الكلمة الشهرية

من هو العالم؟

شعبان من عام 1441 هـ

إنَّ معرفة العالم وتمييزه عن غيره ودلالة النَّاس عليه هو شطر طريق الإصلاح، إذ به تكونُ الأمَّة قد أسنَدَت أمرَها إلى أهل الأمانة، وسلَّمت أمر علاج أدوائها إلى المؤهَّلين لذلك.
وعدم التَّمييز بين العالم وغيره، وخفاء ذلك على كثير من النَّاس هي معضلةٌ حاصلةٌ منذ أزمنة بعيدَة، ففي قصَّة الرَّجُل الَّذي قتَلَ تسعَةً وتسعينَ نفسًا ثمَّ عزم على التَّوبةَ ـ كما في «صحيح مسلم» ـ: «فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه، فقال: إنَّه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا؛ فقتله، فكمَّل به مائة، ثمَّ سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنَّه قتل مائة نفس …» الحديث.
الشَّاهد: أنَّ هذا القاتل التَّائبَ لمَّا سأل عن عالم بل عن أعلم أهل الأرض في زمانه، أرشدَه مَن أرشدَه إلى رجل راهب؛ أي صاحب عبادة وزُهْد، ولم يكن عالمًا، وهذا واقع العامَّة في كلِّ زمانٍ يعتَقدون العلمَ في كلِّ مَن ظهر منه شيءٌ من سِيما التَّعبُّد.
ومن فوائد هذا الحديث الجليلة أنَّ الجاهل ومن لا علمَ عندَه حقُّه أن يسألَ، ولا يسأل غيرَ العالم، ومصداقُه قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون﴾ [النحل: 43].
فلا يجوزُ سُؤال المقلِّد؛ لأنَّه غير عالم، وليس من شأنه الاستنباط، ولا من وظيفته النَّظر في الأدلَّةِ، قال الشَّاطبي: «فلا يصحُّ لَهُ إلاَّ سؤالُ أهلِ الذِّكرِ، وإليهم مرجعُهُ في أحكام الدِّينِ على الإطلاق، فهُم إذن القائمون له مقامَ الشَّارِعِ، وأقوالُهم قائمةٌ مقامَ أقوالِ الشَّارِع».
فليسَ كلُّ مَن ادَّعى العلمَ أو انتسبَ إلى أهله صار عالمًا، ولا كلُّ من أحسن الخطابَ وأبدع في الكلام كان عالمًا، كما أنَّه ليس بالضَّرورة أنَّ كلَّ مَن جلس إلى العلماء أو رحل إليهم وصاحبَهم يصير عالمًا.
فالعالمُ حقًّا هُو مَن اشتَهر بطلب العلم عند أهله، وقضَى عُمْرًا في ذلك ولم ينقَطع، وألَمَّ بمُجمل أحكام الكتاب والسُّنَّة، وكانَ عارفًا بالنَّاسخ والمنسُوخ، وبالمطلَق والمقيَّد، وبالمجمَل والمفسَّر، ونحوها، وكانَ مُطَّلعًا على ما أجمع عليه أهلُ العلم، وما اختلفُوا فيه؛ فالخُلاصَةُ أنَّه محيطٌ بجملة أحكام الشَّريعَة؛ ويُنصَح هنا بمراجعة كتاب ابن عبد البَرِّ «جامع بيان العلم وفضلِه»، فقَد عقد ترجمَةً بعُنوان «باب مَن يستحقُّ أنْ يُسمَّى فقيهًا أو عالمًا حقيقةً لا مجازًا، ومن يجوزُ له الفُتْيَا عندَ العُلماء».
ثمَّ لا يكتَفى بهذا، حتَّى يشهدَ له عُلماء زمانه ببُلوغ رُتبة العالم، وأنَّه أهلٌ للفتوى؛ فممَّا كان معهودًا عند السَّلف والخلف أنَّ العالمَ لا يتصَدَّر حتَّى يشهَد له علماءُ عصره، ويجيزون علمَه وأنَّه أهلٌ لأن يُؤخَذ عنه العلم، فيثبُت نسبُه العلمي، ويُتحقَّق من مستواه المعرفي، ففي «الحلية» (6/316 ـ 317) بسنده إلى خلَف ابن عَمْرو، قال: سمعتُ مالك بن أنس، يقول: ما أجبتُ في الفُتيا حتَّى سألتُ من هو أعلمُ منِّي: هل يراني موضعًا لذلك؟ سألتُ ربيعة، وسألتُ يحيى بنَ سعيد فأمراني بذلك، فقُلت له: يا أبا عبد الله فلو نهَوْك؟ قال: كنتُ أنتهي؛ لا ينبغي لرجُل أن يَرى نفسَه أهلاً لشيءٍ، حتَّى يسأل من هو أعلم منه».
وفي نفس المصدر: قال أبو مصعب: سمعتُ مالكَ بن أنس، يقول: «ما أفتيتُ حتَّى شَهد لي سبعُونَ أنِّي أهلٌ لذلكَ».
فعلى مَن وجدَ في نفسه أهليَّةً أن يعرضَ علمَه على العلماء المحقِّقين، ليشهَدوا بعلمِه، فلا شهادة مُعتَبرَةً إلاَّ شهادة هؤلاء، ولا تزكيةَ مُعتَدًّا بها إلاَّ تزكية هؤلاء، فلو اجتمعت العامَّةُ كلُّها وكانت بأعداد رمل صحراء الجزائر على إطلاق وصف العالم على شخص ما، ولم يكن فيهم عالمٌ محقِّقٌ، فلا عبرةَ بهم.
فالعالم يشهَد له العالم بكونه عالمًا، وعلى هذا الأساس درجت الأمَّة الإسلاميَّة جيلًا بعد جيل، كلُّهم على هذا السَّبيل، فبقيت عُرى العلم متماسكة، وسلسلةُ إسناده متَّصلة، وحُفظ الإرث النَّبويُّ، ومن شذَّ عنه فهو ضالٌّ غويٌّ، فالعالمُ يعرفُه العُلماء، فيُعرِّفون به النَّاس ويُشهِّرونه بينَهم، ويشهدون على صحة علمه وسلامة منهجه ومعتقده، تحت مبدَأ التَّزكية والإجازَة.
وتتابع العُلماء ـ وبخاصة المحدِّثين ومنهم علماء الجرح والتَّعديل ـ على تزكية وتعديل العالِم الموثوق بعلمِه ودينِه، وتجريح من اختلَّ علمُه أو عملُه؛ بناء على ضوابط ومواصفات علميَّة شرعيَّة دقيقَة، يتمُّ تطبيقُها بموضوعيَّة وتجرُّد، من غير عاطفة أو انحياز، ودون التفات إلى كثرة عبادته وزهده، أو كثرة تآليفه وفتاويه، أو كثرة أتباعه ومُجالسيه، ونحوها من الأوصاف، إذ كم من عالم قد عُدَّ من أوعيَة العلم ولم يخلِّف مؤلَّفًا، وكم من جهبذ في العلم ولم يتولَّ منصبًا في هيئات التَّدريس، وكم من متضلِّع في العلم ولم ينل وظيفةً من الوظائف، وكم من عالم زكيٍّ ولا يجلس عندَه سوى النَّفر اليسير، وهلمَّ جرًّا.
قال الإمامُ مالك $: «أدْرَكتُ بهذا البلد ـ أو قال: في هذا المسجد ـ رجالًا لهم فضلٌ في دينِهم وصلاحٌ، ما كتَبْتُ عن أحَدٍ منْهُم حرْفًا؛ لأنَّهُم كانُوا لا يدْرُونَ بمَا يُحَدِّثُونَ» [«معجم ابن المقرئ» (1102)].
فلابدَّ من التَّفريق بينَ العالم الَّذي يصلُح لأخذ العلم عنه، وبين غيره ممَّن قد يُمارسُ العلمَ وينتَسب إلى العلم، لكن لا يبلغُ درجةَ الأوَّل ووصفَه، فلا يصلُح لنقل العلم ونشره.
ويحسن هنا ذكر علامات وأوصاف يتميَّزُ بها العُلماء الحقيقيُّون حملةُ العلم النَّافع عن غيرهم، أوردها ابنُ رجَب الحنبلي في رسالته النَّفيسَة الموسومَة بـ: «فضل علم السَّلف على علم الخَلَف»، نسوقها مع تصرُّف واختصار لها؛ وهي أربع علامات، قال:
1ـ فلهذا كان من علامات أهل العلم النَّافع أنَّهم لا يرونَ لأنفسِهم حالا ولا مقامًا، ويكرهُون بقُلوبهم التَّزكيةَ والمدحَ، ولا يتَكبَّرُون على أحد،…
وأهلُ العلم النَّافع كلَّما ازدادُوا في العلم ازدادُوا تواضُعًا لله وخشيةً وانكسَارًا وذُلاًّ.
2ـ ومن علامات العلم النَّافع أنَّه يدلُّ صاحبَه على الهرب من الدُّنيا، وأعظمها الرِّئاسة والشُّهرة والمدح؛ فالتَّباعُد عن ذلك والاجتهاد في مُجانبَته من علامات العلم النَّافع.
فإذا وقع شيءٌ من ذلك مِن غير قصْدٍ واختيارٍ كانَ صاحبُه في خوف شديدٍ من عاقبتِه، بحيثُ إنَّه يخشَى أن يكونَ مكرًا واستدراجًا، كما كان الإمامُ أحمد يخافُ ذلك على نفسِه عند اشتهار اسمِه وبُعْدِ صِيتِه.
3ـ ومن علامات العلم النَّافع: أنَّ صاحبَه لا يدَّعي العلمَ، ولا يفخَر به على أحَدٍ، ولا ينسِبْ غيْره إلى الجهل؛ إلاَّ مَن خالفَ السُّنَّةَ وأهلَها، فإنَّه يتكَلَّم فيه غضَبًا لله، لا غضَبًا لنفسِه ولا قصْدًا لرفعَتِها على أحد.
وأمَّا مَن علمُه غير نافع فليسَ له شُغلٌ سوى التَّكبُّر بعلمِه على النَّاس، وإظهارِ فضلِ علمِه عليهم، ونسبَتهِم إلى الجهل وتَنَقُّصِهم ليرتفعَ بذلكَ عليْهم، وهذَا مِن أقبح الخصَال وأردئها.
وربَّما نسَب مَن كانَ قبلَه منَ العُلماء إلى الجَهل والغفلَة والسَّهو، فيُوجبُ له حُبَّ نفسِه، وحُبَّ ظهورِها، وإحسانَ ظنِّه بها وإساءةَ ظنِّه بمَن سَلَف.
4ـ وأهل العلم النَّافع على ضدِّ هذا يُسيؤُون الظَّنَّ بأنفُسِهم ويُحسِنُون الظَّنَّ بمَن سلَفَ منَ العُلماء، ويُقرُّون بقُلوبهم وأنفسِهم بفَضْل مَن سَلَف علَيْهم، وبعَجْزِهم عن بلوغ مَراتبِهم، والوصُول إليها أو مُقارَبَتِها؛ وما أحسَن قول أبي حنيفة ـ وقَد سُئل عن علقَمة والأسوَد: أيُّهما أفضَل؟ فقَال ـ: «والله؛ ما نحنُ بأهل أن نذكُرَهم؛ فكيفَ نُفاضل بينَهُم»؛ وكان ابنُ المبارك إذا ذكر أخلاقَ مَن سَلَف يُنْشِد.
لا تَعرِضنَّ بِذِكرِنا مَع ذِكرِهِم // لَيسَ الصَّحيحُ إِذا مَشى كَالمُقعَدِ
فمَن عرَف قدْرَ السَّلَف عرَفَ أنَّ سكوتَهُم عمَّا سكتُوا عنه مِن ضُرُوب الكَلام، وكثرةِ الجِدال والخِصَام، والزِّيادَة في البيَان على مقدار الحاجَة لم يكن عِيًّا ولا جهلا ولا قصُورًا، وإنَّما كانَ ورَعًا وخشيَةً للَّه واشتغَالا عمَّا لا ينفَعُ بما ينفَعُ.
وإن ادَّعى لنفسِه الفَضْلَ، ولمن سبَقَه النَّقصَ والجهْلَ، فقَد ضلَّ ضلالا مُبينًا، وخسِرَ خسْرَانًا عظيمَا» اهـ كلام ابن رجب.
فبمثل هذه العلامات الفارقة يُعرف العالم الحقُّ، ويتميَّز لك العالم الذي انتفَع بعلمه، ويمكنُه أن ينفَع به غيرَه، وأمَّا من كان على خلاف هذه الأوصاف فلا يُعبَأ به ولا يُلحق بالعلماء، ولو ادَّعى العلمَ وكتبَ وألَّف ونسب نفسَه إلى العلم، فالعالم بحقٍّ هذه أوصافُه وهذه علاماته، والله الهادي إلى سواء السَّبيل.

المصدر: مجلة الإصلاح العدد 63

التعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *