِّ والقذْع والاستعلاء والاحتقار، والأمرِ بالقطيعة والتَّهميش والهجر.
فلسنا ندري كيف غُيِّبت تلك المعاني النَّبيلةُ والأخلاقُ الحميدة، وأين دُفن خُلقُ اللِّينِ والرِّفق والشَّفقة؟ قال الله عز وجل: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين﴾[النحل:125]، وقال لنبيِّه ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين﴾[آل عمران:159]، وعن عائشةَ رضي الله عنها «أَنَّ يَهودَ أَتَوُا النَّبيَّ ﷺ فقالُوا: السَّامُ عليكم، فقالت عائشةُ: عليكم ولَعَنَكمُ اللهُ وغضِب اللهُ عليكم، قال: مَهْلًا يا عائشةُ عليك بالرِّفقِ وإيَّاكِ والعنفَ والفحشَ…» الحديث ، وقال رسول الله ﷺ: «وأهلُ الجنَّةِ ثلاثةٌ: …ورجُلٌ رحيمٌ رقيقُ القلبِ لِكُلِّ ذي قُربى ومسلمٍ…» .
وأسرف بعضُ أتباعهم في العدوان حتَّى وصلوا إلى الضَّرب واستعمال القوَّةِ والإنكار باليد، في أمور هي من صلاحيَّة الحُكَّام والقضاة ونوَّابهم، وهل هذا إلَّا خروجٌ على الحاكم ومخالفةٌ لأمره وافتياتٌ على حقِّه.
والحقيقة أنَّ هذه الطَّريقةَ تُشبه طريقةَ الخوارجِ والتَّكفيريِّين والثَّوريِّين، الذين يستعملون القُوَّة والعُنف بألسنتهم وأيديهم، ويَخرجون على العلماء والحُكَّام، ويطعنون فيهم وينازعونهم حقَّهم.
لقد أشعل القومُ حربًا ضروسًا، وألهبها الأبواقُ والمقلِّدون والمقدِّسون والمغرَّر بهم والدُّخلاء وطالِبو التَّزكيات، وشحَنوا القلوب ـ بشكل رهيب ـ غِلًّا وحِقدًا وبُغضًا وكراهيَّةً، حتَّى صار أحدُهم يشمئزُّ من رؤيتك ومقابلتك فضلًا عن مصافحتك ومكالمتك، كلُّ ذلك تحت غطاء البُغضِ لله والصَّلابة في المنهج ومحاربةِ التَّمييعِ والمميِّعين، واجتهدوا في ترسيخ تلك المعاني الفاسدةِ في قلوب الأتباع وزرعها في نفوسهم للإجهازِ على السَّلفيِّين ومَحوِ أثرِهم ودفن وجودهم.
فبلغوا بذلك ذِروةَ المفاصلة، ولم يتركوا شعرةً للمصالحة، فهم لا يرغبُون في صُلحٍ ولا اجتماع ولا جلوس ولا مناقشةٍ، كما يرفضون الرُّجوعَ لنصائحِ الكبار كربيع وعبيد، ورَأيُهم هو الحقُّ ومذهبُهم هو الصَّوابُ وحكمُهم هو الفَيْصل.
إِذا قالتْ حَذامِ فصدِّقوها فإِنَّ القَولَ ما قالَتْ حَذامِ أمَّا المخالفون لهم ـ مهما كانت أدلَّتُهم وتأويلاتُهم وأعذارُهم ـ فلا يستحِقُّون إلَّا الهجرَ والقطيعة والطَّردَ والإهانة، وقد قُضي الأمرُ وطُوي المِلفُّ وجَفَّت الصَّحيفة.
أين يريد أن يَصلَ هؤلاء؟ كيف لو تمكَّنوا في الأرض؟ فربَّما أخذوا أموالَ المخالفين لهم ـ ولو كانوا مع كبار العلماء ـ وأخرجوهم من ديارهم وجلدوا ظهورَهم وضربوا رقابَهم.
فيا معاشر العقلاء! أين الدَّعوةُ إلى الاجتماعِ والتَّآلفِ والمحبَّة والرَّحمة؟ أين السَّعي إلى الإصلاحِ وجمعِ الكلمة ولَمِّ الشَّمل؟ أين الحرص على العفو والصَّفح والسِّتر؟ أين حقيقةُ التَّواضع وهضم النَّفس والتَّنازل عن حقِّها وعدمِ الانتقام لها، لمصلحة هذه الدَّعوة المباركة؟
يقول ربُّنا عز وجل: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[النساء:114]،ويقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾[الحُجُرات:10]، ويقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيم﴾[النور:22]، ويقول رسولُ ﷺ: «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهِم وتراحمهم وتعاطفهم مثَلُ الجسدِ إذَا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمَّى» ، وقال: «لا تَحاسدُوا ولا تَناجَشُوا وَلا تَباغَضُوا وَلا تدابروا ولا يَبِعْ بعضُكم على بيع بعضٍ وكونوا ـ عباد الله ـ إخوانًا، المسلمُ أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذُله ولا يحقِره» .
هدانا الله صراطه المستقيم، والحمد لله ربِّ العالمين.

المصدر: العدد (63) من مجلة الإصلاح

التعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *