الحديث وعلومه

الأحاديث الواردة في العدوى بين النفي والإثبات

لا يخفى الوباءُ الَّذي انتشر هذه الأيَّام المسمَّى بـ(كورونا)، وهو مصنَّفٌ ضمن الأمراض المعدية المتنقِّلة من شخص لآخر بسرعة مُذهلة، ولمَّا كان كثيرٌ من النَّاس عندهم جهلٌ بحقيقة العدوى وتأثيرها أو عدمه، ونقصٌ في الإيمان والتَّوكُّل على الله ومعرفة حِكمه سبحانه، وقع لكثير منهم هَلَعٌ كبيرٌ وخوفٌ شديد، وتذمُّرٌ وعدمُ رضاء بقدر الله وقدَره، والذي يجب على المسلم تفويضُ الأمر إلى خالقه، وأنَّه سبحانه الحكيمُ الخبير، وبيده ملكوت السموات والأرض، يبتلي عبادَه بما شاء، وله في ذلك الحِكم العظيمة، ويصرف الدَّاءَ عمَّن شاء ومتَّى شاء، فلا ملجأ ولا منجى ولا ملتجأ إلَّا إليه سبحانه، بيده الأمر وله الحُكم، وأنَّ هذه الأوبئة إن شاء خالقها أن تنتقل انتقلت من شخص لآخر ومن بلد لغيره، وإن شاء رفعها ولم  يتأثر بها إلَّا القليل من الناس، لحكمة بالغة، ولأمر أراده سبحانه، ويتَّخذ الإنسان لذلك الأسباب لرفع الدَّاء، وأعظم تلك الأسباب اللُّجوء إلى الله تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته، وعدم التعلُّق بالأسباب والاعتقاد أنَّ التأثير بقوَّتها دون الله، بل هو خالقها وموجدها، فإن أذِن بأن تكون سببًا لدفع المرض ورفعه كانت، وإن لم يأذن فلا يمكن أن تؤثِّر.قال ابن القيِّم رحمه الله: «ولكنَّ الأسبابَ متنوّعةٌ؛ فإنَّ القلبَ متى اتَّصل بربِّ العالمين، وخالقِ الدَّاء والدَّواء، ومُدبِّر الطَّبيعة ومُصرِّفها على ما يشاء كانت له أدويةٌ أخرى غير الأدوية الَّتي يعانِيها القلبُ البعيدُ منه المعرضُ عنه، وقد عُلِم أنَّ الأرواحَ متى قَوِيت، وقَوِيت النَّفسُ والطَّبيعةُ تعاونا على دفع الدَّاء وقهرِه، فكيف يُنكَر لمن قَويت طَبيعتُه ونفسُه، وفرحَت بقُربها من بارئها، وأُنسِها به، وحُبِّها له، وتنعُّمها بذِكرِه، وانصرافِ قُواها كلِّها إليه، وجمعِها عليه، واستعانتها به، وتوكُّلها عليه أن يكون ذلك لها مِن أكبر الأدوية، وأن توجب لها هذه القوَّةُ دفعَ الألم بالكلِّيَّة، ولا ينكِرُ هذا إلَّا أجهل النَّاس، وأغلظُهم حِجابًا، وأكثفُهم نفسًا، وأبعدُهم عن اللّه وعن حقيقة الإنسانيّة»[1].

وقد ورد عن النَّبيِّ ﷺ أحاديث عظيمة في هذا الباب، مَن فقِهَها وعلِم مراده منها زالت عنه إشكالاتٌ كثيرة، وعرَف قدرة الرَّبِّ سبحانه وقَدَرَه وحكمتَه، ولكي يكون المسلم على بيِّنة مِن دينه ومعرفة بما يجب اعتقادُه في مثل هذه المسائل أحببتُ أن أذكر تلك الأحاديث التي وردت في شأن العدوى، وكيف تعامل العلماء مع ظواهرها؛ إذ بعضها يَدلُّ على نفي العدوى وأنَّه لا يُعدي شيءٌ شيئًا، وبعضُها يثبت العدوى وانتقال المرض مِن شخص إلى آخر، وسأورد بعضًا من تلك الأحاديث، ثمَّ أذكر المسالك التي سلكها الأئمَّة ـ عليهم رحمة الله ـ في التَّوفيق بين معانيها، ذاكرًا كلام المحقِّقين في ما يجب اعتقاده في قضاء الله وقدره وحِكمتِه وحِكمه، فأقول مستعينًا بالله:

6 أمَّا الأحاديث الواردة في نفي العدوى فقد وردت عن جماعة من الصَّحابة في «الصَّحيحين» وغيرهما.

1 ـ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:

«لا عَدوَى ولا صَفَرَ ولا هَامَةَ»، فقال أعرَابيٌّ: يا رسولَ الله، فما بالُ إبِلي تكونُ في الرَّمْلِ كأنَّها الظِّبَاءُ، فيأتِي البَعيرُ الأَجْرَبُ فيدخُلُ بينها فيُجرِبُها؟ فقال: «فمَن أعْدَى الأوَّل؟».

أخرجه البخاري (5717)، ومسلم (2220) من طريق أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، والبخاري (5775)، ومسلم (2220) من طريق سنان بن أبي سنان، والبخاري (5757) من طريق أبي صالح ذكوان السمان، و(5707) من طريق سعيد بن ميناء ـ تعليقًا ـ، ومسلم (2221)، و(2220) من طريق يعقوب أبي العلاء محمد بن سيرين والحارث بن أبي ذباب، وألفاظُهم متقارِبة تدلُّ على نفي العدوى.

2 ـ من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لا عدوى ولا طيرة، ويُعجبني الفأل…».

أخرجه البخاري (5776)، ومسلم (2224).

3 ـ من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا عدوى ولا طِيرة…».

أخرجه البخاري (5772)، ومسلم (2225).

4 ـ من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «لا عَدوَى، ولا غُولَ، ولا صَفَر».

أخرجه مسلم (2222).

5 ـ من حديث السَّائب بن يزيد قال: قال رسول الله ﷺ: «لا عدوى ولا صَفَرَ ولا هامَة».

أخرجه مسلم (2220).

6 ـ من حديث عبد الله بن مسعود عند التِّرمذي (2143)، وأحمد في «المسند» (4198)، بلفظ: «لا يُعدي شيءٌ شيئًا…»، وفي إسناده رجلٌ مبهم، لكن يشهد له الأحاديث الصَّحيحة المتقدِّمة.

فالحديث بلفظ: «لا عدوى» ثابت لا شكَّ فيه، لذلك قال ابن القيِّم: «قد اتَّفق مع أبي هريرة: سعدُ بنُ أبي وَقَّاص، وجابِر بنُ عبد الله، وعبد الله بنُ عَبَّاس، وأنس بنُ مَالك، وعُمير بن سلمة رضي الله عنهم[2]، على روايتِهم عَن النَّبِيِّ قولَه: «لا عدوى»، وحدِيث أبي هريرة مَحفُوظٌ عنه بلا شكٍّ من رِواية أَوثَقِ أصحَابه وأحفظِهم: أبي سَلمَة بن عبد الرَّحمن، ومُحمَّد بن سِيرين، وعُبيد الله بنِ عبد الله بن عُتبَة، والحارث بن أبي ذُباب، ولم يتَفرَّد أبو هريرةَ بروايتِه عن النَّبِيِّ ﷺ، بل رواهُ معه مِن الصَّحابَة مَن ذَكرنَاه»[3].

6 الأحاديث المعارضة:

أمَّا الأحاديث المعارضة للأحاديث الماضية، فقد جاءت بألفاظ متعدِّدة، مشتركة في معنى واحد وهو إثبات العدوى والنَّهي عن مخالطة المريض، منها:

1 ـ حديث أبي هريرة بلفظ: «لاَ يورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ».

وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرُهما، وقد رواه أبو سلمة عن أبي هريرة مع الحديث المتقدِّم، ففي «صحيح مسلم» (2285 ـ التأصيل) عن ابن شِهَابٍ: أنَّ أبا سلمة بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ حدَّثه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا عَدوى» ويُحدِِّث أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا يُورِد مُمرضٌ على مُصِحٍّ» قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدِّثُهما كِلَيهما عن رسول الله ﷺ، ثمَّ صَمَت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: «لا عدوى»، وأقام على أن «لا يُورِد مُمرِضٌ على مُصِحٍّ»، قال: فقال الحارث ابن أبي ذُبابٍ ـ وهو ابن عمِّ أبي هريرة ـ: قد كنتُ أسمعُك يا أبا هريرة تحدِّثنا مع هذا الحديث حديثًا آخر، قد سكتَّ عنه، كنتَ تقول: قال رسول الله ﷺ: «لا عدوى»، فأَبَى أبو هريرة أن يَعرِف ذلك، وقال: «لا يُورِد ممرضٌ على مُصحٍّ»، فماراه الحارثُ في ذلك حتَّى غضِب أبو هريرة فرَطَن بالحبشيَّة، فقال للحارث: أتَدرِي ماذا قلتُ؟ قال: لا، قال أبو هريرة: قلتُ: أبَيتُ، قال أبو سلمة: ولَعمري، لقد كان أبو هريرة يحدِّثنا أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا عدوى» فلا أدرِي أنَسِيَ أبو هريرة، أو نَسخَ أحدُ القولين الآخر؟».

قوله: «لا يورد مُمرضٌ على مُصح»، الممرض: هو الذي إبلُه مِراض، والمُصِحُّ: الذي إبِله صِحاح.

قال النَّووي: «فمعنى الحديث لا يورِد صاحبُ الإبل المراض إبلَه على إبل صاحبِ الإبل الصِّحاح»[4].

2 ـ حديث أبي هريرة أيضًا ـ من رواية سعيد بن ميناء ـ قال: سمعتُ أبا هريرة يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ: «لا عَدوَى ولا طِيرة وَلا هامَةَ ولا صَفَرَ، وفِرَّ مِن المجذُومِ كما تَفِرُّ مِن الأَسَد».

أخرجه البخاري في «صحيحه» (5707) تعليقًا، ووصله أبو نعيم وابن خزيمة كما في «فتح الباري» (31/69).

فجَمَع في الحديث بين إنكار العَدوى والأمر مِن الفرار مِن المجذوم، وهذا فيه إثبات للعدوى.

3 ـ من حديث عَمرو بنِ الشَّرِيد، عن أبيه، قال: كان في وَفدِ ثقيفٍ رجلٌ مجذُومٌ، فأَرسَلَ إليه النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّا قد بَايعنَاكَ فارجِع».

أخرجه مسلم في «صحيحه» (2231).

4 ـ ومثلها أحاديث النَّهي عن الدُّخول إلى البلد الذي ظهر فيه الطَّاعون، ومنها حديث عبد الله بن عامِر: أنَّ عُمرَ خَرَجَ إلى الشَّأْمِ، فَلمَّا كان بِسَرْغَ بلَغهُ أنَّ الوباءَ قدْ وقعَ بالشَّأْمِ، فأخبرَهُ عبْدُ الرَّحمن بنُ عَوفٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذَا سَمِعتُم به بأرضٍ فلَا تَقدَمُوا عليهِ، وإذَا وَقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها، فَلاَ تَخرُجُوا فِرارًا منه».

أخرجه البخاري (5730)، ومسلم (2219).

فهذه الأحاديث متعارضةٌ في الظَّاهر، ففي الأولى نفيُ العدوى وفي الأخرى إثباتُها، قال ابن حجر: «وكلاهُما في الصَّحيحِ وظاهِرُهما التَّعارُضُ»[5].

2 وقد ذهب بعضُهم إلى ادِّعاء النَّسخ بين الحديثين، وأنَّ حديث «لا عدوى» ناسخ لحديث «لا يورد ممرض على مصحٍّ»، حكاه القاضي عياض في «المعلم» (7/ 145) عن بعضهم، وقيل العكس، كما أشار إليه الطحاوي في «شرح المشكل» (4/ 153).

وهذا يتَّجه لو لم يمكن الجمع بينهما وعُرف التَّاريخ[6]، ويردُّه أنَّ أبا هريرة روى الحديثين معًا، فلا يمكن إثبات النَّسخ لأحدهما دون الآخر[7].

2 وذهب آخرون إلى ترجيح أحاديث نفي العدوى على أحاديث الإثبات، وقيل العكس.

2 لكن جمهور الأئمَّة على الجمع بين الأحاديث والعمل بها جميعًا، فحيث أمكن الجمع لا يُصار إلى التَّرجيح ولا إلى النَّسخ[8].

قال ابن القيِّم: «وقوله «لا يُورد مُمرِض على مُصِحٍّ» صَحِيحٌ أيضًا ثابت عنه ﷺ، فالحديثان صحِيحَانِ، ولا نسخ ولا تعَارض بينهما بِحَمد الله، بل كلٌّ مِنهما له وَجه»[9].

فمن أوجه الجمع التي سلكها العلماء لنفي التَّعارض:

1 ـ أنَّ قوله: «لا عدوى» نهيٌ لا نفي، أي هو بمعنى قوله: لا يُعدِ بعضُكم بعضًا، ففيه إثبات للعدوى ونهيٌ عن مقاربة المريض للصَّحيح حتَّى لا يُعديه.

والدَّليل على أنَّ المراد هو النَّهي ما جاء في نفس الحديث: «لا عدوى ولا طِيَرة»، فكما نهى عن الطيرة فقد نهى عن العدوى.

وهذا تأويل بعيد؛ لأنَّ المخاطَبين لم يَفهموا النَّهي إنَّما فهموا النَّفيَ، بدليل أنَّ الأعرابي عارَض ذلك وقال: يا رسولَ الله، فما بالُ إبِلي تكونُ في الرَّمْلِ كأنَّها الظِّبَاءُ، فيأتِي البَعيرُ الأَجْرَبُ فيدخُلُ بينها فيُجرِبُها؟ فقال: «فمَن أعْدَى الأوَّل؟».

قال ابن القيم: «فهذا الحديث قد فهم منه السَّامع النَّفي، وأقرَّه عليه ﷺ، ولذا استشكل نفيَه، وأورد ما أورده، فأجابه ﷺ بما يتضمَّن إبطال الدَّعوى، وهو قوله: فمَن أعدى الأوَّل؟»[10].

2 ـ وجَّه ابن عبد البرِّ الأحاديث بقول يَقرب مِن الأوَّل، إلَّا أنَّه نفى العدوى مطلقًا، فقال: «أمَّا قوله ﷺ: «لا عدوى» فهو نهيٌ عن أن يقول أحدٌ: إنَّ شيئًا يُعدي شيئًا، وإخبارٌ أنَّ شيئًا لا يُعدي شيئًا، فكأنَّه قال: لا يُعدي شيء شيئًا، يقول: ولا يُصيب أحدٌ من أحدٍ شيئًا، من خلق أو فعل أو داء أو مرض، وكانت العرب تقول في جاهليَّتها مثلَ هذا، أنَّه إذا اتَّصل شيءٌ من ذلك بشيء أعداه، فأخبرهم رسول الله ﷺ أنَّ قولَهم ذلك واعتقادَهم في ذلك ليس كذلك، ونهى عن ذلك القول»[11].

وهذا القول فيه نفيٌ للعدوى مطلقًا، وهو مخالف في ظاهره لأحاديث الإثبات.

3 ـ أنَّ نفي العدوى على بابه وأمَّا الفرار من المجذوم فهو من باب رعاية خاطر المجذوم، قال ابن حجر في توجيه هذا القول: «لأنَّه إذا رأى الصَّحيح البدن السَّليم من الآفة تعظم مصيبته وتزداد حسرته ونحوه حديث: «لا تُديموا النَّظر إلى المجذومين» فإنَّه محمول على هذا المعنى»[12].

لكن هذا بعيد، فإنَّ رعاية خاطر المجذوم هو بمخالطته حتَّى لا يتأثَّر بالابتعاد عنه.

4 ـ أنَّ حديث العدوى عام يخصِّصه الأحاديث التي ثبتت بها العدوى، كالجذام والبرص.

وهو قول ابن بطَّال والشَّوكاني، وقال: ««والمناسِب للعمل الأصوليِّ في هذه الأحاديث المذكورة في الباب هو أن يُبْنَى عموم «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» على الخاصِّ».

وألَّف في ذلك رسالة سمَّاها: «إتحاف المهرة بالكلام على حديث لا عدوى ولا طِيرة»[13]، وهي مطبوعة.

وهذا مردود؛ لأنَّ كثيرًا من الأمراض المنتشرة التي لم يأت ذكرُها في الأحاديث داخلة في معنى العدوى.

5 ـ أن يُحمل الخطاب على حالين اثنين، فمن كان قوي الإيمان والثِّقة بالله والتَّوكُّل عليه خوطب بقوله: «لا عدوى»، ومَن كان ضعيف اليقين ناقص التَّوكُّل، خوطب بقوله: «فرَّ من المجذوم».

قال ابن القيِّم: «قالت فرقةٌ أخرى: بل الخطابُ بهذين الخطابين جزئيٌّ لا كلِّيٌّ، فكلُّ واحدٍ خاطَبه النَّبيُّ ﷺ بما يَليق بحاله، فبعضُ النَّاس يكون قويَّ الإيمان، قويَّ التَّوكُّل، تدفَع قوَّةُ توكُّله قوَّة العدوى، كما تَدفع قوَّةُ الطَّبيعة قوَّةَ العلَّة فتُبطِلها، وبعضُ النَّاس لا يَقوى على ذلك، فخاطَبه بالاحتياط والأخذِ بالتَّحفُّظ، وكذلك هو ﷺ فَعَلَ الحالتين معًا؛ لتَقتدِي به الأمَّةُ فيهما، فيأخذُ مَن قَوِي مِن أمَّتِه بطريقة التَّوكُّل والقوَّة والثِّقة بالله، ويأخذُ مَن ضَعُف منهم بطريقة التَّحفُّظ والاحتياط، وهما طريقان صحيحان.

أحدهما: للمؤمن القويِّ، والآخَر للمؤمن الضَّعيف، فتكونُ لكلِّ واحدٍ من الطَّائفتين حُجَّةٌ وقدوةٌ بحسب حالهم وما يناسبُهم، وهذا كما أنَّه ﷺ كَوَى، وأثنى على تارك الكيِّ، وقرَن تركَه بالتَّوكُّل، وتَرَك الطِّيَرة، ولهذا نظائرُ كثيرةٌ، وهذه طريقةٌ لطيفةٌ حَسنةٌ جدًّا، مَن أعطاها حقَّها، ورُزق فقه نفسِه فيها، أزالت عنه تعارضًا كثيرًا يَظُنُّه بالسُّنَّة الصَّحيحة»[14].

6 ـ أنَّ نفي العدوى محمولة على النَّهي عن الفرار من أرض يقع بها المرض مخافة أن يُصيبه، وأمَّا الأمر بالفرار من المجذوم هو من باب أنَّ من طالت مجالسته له ومحادثته يسقم من كثرة شمِّ رائحته.

وهذا قول ابن قتيبة[15].

7 ـ أنَّ نفي العدوى باق على عمومه، وأنَّ الأمر باجتناب المجذوم من باب سدِّ الذَّرائع، حتَّى لا يعتقد ثبوت العدوى.

وهذا قول أبي عبيد والطَّبري وابن خزيمة والطَّحاوي[16].

قال أبو عبيد: «ليس في قولِه لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ إثباتُ العَدوَى، بل لأنَّ الصِّحاحَ لو مرِضَت بتَقدِيرِ الله تعالى ربَّما وَقَعَ في نفس صاحبِهَا أنَّ ذلك مِن العَدوَى، فَيُفتَتَنُ ويتشَكَّكُ في ذلك فأَمَرَ باجتِنابِه»[17].

وهذا القول اختاره الحافظ ابن حجر فقال: «والأَولى في الجمع أنْ يُقال: إنَّ نَفيَه ﷺ للعَدوى باقٍ على عُمومه، وقد صَحَّ قولُهُ ﷺ: «لا يُعْدِي شيءٌ شَيئًا»، وقوله ﷺ لِمَن عارَضَه بأنَّ البعيرَ الأجربَ يكونُ في الإِبلِ الصَّحيحةِ، فيُخالِطُها فتَجْربُ، حيث رَدَّ عليهِ بقولِه: «فمَن أعْدَى الأوَّلَ؟!».

يعني أنَّ الله سبحانه وتعالى ابتَدَأ بذلك في الثَّاني كما ابتَدَأه في الأوَّل.

وأمَّا الأمرُ بالفِرار من المجذوم فمِن بابِ سدِّ الذَّرائعِ، لئلاَّ يَتَّفِقَ للشَّخصِ الذي يُخالِطه شيءٌ من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداءً، لا بالعَدْوى المنفِيَّة؛ فَيَظُنُّ أَنَّ ذلك بسببِ مُخالطتِه؛ فيعتقِدَ صِحَّةَ العدوى؛ فيقعَ في الحرجِ؛ فأَمر بتجنُّبِه حَسْمًا للمادَّةِ، والله أعلم»[18].

وأطنب الحافظ في «الفتح» في ذكر أقوال الأئمَّة ممَّن ذهب إلى هذا القول، كالطَّبري وابن خزيمة والطَّحاوي وابن أبي جمرة وأبي العبَّاس القرطبي، وكلُّها بالمعنى المتقدِّم، ومؤدَّى هذا القول هو إبطال العدوى مطلقًا، وأنَّها ليست سببًا في إصابة الصَّحيح، والأحاديث ظاهرة في إثباتها، لكن على وجه لا تكون مؤثِّرة بنفسها، كما في القول الآتي.

8 ـ أنَّ نفي العدوى هو نفي ما كان يعتقده أهل الجاهليَّة من أنَّ الأمراض تعدي بطبعها وذاتها، وليست مجرَّد أسباب لانتقال المرض من شخص لآخر، وأمَّا إثبات ذلك بالأمر بالفرار من المجذومين وغيرهم؛ أنَّ الله جعل في تلك الأمراض أسبابًا في الانتقال من شخص لآخر، وهي لا تستقلُّ بذلك ولا تعدي بطبعها، فالله إن شاء جعلها سببًا في ذلك فأثَّرت، وإن شاء سلبها ذلك فلا تؤثِّر.

قال البيهقي: «ثابِتٌ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «لا عَدوَى»، وإنَّما أراد به على الوجهِ الَّذي كانوا يَعتَقِدُون في الجاهلِيَّة من إضافة الفعل إلى غير الله عزَّ وجَلَّ، وقد يجعَلُ الله تعالى بمَشِيئتِه مُخالَطةَ الصَّحيح مَن به شَيءٌ مِن هذه العُيُوبِ سَبَبًا لحُدوثِ ذلك به، ولهذَا قال النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يُورِدُ مُمرِضٌ على مُصِحٍّ»، وقال في الطَّاعون: «مَن سَمِعَ به بأرضٍ فلَا يَقْدِمَنَّ عليه»، وغيرُ ذلك ممَّا في مَعنَاهُ، وكلُّ ذلك بتَقدِيرِ الله عزَّ وجلَّ»[19].

وقال ابن رجب: «وأظهر ما قيل في ذلك: أنَّه نفيٌ لما كان يَعتقدُه أهلُ الجاهليَّة مِن أنَّ هذه الأمراض تُعدي بطبعِها من غيرِ اعتقاد تقدير الله لذلك، ويَدلُّ على هذا قولُه: «فمَن أعدى الأوَّل؟» يشيرُ إلى أنَّ الأوَّلَ إنَّما جَرِبَ بقضاءِ الله وقَدَرِه، فكذلك الثَّاني وما بعده…

فأمَّا نهيُه ﷺ عن إيرادِ الممرِضِ على المُصِحِّ، وأمرُه بالفِرارِ من المجذوم، ونهيُه عن الدُّخول إلى مَوضعِ الطَّاعون؛ فإنَّه مِن باب اجتنابِ الأسبابِ الَّتِي خَلَقَها الله تعالى، وجعلَها أسبابًا للهلاك أو الأذى.

والعبدُ مأمورٌ باتِّقاء أسبابِ البلاءِ إذا كان في عافيةٍ منها، فكما أنَّه يُؤمَرُ أن لا يُلقِي نفسَه في الماء، أو في النَّار، أو أن يَدخلَ تحت الهدمِ ونحوه، ممَّا جَرتِ به العادةُ بأنَّه يُهلِكُ أو يُؤذِى، فكذلك اجتنابُ مقاربَةِ المريض كالمجذوم، أو القدُومِ على بَلَدِ الطَّاعون؛ فإنَّ هذه كلَّها أسبابٌ للمرضِ والتَّلَف، والله تعالى هو خالقُ الأسبابِ ومُسبَّباتِها، لا خالقَ غيرُه ولا مُقدِّر غيرُه»[20].

ولابن القيم فصل ماتع في كتابه «مفتاح دار السَّعادة»، بيَّن فيه هذه المسألة بيانًا شافيًا، وأظهر ما يجب أن يعتقدَه المسلم في مثل هذه الأمور، وسأنقله بطوله ـ مع اختصار ـ لكثرة فوائده ودقَّة عباراته، قال رحمه الله:

«وعندي في الحديثين مسلكٌ آخرُ يتضمَّنُ إثباتَ الأسباب والحِكَم، ونفيَ ما كانوا عليه من الشِّرك واعتقادِ البَاطِل، ووُقوع النَّفيِ والإثباتِ على وجهه؛ فإِنَّ القوم كانوا يُثبِتون العَدوَى على مَذهَبِهم مِنَ الشِّرك الباطل، كما يقوله المنَجِّمون مِن تأثير الكواكب في هذا العالَم وسُعودِها ونُحوسِها، كما تقدَّم الكلام عليهم.

ولو قالُوا: إنَّهَا أسبابٌ أو أجزاءُ أسبابٍ، إذا شاء الله صَرَف مُقتضياتِها بمشيئتِه وإرادتِه وحِكمته، وإنَّهَا مُسَخَّرةٌ بأَمرِه لما خُلِقت له، وإنَّهَا في ذلك بمَنزِلَة سَائِر الأسباب التي رَبَط بها مُسببَّاتِها، وجعل لها أسبابًا أُخَرَ تُعارضها وتُمانِعها، وتَمنعُ اقتضاءَها لما جُعلِت أسبابًا له.

وإِنَّهَا لا تقتضي مُسبَّباتها إلَّا بإِذنِه ومَشيئَته وإرادَتِه، ليس لها مِن ذاتها ضرٌّ ولا نَفع ولا تَأثِير البَتَّة، إن هي إلَّا خَلقٌ مسخَّر مُصرَّف مربوب، لا تتحرَّك إلَّا بإذن خالِقها ومشيئَتِه، وغايتُها أنَّها جزءُ سببٍ ليست سبَبًا تامًّا، فسَبَبِيَّتُها مِن جنسِ سببيَّة وَطء الوالِد في حُصول الوَلَد، فإنَّه جُزءٌ واحدٌ من أجزاء كثيرةٍ من الأسباب الَّتي خلق اللهُ بها الجنينَ، وكسَبَبِيَّة شَقِّ الأرض وإلقاءِ البَذر، فإنَّه جُزء يَسيرٌ من جملة الأسباب الَّتي يكوِّن الله بها النَّبات، وهكذا جُملة أسباب العالَم مِن الغِذاء والدَّواء والعافِية والسَّقم، وغير ذلك.

وإنَّ الله سبحانه يجعلُ من ذلك سببًا ما يَشاء، ويُبطِل السَّبَبيَّةَ عمَّا يَشاء، ويَخلقُ من الأسباب المعارضة له ما يَحولُ بينه وبين مُقتضاه.

فهُم لو أثبَتُوا العدوى على هذا الوجه لما أُنكِر عليهم.

كما أنَّ ذلك ثابتٌ في الدَّاء والدَّواء، وقد تداوى النَّبيُّ ﷺ، وأمر  بالتَّداوي، وأخبر أنَّ ما أنزل الله داءً إلَّا أنزل له دواءً، إلَّا الهرَم، فأعلمَنا أنَّه خالقُ أسباب الدَّاء وأسباب الدَّواء المعارِضة المقاوِمة لها، وأمرنا بدفع تلك الأسباب بهذه الأسباب.

وعلى هذا قيام مَصالِح الدَّارَين، بل الخَلْق والأمرُ مبنيٌّ على هذه القاعدة؛ فإنَّ تعطيل الأسباب وإخراجَها عن أن تكونَ أسبابًا تعطيلٌ للشَّرع ومصالِح الدُّنيا، والاعتمادَ عليها والرُّكونَ إليها واعتقادَ أنَّ المسبَّبَات بها وحدَها، وأنَّها أسبابٌ تامَّةٌ شِرك بالخالق ـ عزَّ وجلَّ ـ  وجهلٌ به، وخروجٌ عن حقيقة التَّوحيد، وإثباتَ سببيَّتِها على الوجه الَّذي خَلقَها اللهُ عليه وجعلَها له؛ إثباتٌ للخَلقِ والأمر، للشَّرع والقَدَر، للسَّبب والمشيئة، للتَّوحيد والحكمة، فالشَّارع يُثبِتُ هذا ولا يَنفِيه، ويَنفي ما عليه المشركون من اعتقادِهم في ذلك…

فالمقامات ثلاثة:

أحدُها: تجريدُ التَّوحيد، وإثباتُ الأسباب، وهذا هو الَّذي جاءت به الشَّرائعُ، وهو مطابق للواقع في نفس الأمر.

والثَّاني: الشِّرك في الأسباب بالمعبود، كما هو حالُ المشركين على اختلاف أصنافهم.

والثَّالث: إنكارُ الأسباب بالكلِّيَّة؛ محافظةً من مُنكرِها على التَّوحيد.

فالمنحرِفون طَرَفان مَذمومان؛ إمَّا قادِحٌ في التَّوحيد بالأسباب، وإمَّا مُنكِرٌ للأسباب بالتَّوحيد، والحقُّ غيرُ ذلك، وهو إثباتُ التَّوحيد والأسبابِ، ورَبطُ أحدِهما بالآخر، فالأسبابُ محلُّ  حكمه الدِّيني والكونيِّ، والحُكمان عليها يَجريان، بل عليها يَترتَّبُ الأمرُ والنَّهيُ، والثَّوابُ والعقابُ، ورِضَا الرَّبِّ وسَخَطُه، ولَعنَتُه وكرامَتُه، والتَّوحيدُ تجريدُ الرُّبوية والإلهية عن كلِّ شرك.

فإنكارُ الأسبابِ إنكارٌ لحكمته، والشِّركُ بها قدحٌ في توحيده، وإثباتُها والتَّعلُّقُ بالمسبِّب والتَّوكُّل عليه والثِّقةُ به والخوفُ منه والرَّجاءُ له وحدَه هو مَحضُ التَّوحيد والمعرفة.

ففرقٌ بين ما أثبَتَه الرَّسول وبين ما نفاه، وبين ما أبطَلَه وبين ما اعتبره، فهذا لونٌ وهذا لونٌ، والله الموفق للصَّواب»[21]، والحمد لله وحده.

[1] «زاد المعاد» (4/11).

[2] قال محققه: «كذا في الأصول والتمهيد لابن عبد البر، وهو مصدر المصنف، وهو تحريف، والصواب عمير ابن سعد» (3/1589).

[3] «مفتاح دار السعادة» (3/1575).

[4] «شرح صحيح مسلم» (14/ 217).

[5] «نزهة النظر» (ص 92).

[6] انظر: «شرح مسلم» للنووي (14/214).

[7] انظر: «مفتاح دار السعادة» (3/1588).

[8] انظر: «فتح الباري» (13/97، 98).

[9] «مفتاح دار السعادة» (3/1576).

[10] «مفتاح دار السعادة» (3/1589).

[11] «التمهيد» (16/99 ـ الفرقان).

[12] «فتح الباري» (13/98).

[13] انظر: شرح ابن بطال على البخاري (9/410)، و«نيل الأوطار» (9/233).

[14] «زاد المعاد» (4/139، 140)، وانظر: «التوضيح شرح الجامع الصحيح» لابن الملقن (27/427)، «فتح الباري» (13/98).

[15] انظر: «تأويل مختلف الحديث» (ص 168)، «فتح الباري» (13/98).

[16] انظر: «شرح معاني الآثار» (4/ 310). «فتح الباري» (13/98).

[17] نقله الحافظ في «فتح الباري» (13/100).

[18] «نزهة النظر» ( ص 93).

[19] «معرفة السنن والآثار» (10/189).

[20] «لطائف المعارف» (ص 138).

[21] «مفتاح دار السعادة» (3/1590).

التعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *