أنت هنا:سير الأعلام»أعلام منسية: عبد الرحمن بوحجر

أعلام منسية: عبد الرحمن بوحجر

  • سمير سمراد
تم قراءة المقال 2842 مرة

 

من الأعلام الجزائرية السَّلفيَّة، الَّتي هاجرت إلى المشرق لطلب العلم، ورحلت إلى كبرى الجامعات في العهد الغابر، الشَّيخ العلاَّمة «عبد الرَّحمن بُوحْجر الجزائري»؛ الَّذي ظلَّ منسيًّا، مجهولاً، لولا ترجمةٌ وحيدة فريدة، في بضعة سطور كتبها الشَّيخ محمَّد نصيف الَّذي كان صديقًا له، ولولا شهاداتٌ لبعض معاصريه وتلاميذه، وقفتُ عليها، تناولت جزءًا مهمًّا من سيرته وأخباره، كما وقفت على رسالةٍ ـ لهُ ـ فريدة؛ بعث بها إلى بعض رجال الإصلاح في الجزائر، تُنْبِئُ عن فضل هذا الرَّجل، وقد اجتهدتُ في التَّأليف والتَّنسيق بين هذه الشَّهادات والمعلومات، إذ يوجد في كلِّ واحدة منها ما لا يوجد في غيرها، ويُكمل بعضها بعضًا، فكانتْ هذه التَّرجمة:

يقول محمَّد نصيف في مقالته: «علماء جُدَّة المعاصرون والرَّاحلون» الَّتي نشرت في مجلَّة «المنهل» [المجلد 6، ربيع الثاني 1365 هـ/ مارس 1946 م، العدد الرَّابع، (ص 152)] ـ ونقلها عنه الأستاذ عبد القدُّوس الأنصاري في كتابه «تاريخ مدينة جُدّة» (ص 276):

«7 ـ الشَّيخ عبد الرَّحمن أبو حجر المالكي، ولد بالجزائر حوالي عام 1280 هـ، وتعلَّم بها العلوم،...».

لا ندري شيئًا عن تعلُّمِّه الأوَّلي، وأين كان بالتَّحديد، ومن هم شيوخه الأوَّلون، إلاَّ أنَّه يكون تلقَّى القرآن والعلوم والفنون الَّتي تدرَّس في بلده الجزائر (ناحية قسنطينة)، على شيوخ ناحيته، وقد نسبَهُ ـ هنا ـ مالكيًّا، باعتبار أنَّ غالب أهل المغرب، يَدرسون الفقه ويقرئونه على مذهب مالك رحمه الله، فيكون «عبد الرَّحمن» مالكيًّا بالدِّراسة والتَّفقُّه في كتب هذا المذهب، وأَعْرضُ هنا بعض العلماء والشُّيوخ الَّذين يُرَجَّح أنَّه عاصرهم، والتقى بهم، أو تلقَّى عنهم، ومن أشهرهم في ذاك العهد في ناحيتِهِ «قسنطينة»:

ـ الشَّيخ صالح بن مُهَنَّا الأزهري القسنطيني (1840 م ـ 1910 م)، (رجع من مصر سنة (1887 م) واستقَّر بـ: «زاوية الشَّيخ بلقاسم بوحجر».

ـ وهناك علَمٌ آخر، من أعلام تلكم النَّاحية المشهورين، وهو أيضًا من شيوخ الطُّرق، والمؤيِّدين لها؛ هو الشَّيخ محمود بن محمَّد الشَّاذلي البوزيدي [ت: 1905 م] (علاَّمة عصره) [كما في جريدة «البصائر»، العدد (126)، (ص 3)]، «وقد كانت له علاقة طيِّبة مع الشَّيخ علي بوحجر ونفوذ  أدبي مع السلطة الحاكمة».

* زاوية «بوحجر»:

«هذه الزَّاوية تقع في زكار طريق عين البيضاء تبعد عن بلدة سيقوس بنحو 5 كلم تقريبًا»، كما لا تبعد كثيرًا عن بلدة «الخْرُوب»،كما يذكر الأستاذ سليمان الصيد أنَّ «الشَّيخ علي [بن بلقاسم] بوحجر كان له أخ كبير يسمَّى «سي الشَّريف» هو الَّذي بنى المسجد والبرج بالزَّاوية ـ زاوية بوحجر ـ»(1).

* عائلة «بوحجر»، أو الشَّيخ بلقاسم بوحجر جدُّ العائلة:

تنتمي هذه العائلة إلى الطَّريقة الحنصاليَّة من فروع الطَّريقة الشَّاذليَّة، المنتشرة في مقاطعة قسنطينة وغيرها، ويذكر أحد الضُّبَّاط العسكريِّين الفرنسيِّين  في رحلته الاستخباراتية للبلاد الجزائريَّة، وهو «إدوارد  دو نوفو» [1809 ـ 1871] في كتابه عن «الإخوان» ـ يعنون بهم: الطُّرقيِّين ـ قال في [(ص75 ـ 76) (تعريب وتحقيق: كمال فيلالي)] وهو يتحدَّث عن الطَّريقة الحنصالية، ومؤسِّسها «سيدي يوسف الحنصالي»؛ حيث: «.. استقرَّ بجبل  زواوي الَّذي أصبح من ذلك الحين جبلاً مقدَّسًا استقرَّ به الخلفاء الَّذين جاؤوا من بعده»، ثمَّ ذكرهم، ومنهم: «...سيدي أحمد الزّواوي، مْرَابَطْ ذائع الصَّيت بمقاطعة قسنطينة...، وقد دفن بجبل الزّواوي ابن أحمد..»، إلى أن قال: «..سيدي بلقاسم بوحجر، أهمّ وأشهر مرابطي عمالة قسنطينة ينتمي إلى طريقة حنصالة»، ويقول الأستاذ سليمان الصيد: «شيخ الطَّريقة الحنصالية هو الشَّيخ أحمد الزواوي الحسني [ت: 1870م] مدفون في جبل حذو قرية بني زياد (الرفاك سابقًا) بالقرب من قسنطينة».

ويذكر العلاَّمة مبارك الميلي في  «رسالة الشِّرك ومظاهره» (ص233) في فصل:«ما جاء في الذَّبح لغير الله»، عند شرح حديث أو أثر: «دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النَّار في ذباب»، يقول: «واكتفاء هؤلاء المشركين بتقريب الذُّباب اعتداد بأضعف مظاهر الطَّاعة، إذ المقصود الأعظم هو اعتقاد القلب، وهذا كالمثل العام المشهور: «أدَّاها بو حجر».. يعنون أخذ الولاية أبو حجر، مثل عامي: ويذكرون أنَّ قائله أحمد الزّواوي دفين الجبل غربي قسنطينة وأحد شيوخ الطَّريقة الحنصالية من فروع الطَّريقة الشَّاذليَّة، قاله لرجل عديم جاء مع الزُّوَّار فلمَّا انتهى إلى أصل الجبل حمل معه حجرًا وصعد يلهث به، فلمَّا قدَّم النَّاس الأموال للشَّيخ الزّواوي، قدَّم له هو ذلك الحجر».

* الهجرة إلى مصر:

يقول نصيف: «..ثمَّ انتظم في سلك الجامع الأزهر بمصر..» لا ندري شيئًا، عن السَّنة الَّتي هاجر فيها، وكيف جاءته فكرتها وكيف تمَّت، ولا ندري عدد السِّنين الَّتي مكثها في «جامع الأزهر»، ولا عن شيوخه الَّذين أكمل دراسته عليهم، وتخرَّج بهم، إلاَّ أنَّ الحاصل أنَّ «عبد الرَّحمن بوحجر» قصد «الجامع الأزهر»، تلك الجامعة الكبرى في ذاك العهد؛ قبلة طلاَّب العلم من كلِّ مكان، وقد كان بها رواقٌ للمغاربة، وقد هاجر إليه كثير من الجزائريِّين، في الزَّمن الَّذي هاجر فيه «بوحجر» أو بعده بقليل أو كثير.

* تأثُّره بالسَّلفيَّة:

ولا ندري شيئا عن «بوحجر»، ـ وهو الَّذي نشأ في أحضان زاويته الطُّرقيَّة، وأَلِفَ تلك المشاهد والعوائد البدعيَّة الَّتي تُقام بها ـ، فعمَّن ـ إذن ـ تلقَّى السَّلفيَّة؟ وبمن تأثَّر من علمائها؟

وأشهرهم إذ ذاك: الشَّيخ محمَّد رشيد رضا (ولد سنة 1282هـ) «شيخ السَّلفيِّين بمصر» على تعبير الهلالي، ويُرجَّحُ أن يكون اتَّصل به ولقيه، ولا يبعد أن يكون من أصحابه ـ ومن مشاهير السَّلفيِّين في ذاك الزَّمان: الشَّيخ عبد الظاهر أبو السَّمح (ولد حوالي سنة 1300هـ)، والشَّيخ محمَّد عبد الرَّزَّاق حمزة (ولد سنة 1311هـ) والشَّيخ حامد الفقِّي (ولد سنة 1310هـ) وغيرهم، وهؤلاء من تلاميذ الشَّيخ رشيد رضا، ومن الفقهاء المتخرِّجين من الأزهر، انتخبهم رشيد رضا، فدرسوا عليه في مدرسة الدَّعوة والإرشاد الَّتي أسَّسها السَّيد رشيد لنشر العقيدة السَّلفيَّة ودراسة علم الحديث وفقه السُّنَّة»، وانتخب لها نبهاء الأزهريِّين، «إلى أن وقعت  فتنة الحرب العظمى، وكان من نتائجها أن أغلقت دار الدَّعوة والإرشاد بسبب الأزمة الخانقة الَّتي أوجدتها هذه الحرب العالمية الكبرى»(2).

هؤلاء هم أعلام السَّلفيَّة ومشاهيرها في ذاك الزَّمان، فبالاتصال بهؤلاء وبكتاباتهم وبمجلَّتهم «المنار»، وبما كانوا يطبعون من كتب السَّلف، يكون «بوحجر» قد تعرَّف على السَّلفيَّة، والله أعلمُ.

* استدراكٌ: ثمَّ وقفتُ ـ بحمد الله تعالى ـ ضمن ترجمة العلاَّمة الشَّيخ محمَّد عبد الرَّزَّاق حمزة، على ما يؤكِّد كلامي المتقدِّم، ويفيدُ اتِّصال علامتنا بوحجر بالشَّيخ رشيد، ورد في ترجمة المذكور أنَّه: «..عقد العزم على مواصلة التَّعلُّم بملازمة السَّيِّد رشيد رضا، فكان يعاونه في تصحيح ما يطبع في «مطبعة المنار» من الكتب العلميَّة، ويحضُر دروسه الَّتي يقرؤها في داره على خيار الطَّلبة كالشَّيخ عبد الرَّحمن أبي حجر، والشَّيخ عبد الظَّاهر أبو السَّمح، وغيرهم من العلماء الفضلاء» انتهى المقصود(3).

هذا وإنَّ المتأمِّل في سنة ولادة بوحجر، لَيَلْحَظُ أنَّه من أقران الشَّيخ رشيد في السِّنِّ، ولذا وجدناه يذكر في شيوخ أحد نبغاء تلاميذ رشيد رضا، وهو: «محمد عبد الرزاق حمزة»(4)، وعليه، فقد كان داعيا ومشاركا إلى جنب الشيخ رشيد رضا، والله أعلم..

ولعلَّه ـ أيضا ـ يكون قد أدرك أيضًا الشَّيخ عبده (ت: 1323هـ = 1905م) ـ عفا الله عنه ـ، ومعاصره الشَّيخ حسن عبد الرحمن البحيري ـ وهو (من كبار العلماء المعاصرين للشَّيخ محمَّد عبده، ومن خيار السَّلفيِّين)(5)، وقد قال في كتابه: «الحماسة السنية في الرَّدِّ على بعض الصُّوفيَّة»، طبع في مصر سنة (1326هـ)، وأعاد طبعه الدُّكتور محمَّد الخميس، (ص82): «وممَّن تنبَّه لفساد المتصوِّفة من العلماء المتأخِّرين مفتي الدِّيار المصريَّة السَّابق الشَّيخ محمَّد عبده ـ رحم الله أعظمه وعفا عن زلاَّته ـ...» اهـ، وسيأتي أن بوحجر عرف السَّلفيَّة، بل صار يدعو إليها منذ سنة (1909م = حوالي 1328هـ).

* في السُّودان:

لا نعلم عن «بوحجر» إلاَّ أنَّه كان موجودًا في السُّودان سنة (1917م).

يقول نصيف: «ثمَّ رحل إلى السُّودان للتِّجارة».

لا ندري أيضًا عن سبب السَّفر إلى السُّودان، وهل كان الغرض من ذلك التِّجارة وحدها، أم كانت هناك دوافع أخرى نَجْهَلُها، ولماذا لم يرجع بوحجر إلى الجزائر، بعد تأهُّله، وقضاء بغيته من العلم، كما رجع غيره؟

أسئلة لا نجد لها جوابًا، ولكن أهل العلم أينما حلُّوا نفعوا، وأينما وُجدوا، كانوا من المبارَكين على من حطُّوا بجوارهم، ونزلوا منازلهم، وقد كان في قدوم بوحجر إلى السُّودان خيرٌ كبير، وكانت لدعوته وغرْسه فيها، ثمارٌ يانعة وظلالٌ وارفة، امتدَّت على مدى الزَّمان، وما أسعده بقوله ﷺ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى...» الحديث، ولم يمنعه تعاطيه التِّجارة ولم يصده اشتغاله بها عن واجبه في الدَّعوة إلى عقيدة السَّلف، فهذه شهادةٌ من أهل السُّودان، يرويها اللاَّحق عن السَّابق والخلف عن السَّلف، عن غرْس بوحجر في بلادهم، يحدِّث الشَّيخ محمد هاشم الهدية، المولود سنة (1912م)  ويروي عن شيخه، مبدأ الدَّعوة السَّلفيَّة في السُّودان، في الحوار الَّذي أُجِري معه(6)، إذ يقول جوابًا عن سائله: «متى بدأت دعوة أنصار السُّنَّة في السُّودان ومن كان مؤسِّسها،..؟»: «أساس أنصار السُّنَّة هو الدَّعوة السَّلفيَّة، والَّتي لم تكن معروفة في السُّودان منذ أن ولدتُ في الحياة، إلى أن ظهر الحاج أحمد حسون وأعلنها في العام (1936م)، وسألته من أين تعلَّم هذه الدَّعوة، فقال أستاذي الشَّيخ يوسف أبّو وكان زميلي في التَّلقِّي من الأستاذ المغربي عبد الرَّحمن بن حجر عام (1917م)، وقد كان ابن حجر تاجرًا في مدينة النّهود، ولم يجد من الطَّلبة إلاَّ ثلاثة أشخاص فقط هم: محمَّد أحمد أبو دقن قاضي النّهود والأستاذ أحمد حسون وكان موظفًا صغيرًا بالبريد، والشَّيخ يوسف أبّو زعيم التِّيجانية، وحصل من الشَّيخ ابن حجر ما دعا لطرده من البلد من قِبَل السُّلطات البريطانيَّة، ورحَّلوه إلى مصر، وقد كان طلب ترحيله إلى الحجاز أو بلده، ولكن كانت الحرب العالميَّة الأولى دائرة والغوَّاصَّات الألمانيَّة في البحر الأحمر وفي البحر الأبيض المتوسِّط، وهناك خطورة في السَّفر للحجاز أو المغرب».

* تعليق: قوله «المغربي» يعني الجزائري، على أنَّ كثيرًا من المشارقة لا يزالون لا يفرِّقون بين أقطار المغرب الثَّلاثة، فكلُّهم عندهم مغربي، وقوله «ابن حجر» صوابه «بوحجر»، على أنَّه قد يكون سبب العدول منهم إلى «بن حجر» لثقل النُّطق عليهم: «بُوحْجر».

وهذه شهادة أخرى من «الأمين العام لجماعة أنصار السُّنَّة المحمَّديَّة» في السُّودان الشَّيخ إسماعيل عثمان محمَّد الماحي، ويحتمل أن يكون رواها عن الشَّيخ المُعَمِّر «محمَّد هاشم الهدية»، لكن أُثبتها هنا لما فيها من زيادة توضيح، قال: «بدأت الدَّعوة السَّلفية حوالي عام (1917م) عن طريق بعض الدُّعاة في غرب السُّودان وبالتَّحديد مدينة النّهود بكردوفان، وكان أوَّل من حمل لواءها شيخٌ جزائريٌّ يسمَّى عبد الرَّحمن أبو حجر حيث أقام نشاطًا دعويًّا ملموسًا في مدينة النُّهود وتتلمذ على يديه كثيرٌ من الدُّعاة الَّذين كانوا سببًا في نشر الدَّعوة السَّلفيَّة من بعده أمثال الشَّيخ أحمد حسون: والشَّيخ محمَّد أحمد أبو ذقن والشَّيخ يوسف الضو (هكذا) الَّذي كان شيخ الطَّائفة التِّيجانية قبل ذلك، وعليه فإنَّ هؤلاء العلماء كانوا الخميرة الأولى للدَّعوة السَّلفيَّة،...»(7).

أما عن سبب طرده من السودان، فيبينه النقل الآتي(8): «..كان هذا الشيخ قد افتتح حلقة لتدريس العقيدة السلفية في مدينة النهود بغرب السودان، وذلك حوالي سنة 1917م، فكان في تلامذته أحمد حسون والشيخ يوسف أبُّو والذي كان زعيما من زعماء الطريقة التيجانية في النهود وفقيه المالكية، وقد أبعدت الحكومة الإنجليزية التي كانت تحكم السودان آنذاك، الشيخ عبد الرحمن بن حجر إلى القاهرة وحرمته من زوجته السودانية وذلك بسبب فتوى جريئة خلاصتها أن الإنجليز كانوا قد سيَّروا حملة لحرب السلطان علي دينار الذي كانت له سلطنة مستقلة عن الإنجليز في غرب السودان وعسكرت هذه الحملة في مدينة النهود وجاء ضابط مصري وجلس في حلقة الشيخ أبي حجر وسأله عن حكم قتالهم لعلي دينار، فقال: قتلاكم في النار، وقتلى علي في الجنة، فما كان من الضابط المصري إلا أن هرب من الجيش الإنجليزي ولحق بعلي دينار وانضم إلى جيشه، ولما علم الإنجليز بذلك أبعدوا الشيخ من السودان».

* فتح الحجاز:

كان وضع الحجاز من النَّاحية الدِّينيَّة لا يختلف عن بقيَّة الأقطار، قد غشيته الطُّرقيَّة، ومخلَّفاتها، وسيطرت عليه مظاهر الشِّرك والخرافة، وحكَّام مكَّةَ على أهواء أهل البدعة الطُّرقيِّين الخرافيِّين، إلى أن فتح الله الحجاز للملك السَّلفي، الإمام الموحد عبد العزيز بن سعود (1343هـ)، ولأجل ما كان بين الملك عبد العزيز، والشَّيخ محمَّد رشيد رضا، من علاقة ودِّيَّة، على أساس النُّصح والمشاورة، ولما عرفه الملك عن رشيد من غيرة وإنصاف وتجرُّد للحقِّ، ودفاع عن مذهب السَّلف وعقيدتهم، ولما بذل من جهود في التَّعريف بدعوة الشَّيخ ابن عبد الوهَّاب، وإنصاف «الوهَّابيِّين» ـ على حدِّ تعبير أعدائهم الَّذين لمزوهم بهذا الاسم ـ، وإظهار صورتهم الحقيقيَّة، وإبراز عقائدهم الَّتي هي  عقائد الحقِّ، فبرَّأهم من تلكم النَّقائص والشَّنائع  الَّتي بُهتوا بها، بما نشر من كتبهم ورسائلهم؛ (مؤلَّفات وتصريحات الشَّيخ ابن عبد الوهَّاب، وتلاميذه)، على صفحات مجلَّته الشَّهيرة «المنار»، وبما طبع من كتبهم وكتب السَّلف بمطبعته، قام بهذا نصرة للحقِّ.

كان الشَّيخ رشيد محلّ ثقة  عند الملك، وموضع تقديره واستشارته، وبعد أن ملَّكه الله الحجاز، وضمَّها إلى سلطانه، استقدم الملك عبد العزيز  علماء مصريِّين، من مشاهير السَّلفيِّين، من تلاميذ الشَّيخ رشيد، وغيرهم، ممَّن أبلوا بلاءً حسنًا في المجاهرة بالدَّعوة إلى التَّوحيد وعقيدة السَّلف، فاشتهروا بالسَّلفيَّة؛ دعوةً وجهادًا، فأراد الملك أن يُعزِّز بهم جانبه في الحجاز، ويستعين بهم في نصر دعوة التَّوحيد، وإصلاح البلاد الَّتي عاشت دهرًا في أحضان الطُّرقيَّة، وشيوخها، ولا يعرج علماؤها على التَّوحيد، ويتجنَّبون الحديث عنه، كما لا زال عامَّة النَّاس من سكَّان الحجاز، ينظرون النَّظرة السَّيِّئة إلى علماء نجد، ويصدقون الافتراءات على ما كان يسمَّى بـ «الوهَّابيَّة»، الَّتي رسخت فيهم مع الأمد الطويل.

استقدم من مصر: الشَّيخ عبد الظَّاهر أبو السمح، والشَّيخ محمَّد بن عبد الرَّزَّاق حمزة، (سنة 1344هـ) أو (سنة 1345هـ)؛ وعين الملكُ الأوَّلَ منهما: إمامًا وخطيبًا بالمسجد الحرام، إلى جانب دروس الوعظ والإرشاد، وعيَّن الآخر واعظًا ومدرِّسًا بالمسجد الحرام، ثمَّ اختاره لخطابة الحرم النَّبوي وإمامته والتَّدريس فيه...، لثقته بعلمهما، وبصحَّة عقيدتهما، وقدرتهما على النَّفع والإفادة، وبلائهما في الدَّعوة، وقد رشَّحهما لذلك السَّيِّد محمَّد رشيد رضا، وهما من تلاميذه.

وكان للشَّيخ رشيد مشاركة في اختيار مدرِّسي المسجد الحرام والمعهد السُّعودي.

* قدومه الحجاز، وتَدريسه في المسجد الحرام:

يقول نصيف: «رحل إلى السُّودان... عاد منها إلى مصر ثمَّ أتى الحجاز بعد ذلك وأقام بمكة مدَّة،...»، ويقول الشَّيخ المعمر (الهدية) في تتمة حديثه السَّابق، بعد أن ذكر ترحيل بوحجر من السُّودان، من قبل الحكومة السُّودانيَّة أو السُّلطات البريطانيَّة، إلى مصر: «.. وظل في مصر إلى أن استولى الملك عبد العزيز على الحجاز، فرحل إليه،...».

كان قدوم بوحجر الحجاز مع بداية العهد السُّعودي، ووِفادة العلماء السَّلفيِّين على الملك عبد العزيز، قدمها (سنة 1344هـ، أو 45هـ) بمعيَّة الشَّيخين عبد الظَّاهر وابن عبد الرَّزَّاق، اللَّذين رشَّحهما رشيد رضا كما أسلفنا ـ وهذا يؤكِّد لنا ما ذكرناه سابقًا من توثّق الصِّلة بين بوحجر وهؤلاء المذكورين وشيخهم ـ، فيكون أيضًا قد رشَّح رشيد رضا «عبد الرحمن بوحجر»، الَّذي كان موجودًا آنذاك بمصر، وزكَّاه وأثنى على علمه وسلفيَّته(9)، ـ كما رشَّح سنة (1345هـ) تقي الدِّين الهلالي وبعث معه بوصيَّة إلى الملك يطلب منه إبقاءه والاستفادة من علمه ـ، فعين هو كذلك (أي: بوحجر) مدرِّسًا في المسجد الحرام.

وبعد مباشرته للتَّدريس في الحرم، (وفي 18/1/1347هـ صدر مرسوم ملكي جديد يشكل «هيئة لمراقبة الدُّروس والتَّدريس في الحرم» [إذ كان الملك حريصًا على أن لا يحيد المدرِّسون عن تقرير مذهب السَّلف في العقائد، ومؤكِّدًا عليهم في نهي النَّاس عن البدع الفاشية]... ويعيِّن حضرات المشايخ الآتية أسماؤهم أعضاء مراقبين وهم...

«وذكرهم، ومنهم: الشيخ عبد الرحمن أبو حجر...»(10).

وهذه شهادةٌ من شيخ جليل وعالم كبير؛ وهو الشَّيخ عبد الله عبد الغني خيَّاط، الَّذي حضر دروس هذه الأعلام الوافدة واتَّصل بها أيَّام الطَّلب، من مثل المصريِّين: أبي السَّمح وحمزة والفقِّي، والمغربي الهلالي، والجزائري بوحجر، انظر ما ذكره عن كلِّ واحد منهم في فصل: «شخصيَّات لها أثرها في نفسي» من مذكِّراته الموسومة بـ «لمحات من الماضي».

* ذكريات تلميذ عن شيخه:

وتحت عنوان: «فضيلة الشَّيخ عبد الرَّحمن أبو حجر»: «يكاد لا يختلف فضيلة الشَّيخ عبد الرَّحمن أبو حجر عن غيره من علماء الأزهر الَّذين قدموا الحجاز بطلب من الدَّولة السُّعودية للإسهام في دفع عجلة التَّعليم والثَّقافة، خاصَّة فيما يتَّصل بالعقيدة السَّلفيَّة، تعرَّفت على فضيلته منذ قدومه مع أصحاب الفضيلة الشَّيخ عبد الظَّاهر أبو السَّمح والشَّيخ محمَّد عبد الرَّزَّاق، وتتلمذت عليه في المسجد الحرام وكانت حلقة درسه متواضعة لا تضمُّ أكثر من عشرين طالبًا يجلس إليهم ضحوة كلِّ يوم، قرأت عليه «سنن أبي داود»، وأعجبني في تقريره وشرحه أنَّه يعوِّل على ما وقف عليه من شرح العلماء وأقوالهم ويذكر مفاهيمهم ويعتمد على  اجتهاداتهم  في  الحديث، ويتقيَّد بها؛ لذلك لم يؤخذ عليه مأخذ، ولم يحاسب على قول اعتمده  أو قرَّره لطلاَّبه، كنت إذا وقفت على درسه وجَّهَ نظركَ إليه بلهجته المغربيَّة الَّتي كثيرًا ما تسبق إلى لسانه على الرّغم من محاولته النُّطق بالعربيَّة الفصحى، فيه مَرَحٌ لا يفارقه حتَّى وهو يلقي الدَّرس يضرب الأمثال  بالنُّكتة المستملحة، ويحرِّك الشُّعور بإلهاب الحماس في طلاَّبه، والإخلاص يبدو واضحًا على محياه، فيجمع لهم بين العلم والمرح، فينتهي الدَّرس دون أن يشعر الطَّالب بملل أو ضغط فكريٍّ أو تَعَبٍ نفسيٍّ، ومع الأسف لا أعرف  الكثير من أخبار شيخنا أبي حجر؛ لأنِّي لم أتعمَّق في صحبته واتِّصالاتي به كاتِّصالاتي بالشَّيخين الكريمين الشَّيخ عبد الظَّاهر أبي السَّمح، والشَّيخ محمَّد عبد الرَّزَّاق، حتَّى هذه الكنية «أبو حجر» لست أدري من أين أتته؟! هل كانت عائلته تدعى بعائلة أبي حجر فاتَّصلت الكنية به؟ وكم كان يدور بخلدي أن أسأل فضيلته عنها في أيَّة ساعة من ساعات انشراح صدره في الدَّرس أو بعد الدَّرس، ولكنِّي خشيت من ثورته، ومن أن يسمعني ما يشقُّ عليَّ سماعه كما قيل: «من سأل عمَّا لا يعنيه سمع ما لا يرضيه»، فأحجمت، واكتفيت بالإفادة من حضور درسه والاتصال به في بعض الفترات في المسجد أيضًا، فقد كان فضيلته انعزاليًّا لأبعد الحدود؛ لذلك لم أحظ بزيارته في داره، كان انعزاليًّا تمشيًا مع قول القائل: «يا غريب كن أديبًا»، أو تطبيقًا لبعض الآثار الَّتي ترجِّح العزلة، ثمَّ انتقل بعد مضيِّ فترة إلى جُدَّة مدرِّسًا، ولست أدري عن سبب انتقاله ولا عن المسجد الَّذي انتقل إليه في جُدَّة، وانقطعت صلتي بفضيلته، ولست أعلم بعد انتقاله شيئًا من أخباره إلاَّ ما كان يبلغني عن الوجيه الأفندي محمَّد حسين نصيف ـ يرحمه الله ـ فقد كان فضيلته على صلة عامرة به، وإنَّ شخصيَّة كشخصية شيخنا فضيلة الشَّيخ عبد الرَّحمن أبي حجر ليس غريبًا أن تترك في نفسي أثرًا يتجدَّد كلَّما عرضت في الذِّهن هذه الشَّخصيَّة، أو تحدث عنها المعاصر لها طالبًا أو زميلاً أو غيرهما، يرحمه الله»(11).

وقد عرفت ـ أيُّها القارئ ـ الجواب عن الكثير من تساؤلات الشَّيخ عبد الله خيَّاط، ممَّا أثبتناه في أوَّل هذه التَّرجمة.

* في جُدَّة الحجاز:

يقول نصيف: «ثمَّ استوطن جُدَّة،... وقد عُيِّن رئيسًا لهيئة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في جُدَّة»، ويقول الشَّيخ المعمر (الهدية) في تتمَّة حديثه السَّابق: «..وعيَّنه رئيسًا لهيئة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في مدينة جُدَّة، ولما سمع تلميذه يوسف أبّو بوصوله إلى الحجاز سافر حاجًّا وجلس معه ليزداد من علمه، وكانت أمُّه في النّهود على قيد الحياة فطلبت عودته، بعد أن أقام ثلاث سنوات مع شيخه، وعاد إلى النّهود، وكانت الدَّعوة لا تزال في صدور الثَّلاثة لم يعلنوها إلاَّ في عام (1936م)، تكرَّم الحاج أحمد حسون بعد أن كبرت سنُّه وأعلنها داوية وظلَّت متوسِّعة حتَّى الآن ولله الحمد».

لا ندري  كم مكث بوحجر في مكَّة، ومتى انتقل منها إلى جُدَّة، ونتساءل كما تساءل الشَّيخ عبد الله خيَّاط عن سبب الانتقال؟ وعن المسجد الَّذي انتقل إليه بوحجر  أوَّلاً، وهو في جُدَّة، لا نعلمُ إلاَّ أنَّه كان متَّصلاً بالشَّيخ محمَّد نصيف، وتوثَّقت بينهما  الصَّداقة، وقد وقفت على رسالة بعث بها الشَّيخ محمَّد عبد الرَّزَّاق حمزة من مكَّة المكرَّمة بتاريخ  (2/6/1353هـ)، يقول فيها: «حضرة الأخ المحترم السَّيِّد محمَّد نصيف أفندي المحترم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وعلى الإخوان الشَّيخ محمَّد حسين والشَّيخ عبد الرَّحمن ابن حجر وولدكم الشَّيخ عبد القادر، وبعد:..»(12)، وقد أفاد هذا أنَّ بوحجر كان سنة (1353هـ) موجودًا في جُدَّة، وأمَّا محمَّد حسين المذكور؛ فهو: الشَّيخ محمَّد ابن حسين بن سليمان بن إبراهيم الفقيه أو الفقِّي (ولد سنة 1304هـ في دمنهور بمصر) الَّتي نشأ بها، واستقرَّ في جُدَّة ابتداءً من عام (1320هـ)، وكان خطيبًا ومدرِّسًا في مسجد عُكَّاشْ  بجُدَّة؛ أكبر المساجد في ذلك الوقت(13)، وهو مسجد عتيق ومنارة علميَّة تأسَّس في القرن الحادي عشر، توفي محمد حسين سنة 1355هـ(14).

والظَّاهر أنَّه بعد وفاته، خلفه  في هذا المسجد، وقام على التَّدريس والخطابة فيه  مترجمنا عبد الرَّحمن بوحجر، كما تفيده الرِّسالة الآتية.

* كتاب «بُوحْجر» إلى «مبارك الميلي»:

وهي رسالة عزيزة فريدة بعث بها بوحجر نفسه، بخطِّه وإمضائه إلى العلاَّمة المحقِّق مبارك الميلي؛ محرِّر جريدة «البصائر»، ونُشرت فيها في [العدد (159)، 9 صفر 1358هـ/ 31 مارس 1939م، (ص2)]، وفيها يذكر شيئًا من محنته ومُصابه في أعزِّ ما لديه وهي كتبه ومخطوطاته الَّتي أُحرقت، وهو في السُّودان، نُشرت تحت عنوان: «الإصلاح الدِّيني وأبناء الزَّوايا الجزائريَّة في المشرق»، وقدَّم لها المحرِّر بالكلمات الآتية: «قليل من يجهل الشَّيخ المكِّي بن عزوز وكونه عالمًا عظيمًا وابن زاوية جزائريَّة كبيرة، وقليل ممَّن يعرف علمه ونسبه من يجهل طرقيته وهو في وطنه وتوبته منها في المشرق، واليوم نقدِّم كتابًا جاءنا من ابن زاوية جزائريَّة؛ لكنَّه بالمشرق أيضًا، وهو السَّيِّد عبد الرَّحمن بوحجر ـ حفظه الله وهدى به ـ، وليس كلّ ابن زاوية جزائريَّة مقيم في الجزائر هو عدوٌّ للإصلاح الدِّيني، ولكن يغلب على من فارق وطنه من أبناء زوايانا إلى المشرق نبذ ما ترك عليه أمثاله هنا، وهذا هو الكتاب بنصِّه وإمضائه:

«حضرة الأخ العلاَّمة النَّاقد مؤرِّخ الجزائر الشَّيخ مبارك الميلي ـ حفظه الله ـ: السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإنِّي مسرور بنهضتكم العلميَّة الإصلاحيَّة وأتتبَّع أخباركم وقد اطَّلعت على كتابكم القيِّم «الشِّرك ومظاهره»، وقد أجدت فيه كلَّ الإجادة، ووقفت على ما ذكرت  عن جدِّنا السَّيِّد أبو حجر فزمانه زمن فترة ولم يقم في ذلك الوقت من ينبِّه الغافل ويرشد الضَّالَّ وقد كنت أجهل تاريخه، والأمر فيه وفي أمثاله موقوف على الامتحان فقد وردت روايات أنَّ الله يرسل يوم القيامة رسولاً فمن أجابه نجا ومن لم يجبه هلك وإنِّي والحمد لله على توفيقه ما زلت منذ ثلاثين سنة وأنا أدعو إلى كتاب الله وسنَّة رسوله وأحارب البدعة العمليَّة والبدعة الاعتقادية في السُّودان الغربي والسُّودان المصري وفي صعيد مصر وأسفلها باللِّسان والقلم والنَّثر والنَّظم ولولا أنَّ حكومة السُّودان أحرقت كتبي لأرسلت إليكم بكثير منها وقد أرسلت للسُّودان ومصر سبع نسخ هديَّة من كتابكم «الشِّرك ومظاهره»؛ لأنَّ لنا هناك أصحابًا يدعون إلى إصلاح العقيدة وإحياء السُّنَّة وقد أرسلت لكم «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطِّلة والجهميَّة» والجزء الثَّاني من «الصَّواعق المرسلة» وقصيدتنا الَّتي سمَّاها بعض المحبِّين «الدُّر المنظوم» نظمناها من نحو عشرين سنة وقصيدة الأمير الصَّنعاني، في الحج على سبيل التّذكار لتعلموا أنَّ لكم إخوانًا يؤيِّدونكم وينصرونكم ويوالونكم في الله، وأسأل الله أن لا يزال يرينا من آثاركم ما يخلِّد ذكركم وينفع أمَّتكم وملَّتكم وقد لقيت عند صديقنا عينَ أعيان جُدَّة الشَّيخ محمَّد نصيف أحد الحجَّاج اسمه نجار محمَّد بن مبارك بوزيان من قرية القرارم فأعطيناه الكتب  الآنفة  الذِّكر ليوصلها إليكم، والسَّلام عليكم وعلى إخوانكم في الدِّين.

عبد الرَّحمن أبو حجر الجزائري الإمام والخطيب والمدرِّس بمسجد عكاش بجدة».

أفادت هذه الرِّسالة أنَّه ابتدأ الدَّعوة إلى الكتاب والسُّنَّة حوالي سنة (1909م)، راجعْ ما ذكرناه في فصل «تأثُّره بالسَّلفيَّة»، عمَّن يمكنُ أن يكون اتَّصل بهم من السَّلفيِّين.

* وفاته:

لم يمض أكثر من عام على تحرير هذه الرِّسالة وعلى نشرها، حتَّى توفِّي الشَّيخ عبد الرَّحمن بوحجر رحمه الله.

يقول نصيف: «..استوطن جُدَّة، ومات بها عام (1358هـ)، وكان هذا الشَّيخ من علماء السُّنَّة المخلصين، وفيه دُعابة لطيفة مع أصدقائه،...» اهـ.

* من آثاره:

أمَّا عن قصيدته المسمَّاة «الدُّرُّ المنظوم»، فقد وقفت ـ بحمد الله ـ على بعض المعلومات عنها، ففي «معجم المطبوعات العربيَّة في المملكة العربيَّة السُّعودية» للدُّكتور علي جواد الطاهر ـ وقد نشر تباعًا على حلقات في مجلَّة «العرب»، الحلقة (50)؛ (المطابع والصحافة والمكتبات «4»): [(ج9 و10، س15، الرَّبيعان 1401هـ/ يناير ـ فبراير 1981م، (ص717)]، وهو يتحدَّث عن مطبوعات وإصدارات مطبعة أمِّ القرى (مكَّة)؛ (مطبعة الحكومة، فيما بعد)، قال: ««قصيدة الدُّر المنظوم في نصرة النَّبيِّ المعصوم» للشَّيخ عبد الرَّحمن بن محمَّد ابن الحسن أبي حجر الحسني (؟) الجزائري المستغانمي، طبعت بمطبعة الحكومة بمكَّة المكرَّمة (1360)، الكتاب في (18 صفحة)، القصيدة (8 صفحات)، وقد أفاد هذا العنوانَ الكامل للقصيدة، كما أفاد ـ وهو أهمُّ ـ، اسمَ أبيه واسمَ جدِّه، وأفاد نَسَبَهُ الحسَني، ولا أدري ما وجهُ وضع علامة الاستفهام عندها؟ كما شوَّش عليَّ ذكرُ «المستغانمي» في نسبته، وأخشى أن يكون تصحيفًا، وربَّما رجع أصل عائلة «بوحجر» إلى «مستغانم» الَّتي تقع في الغرب الجزائري، ويبدو أنَّ القصيدة طبعت لأوَّل مرَّة بالمطبعة المذكورة، سنة (1360هـ)؛ أي بعد وفاته ـ رحمه الله تعالى ـ، وقد أعادت طبعها «الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ـ مركز شؤون الدعوة»، منذ سنوات عدة.

كما وقفتُ على ما يدلُّ على اشتغال بوحجر بتصحيح الكتب والاهتمام بآثار السَّلف ومراجعتها وإعدادها للطِّباعة، كما كان يفعلُ الشَّيخ رشيد رضا وتلميذاه أبو السَّمح، وابن حمزة، وممَّا نشرته «المطبعة السّلفيَّة» ومكتبتها بمكَّة، كتاب: «شرح حديث أبي الدَّرداء فيمن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا» لابن رجب، بمراجعة واهتمام الأستاذ الشَّيخ عبد الظَّاهر أبي السمح (سنة 1347هـ)، وفي المجال نفسه نقفُ على رسالة بعنوان: «نور الاقتباس في مشكاة وصيَّة النَّبي خ لابن عبَّاس» لابن رجب، وقد  طبعت قديمًا (بالمطبعة الماجدية ـ بمكَّة) بتعليق الشَّيخ عبد الرَّحمن أبي حجر سنة 1347هـ)(15).

 



(1) من كتاب «صالح بن مهنا..» (ص47).

(2) مقدمة «حياة القلوب» لعبد الظاهر أبي السمح (ص13).

(3) عن الترجمة الَّتي أعدَّها أبو عمر الدوسري، بواسطة موقع «الصُّوفيَّة».

(4) انظر: ترجمة الشيخ «ابن حمزة»، إعداد محمد بن علي يماني [عن موقع «مكاوي»].

(5) «سبيل الرَّشاد» (1/314).

(6) موقع شبكة «المشكاة الإسلامية».

(7) مجلة «الفرقان»، العدد (409)، (9/11/2006م) عن موقع هذه المجلَّة.

(8) عن موقع: «جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان».

(9) قد قدَّمنا في الاستدراك أنَّ الشَّيخ عبد الرَّحمن كان من طلاَّب الشَّيخ رشيد ومن أصحابه الَّذين كانوا يتلقَّون عنه في داره، مع الشَّيخين: أبي السمح، وابن حمزة، فما بقي شكٌّ في أنَّ رشيدًا رشَّح الثَّلاثة، ونتأسَّفُ على أنَّه  لم يذكر إلاَّ المصريَّيْنِ وأَغفلَ الثَّالثَ.

(10) انظر: «الملك عبد العزيز والتَّعليم»، تأليف: د.عبد الله أبو راس (ص179 ـ 181).

(11) (ص334 ـ 336).

(12) «محمَّد نصيف، حياته وآثاره» (ص468).

(13) انظر عنه: «تاريخ مدينة جدة» (ص339).

(14) انظر: مقدمة دراسة وتحقيق كتابه «الكشف المبدي... تكملة الصَّارم المنكي».

(15) انظر: «نور الاقتباس..»، تحقيق محمد بن ناصر العجمي (ص11 ـ ط. دار البشائر).