ألفاظ ومفاهيم في الميزان

من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب

إنَّ ممَّا اتَّفق عليه أصحاب الفنون على تنوُّعها وأربابُ الصَّنائع على اختلافها وأهل التخصُّصات على تعدُّدها، بل ممَّا اتَّفق عليه عقلاءُ النَّاس قاطبة ذمَّ من تكلَّم في ما لا يُحسنه من الفنون والصَّنائع وقُبحَ من خاض فيما لا يُتقنه من العلوم والمعارف وعيبَ من ولجَ بابًا غير بابه، ومن الأمور المعروفة عندهم أنَّ تحدُّث المرء فيما لا يعرفُه ولا يُحسنه ضربٌ من السَّفاهة والحُمق ونوع من التكلُّف والتعنُّت، ولذا فممَّا قرَّره أهل العلم: أنَّه لا ينبغي للمرء أن يدخل في فنٍّ لا يعرفه مهما بلغ ذكاؤُه وحِذقه، لئلَّا يقع في أخطاء ومزالق وأوهام من حيث لا يدري، أو يقع في تناقضات وتحريفات وجهالات وهو لا يشعُر، فيكونُ سبّة الزَّمان، وأضحوكة الثَّكلان، وربَّما بقيت معرَّة عليه تحيا بحياته ولا تموت بموته.قال الإمام الشَّافعي رحمه الله: «فالواجبُ على العالِمين ألَّا يقولوا إلَّا من حيث علموا، وقد تكلَّم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلَّم فيه منه لكان الإمساك به أولى، وأقرب من السَّلامة له إن شاء الله»([1]).

ويشهدُ لهذا الأمر الَّذي قرَّره هؤلاء عموم النَّهي عن إتيان البيوت من غير أبوابها، قال الشَّيخ السّعدي رحمه الله: «فائدة: في قوله تعالى: ﴿وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189] يؤخذ من عمومها اللَّفظي والمعنوي أنَّ كلَّ مطلوب من المطالب المهمَّة ينبغي أن يُؤتى من بابه، وهو أقرب طريقة ووسيلة يُتوصلُّ بها إليه، وذلك يقتضي معرفة الأسباب والوسائل معرفة تامَّة؛ ليسلك الأحسن منها والأقرب والأسهل، والأقرب نجاحًا، لا فرق بين الأمور العلميَّة والعمليَّة، ولا بين الأمور الدِّينيَّة والدُّنيويَّة، ولا بين الأمور المتعدِّية والقاصرة، وهذا من الحكمة»([2]).

ثمَّ إنَّ ضرر الدَّاخل في غير فنِّه ضررٌ عظيم ومفسدته كبيرة، فإنَّه لن يزيد ذلك الفنَّ الَّذي تولّجه إلَّا ظلامًا وأوهامًا وتعقيدًا وتخليطًا، فيكون كما قيل: (يبني قصرًا ويهدمُ مصرًا)، ولهذا نجد بعضًا من كتب شروح الحديث والفقه ـ خصوصًا الحواشي منها ـ مليئةً بمثل هذه الأقوال والترَّهات الَّتي جاءت من غير متخصِّص في ذلك الفنِّ؛ فازدادت بذلك الأوراق، وكثُرت بسببها الأوهاق.

قال ابنُ حزم الأندلسي رحمه الله: «لا آفة على العلوم وأهلها أضرُّ من الدُّخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنَّهم يجهلون ويظنُّون أنَّهم يعلمون، ويفسدون ويُقدِّرون أنَّهم يُصلحون»([3]).

وقال الجرجاني: «إذا تعاطى الشَّيءَ غير أهله، وتولَّى الأمرَ غيرُ البصير به أعضلَ الدَّاء، واشتدَّ البلاء»([4]).

فالمقتحم لفنٍّ غير فنِّه والمتكلِّم في غير علمه يُعاب ولا يُحمد ويذمُّ ولا يُمدح مهما علا كعبُه في فنٍّ معيَّـن وبرز في علم من العلوم، فهذا الإمام يحي بن معين رحمه الله لمَّا سُئل عن إبراهيم بن محمَّد ابن عرعرة وثَّقه وزكَّاه، لكن عابه بهذا الأمر، فقال فيه: «ثقةٌ معروف مشهور بالطَّلب، كيِّسُ الكتاب، ولكنَّه يُفسد نفسه؛ يدخل في كلِّ شيء»([5]).

ثمَّ إنَّه وإن كان هذا المتكلِّم في غير فنِّه عالمًا مبرّزًا في فنٍّ من الفنون متخصِّصًا فيه لا يُشقُّ غباره فيه، إلَّا أنَّه إذا تكلَّم في غير فنِّه فسيأتي بالغرائب والعجائب لا محالة، ويُفتضحُ بضعفه وقلَّة بضاعته، ولذلك ممَّا سطَّرته أنامل أهل الفنون أنَّ (من تكلَّم في غير فنِّه أتى بالعجائب)، وقد اشتُهر أنَّ أوَّل من قال هذه الكلمة هو الحافظ ابن حجر رحمه الله ، قال الشَّيخ أحمد شاكر رحمه الله معلِّقًا على هذه الكلمة: «هي كلمة حكيمة وحكمة نادرة، قالها الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، والحافظ ابن حجر هو إمام أهل العلم بالحديث، وخاتمة الحُفَّاظ، بل هو المحدِّث الحقيقي الأوحد منذ القرن الثَّامن الهجري إلى الآن، وقد قال هذه الحكمة الصَّادقة في شأن رجل عالم كبير من طبقة شُيوخه، وهو (محمَّد بن يوسف الكرماني) شارح البخاري، إذ تعرَّض في شرحه لمسألة من دقائق فنِّ الحديث لم يكُن من أهلها، على علمه وفضله، فتعرَّض لما لم يتيقَّن معرفته، والكرماني هو الكرماني، وابن حجر هو ابن حجر»([6]).

وصدق الحافظ ابن حجر رحمه الله فيما قاله؛ فقد ضبط العلماء عجائب وغرائب على هؤلاء الأدعياء الَّذين دخلوا في فنون ليسوا من أهلها، وفي كُتب الرُّدود والتتبعات من ذلك الشَّيء الكثير، بل من الأخبار في ذلك ما يُضحك الثَّكلى، حتَّى صار بعضهم مسخرةً لدى صغار الطلَّاب.

6 ومن الأمثلة على ذلك: قصَّة زين الدِّين عمر بن أبي الحمراء الدِّمشقي، وهو من أقران ابن سيِّد النَّاس، وكان عدادُه في كبار الفقهاء والمفتين، ولكنَّه ولي درسَ الحديث في القُبَّة المنصوريَّة من قبل جمال الدِّين آقوش، فتكلَّم النَّاس في ذلك، وصار صغار الطَّلبة ينقلون إلى ابن سيِّد النَّاس ما يحصل لهذا الرَّجل من أغلاط، فيقولون: صحَّف في كذا، ووهِمَ في كذا وكذا، حتَّى قال الكمالُ جعفر:

بـالــجاهِ تـبــلــغُ ما تُـريـدُ فــإن تُــردْ

رُتــبَ المــعــالي فــلــيكُــنْ لــك جــاهُ

أوَ ما ترى الزينَ الدِّمشقيَّ قد ولي

درس الحديث وليس يدري ما هو

وكان زينُ الدِّينِ هذا يعرفُ ذلك من نفسه، فيقول: «ولَّوْنا ما يضحك فيه الصِّبيان منَّا (يعني: درسَ الحديث)، ومنعونا ما نضحكُ فيه على الأشياخ (يعني: درسَ الفقه)» لأنَّه كان فيه ماهرًا([7]).

6 ومن الأمثلة على ذلك أيضًا: إنكار السُّيوطي رحمه الله على خصمه الجوجري على ما أفتى به في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى[الليل:17] بأنَّ الآية وإن نزلت في أبي بكر رضي الله عنه فإنَّها عامَّة المعنى، إذ العبرةُ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، فردَّ عليه السُّيوطي بقوله: «هذا شأنُ من يُلقي نفسهُ في كلِّ واد، والرَّجل فقيه فماله يتكلَّم في غير فنِّه؟ وهذه المسألة تفسيريَّة حديثيَّة أصوليَّة كلاميَّة نحويَّة، فمن لم يكن متبحِّرًا في هذه العلوم الخمسة لم يُحسن التكلُّم في هذه المسألة»([8]).

6 ومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (1/24)متعقِّبًا أحدَ الشُرَّاح، فقال: «قد غفل صاحبُ (الطيّب الشذيّ) عمَّا ذكرنا آنفًا من أنَّ التِّـرمذي إذا يقول الأنصاري فيعني به إسحاقَ بن موسى الأنصاري، فلذلك قد وقع في مغلطة عظيمةٍ، وهي أنَّه قال في باب ماء البحر أنَّه طهور ما لفظه: «قوله الأنصاري: هو يحي بن سعيد الأنصاري كما يظهرُ من تصريح الحافظ في «التَّلخيص» كما سيأتي في تصحيح الحديث» انتهى، قلتُ: العجبُ أنَّه من هذه الغفلة الشَّديدة كيف جوَّز أنَّ الأنصاري هذا هو يحي بن سعيد الأنصاري، والأنصاريّ هذا هو شيخ التِّـرمذي، فإنَّه قال: «حدَّثنا الأنصاري»، ويحي بنُ سعيد الأنصاري من صغار التَّابعين، فبين التِّـرمذي وبينه مفاوز تنقطعُ فيها أعناقُ المطايا، فهل يمكن أن يقول الترمذي: حدَّثنا يحي بن سعيد الأنصاري؛ كلَّا ثمَّ كلَّا، ثمَّ العجبُ على العجب أنَّه قال: «كما يظهرُ من تصريح الحافظ في التَّلخيص»، ولم يُصرِّح الحافظ في «التَّلخيص» أنَّ الأنصاري هذا هو يحي بن سعيد الأنصاري ولا يظهرُ هذا من كلامه البتَّة، وقد وقع هو في هذا في مغلطة أخرى، والأصل أنَّ الرَّجل إذا تكلَّم في غير فنِّه يأتي بمثل هذه العجائب».

6 ومن الأمثلة على ذلك أيضًا: ما ذكره الشَّيخ الألباني رحمه الله عن الَّذين يتكلَّمون في تصحيح الأحاديث وتضعيفها بغير علم، بل بالهوى أو بالتَّقليد الأعمى لمن لا تخصُّصَ له بهذا العلم الشَّريف ولا له أيَّةُ معرفة به، كحال الصَّابوني صاحب «مختصر تفسير ابن كثير» فإنَّه ذكر حديث «أرِحنا بها يا بِلالُ»، فقال في الحاشية مخرِّجًا له: «لسان العرب»، قال الشَّيخ الألباني رحمه الله معلِّقًا: «فلم يعرف هذا المسكين مصدرًا لهذا الحديث المعروف بأنَّه ليسَ من كُتب الحديث، وإنَّما هو في اللُّغة، مع أنَّه في «سنن أبي داود» ومُخرَّج في كتب السنَّة مثل «المشكاة» وغيره»([9]).

وقال السَّمعاني ـ في سياق ردِّه على بعض من تكلَّم في علم الحديث وليس من أهله ـ: «وأنا أعلم قطعًا أنَّه لم يكن له في هذا العلم حظٌ ـ أعني العلم بصحيح الأخبار وسقيمها، وبمشهور الأخبار وغرائبها، ومنكراتها وغير منكراتها ـ؛ لأنَّ هذا أمر يدورُ على معرفة الرواة، ولا يُمكن أن يقترب من مثل هذا بالذَّكاء والفطنة، فكان الأولى به ـ عفا الله عنه ـ أن يترك الخوض في هذا الفنِّ، ويُحيله على أهله؛ فإنَّ من خاضَ فيما ليس من شأنه، فأقلُّ ما يُصيبه افتضاحه عند أهله»([10]).

ولذا كان أهل العلم لا يسلِّمون للأحاديث الَّتي يذكرها الفقهاء في كتبهم حتَّى تُعرض على قواعد المحدِّثين، قال اللكنوي: «أجلَّة الفقهاء إذا كانوا عارين عن تنقيد الأحاديث لا نُسلِّم الرِّوايات الَّتي ذكروها من غير سندٍ ولا مستندٍ إلَّا بتحقيق المحدِّثين»([11]).

وقال ابن حبَّان ـ في الردِّ على من قال: إنَّ علم الجرح والتَّعديل من الغيبة المحرَّمة ـ: «ولو تملَّق قائلُ هذا القول إلى باريه في الخَلوة، وسأله التَّوفيق لإصابة الحقِّ، لكان أولى به من الخوضِ فيما ليس من صناعته»([12])، وقد قال هذا رحمه الله في زمانه الَّذي كان يعُجُّ بالعلماء وأهل الحديث، فكيف لو رأى زماننا هذا الَّذي هو زمن العجائب والغرائب بحقّ، ومن عجائبه أن صار يتكلَّم كلُّ من هبَّ ودرج في علوم الشَّرع، وفي هذا العلم الجليل ـ أعني علمَ الجرح والتَّعديل ـ الَّذي لم يتكلَّم فيه قديمًا إلَّا القلَّة من العلماء ممَّن اجتمعت فيهم أوصاف دقيقة من العلم والتَّقوى والورع وغير ذلك، حتَّى خاض في زماننا هذا الجهَّالُ والسُّفهاء والصِّبيان في هذا العلم وصاروا يتعقَّبون أهل العلم فيه بحقٍّ كتعقبهم الشَّيخ ربيعًا ـ حفظه الله تعالى ـ الَّذي شهد له العلماء الأكابر بأنَّه حاملُ لواء الجرح والتَّعديل في هذا الزَّمان، وترى الواحد منهم لا يُحسن مسائل الطَّهارة والصَّلاة ويتكَّلم في قواعد الجرح والتَّعديل كالجرح المفسَّر مقدَّم على التَّعديل، وبلديّ الرَّجل أعرفُ به من غير بلديِّه، ويردُّ بذلك على هذا العالم الجليل، وهذا ممَّا يندى له الجبين، والله المستعان.

ولذا فيُقال لمن كان هذا حالَه كما قال السُّبكي رحمه الله: «ليس هذا بعُشِّك فادرجي، فلستَ من رجال هذه المحافل ولا من فرسان هذه الجحافل، أما علمت أنَّ الخارجَ عن لغته لحَّان، وأنَّ الدَّاخل في غير فنِّه يفضحُه الامتحان»([13]).

فالدَّاخلُ في غير فنِّه يُفتضحُ أمره ولا بد، وتنكشف حقيقته عند الامتحان، ويتَّضح أنَّه كان لابسًا ثوبَي زورٍ ومتشبِّعًا بما لم يُعطَ، ويصدق فيه قول القائلِ:

كلُّ من يدَّعي بما ليس فيهِ

فضحتهُ شواهدُ الامتحانِ

6 وممَّا قرَّره أهلُ العلم أيضًا في هذه القضيَّة: أنَّ من تعاطى تحريرَ فنٍّ غيرِ فنِّه فهو متعنٍّ، فالسَّخاوي رحمه الله عند كلامه عن الحديث المعلّ ذكر أنَّ هذا النَّوع من أغمض الأنواع وأدقِّها، ولذا لم يتكلَّم فيه إلَّا الجهابذة أهل الحفظ والخبرة والفهم الثَّاقب مثل: ابن المديني وأحمد والبخاري ويعقوب بن شيبة وأبي حاتم وأبي زرعة والدَّارقطني، ثمَّ قال: «هذا مع اتِّفاق الفقهاء على الرُّجوع إليهم في التَّعديل والجرح، كما اتَّفقوا على الرُّجوع في كلِّ فنٍّ إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فنٍّ غير فنِّه فهو متعنٍّ»([14]).

وهذا الَّذي ذكره السَّخاوي رحمه الله من اتِّفاق أهل العلم على الرُّجوع في كلِّ فنٍ إلى أهله يشهدُ له أقوالُ الأئمَّة الكبار وصنيعهم ومواقفهم، فقد كان الفقهاء البارعون في الفقه يرجعون إلى أهل الحديث في التَّصحيح والتَّضعيف والحكم على الأحاديث، وكذا أهل الحديث يرجعون إليهم في مسائل الفقه، ويرجع هؤلاء إلى المفسِّرين في علم التَّفسير، وهكذا في كلِّ فنٍّ، ولا يرى أيُّ أحد منهم أنَّه قد نقص من قدره شيء، ولا يجدُ أحدُهم غضاضةً في نفسه ولا يستنكفُ أن يسأل أهل الاختصاص ويرجع إليهم، لأنَّهم كانوا يحترمون أهل التخصُّص في تخصُّصهم ويُسلمون لهم إذا تكلَّموا في فنِّهم ويعرفون لهم قدرهم ومنزلتهم.

فهذا الإمامُ الشَّافعي رحمه الله كان إمامًا في الفقه والأصول، لكنَّه لم يبلُغ تلك المرتبة في الحديث، يقول للإمام أحمد: «أنتم أعلمُ بالحديث منِّي، فإذا صحَّ عندكم الحديثُ عن النَّبيِّ ﷺ، فقولوا لنا حتَّى نأخذ به»([15]).

وقال الحميدي: «صحبتُ الشَّافعي من مكَّة إلى مصر، فكنتُ أستفيدُ منه المسائل، وكان يستفيدُ منِّي الحديث»([16]).

وقال البيهقي رحمه الله: «وكان الشافعيُّ يحفظُ من الحديث ما كان يحتاجُ إليه، وكان لا يستنكفُ من الرُّجوع إلى أهله فيما اشتبه عليه منه؛ وذلك لشدَّة اتِّقائه لله ـ عزَّ وجلَّ ـ، وخشيته منه، واحتياطه لدينه»([17]).

وهذا الإمامُ أحمد سُئل عن حرفٍ من غريب الحديث، فقال: «سلوا أصحاب الغريب، فإنِّي أكرهُ أن أتكلَّم في قول رسول الله ﷺ بالظَّنِّ فأُخطئ»([18]).

وهذا شُعبة بن الحجَّاج رحمه الله حدَّث في مجلسه فقال في حديث: (فتسمعون جَرْشَ طيرِ الجنَّة)، فردَّ عليه الأصمعيُّ وكان جالسًا في ذلك المجلس، وقال: (جَرْس) ـ يعني بالسِّين المهملة ـ فنظر إليه شُعبةُ، وقال: «خذوها عنه؛ فإنَّه أعلمُ بهذا منَّا»([19]).

ومن هنا كان لرأي المتخصِّص وزنُه واعتباره عند العلماء، ومن مقولاتهم في ذلك: (من غلبَ عليه فنٌّ يُرجعُ إليه فيه دون غيره)، فمن ذلك ما قاله الحُميدي بعد أن ذكر الخلاف في موت أحد المحدِّثين، قال: «على أنَّ أبا سعيد ابن يونس قد حكى قول أحمد بن محمَّد ابن عيسى ولم يعترض عليه، وهو من أهل البحث عن أهل المغرب والاختصاص بمعرفتهم»([20])، فانظر كيف قبِلَ كلام أحمد هذا وأمضاه؛ لأنَّ أبا سعيد ابن يونس المتخصِّص في رجال المغرب لم يعترض عليه.

والمقصودُ أن يحذر الإنسان من التكلُّم في غير فنِّه ويجتنب الخوضَ فيما لا يُحسنه من العلوم، وعلى الرَّاغب في الكلام في فنٍّ معيَّن أن يتفرَّغ له، وأن يجتهد في ضبطه وإتقانه وأن يأخذَه على أربابه، أو أن يدعه لأهله المعتنين به، ولا يُلوِّثَه بجهالاته، أمَّا أن يدخل فيه للنُّزهة والتذوُّق فهذا ممَّا لا يُحمد، والحمد لله ربِّ العالمين.

 

 

[1] «الرِّسالة» (41).

[2] «تيسير اللَّطيف المنَّان» (317).

[3] «مداواة النُّفوس» (ص 23).

[4] «دلائل الإعجاز» (ص 482).

[5] «سير أعلام النُّبلاء» للذَّهبي (11/480).

[6] «كلمة الحق» (ص 76).

[7] «الدُّرر الكامنة» لابن حجر (4/190).

[8] «الحاوي للفتاوي» للسُّيوطي (1/388).

[9] «السِّلسلة الصَّحيحة» (4/13).

[10] «قواطع الأدلَّة» (1/399).

[11] «ردع الإخوان» (ص61).

[12] «المجروحين» (1/17).

[13] «طبقات الشَّافعية» للسُّبكي (9/357).

[14] «فتح المغيث» للسَّخاوي (1/289).

[15] «مناقب الشَّافعي» للبيهقي (2/154).

[16] «مناقب الشَّافعي» للبيهقي (2/153).

[17] المصدر السَّابق.

[18] «علوم الحديث» لابن الصلاح (ص 272).

[19] «فتح المغيث» للسَّخاوي (3/168).

[20] «جذوة المقتبس» للحميدي (2/542).

 

* نشر في العدد 60 من مجلة الإصلاح

التعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *