أنت هنا:ألفاظ ومفاهيم في الميزان»الأنصار.. بالأمس؛ والأنصار.. اليوم!

الأنصار.. بالأمس؛ والأنصار.. اليوم!

  • سليم مجوبي
تم قراءة المقال 711 مرة

 

الأنصار..؛ ما أجملها من كلمة! إنَّها تحمل معاني شريفةً جليلة، اتَّصف بها قومٌ ضُرِب بهم المثل في الكمال الإنساني، إنَّها عَلَمٌ على قوم آزروا رسول الله ﷺ وعزَّروه ونصروه، وآووه هو ومن معه من المهاجرين، قوم قال الله تعالى فيهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون}[الحشر:9]، وقال عنهم وعن إخوانهم: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم}[الأنفال:74]، وقال لهم رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ»، [«صحيح مسلم» (2508)]، وقال عنهم:«إِنَّ الأَنْصَارَ كَرِشي وعَيْبَتي(1)»(2)، وقال ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ» [«صحيح مسلم» (2506)].

ولو ذهبتَ تستعرض فضائلهم أفرادًا وجماعات؛ لما وسعتك هذه المجلَّة ولا غيرها! هؤلاء هم أنصار الأمس.

لقد مُسخت معاني هذه الكلمة اليوم، وأُطلقت على قوم هم منها براء، وظُلمت هذه الكلمة ظلمًا، لو رآه الإبراهيميُّ لأدرجها في مقاله: «كلمات مظلومة»(3).

أنصار الأمس نصروا رسول الله ورفعوا راية التَّوحيد..

وأنصار اليوم نصروا الفريق العتيد ورفعوا لواء اللهو الجديد.

أنصار الأمس جاهدوا في سبيل الله حقَّ جهاده وبذلوا النَّفس والنَّفيس..

وأنصار اليوم قاتلوا في سبيل فريقهم ودفعوا الغالي والرَّخيص.

أنصار الأمس أنفقوا ما عندهم لله..

وأنصار اليوم صرفوا أموالهم ليصدُّوا عن سبيل الله.

أنصار الأمس إذا خرج رسول الله ﷺ للغزو تركوا ديارهم وأهليهم..

وأنصار اليوم إذا سافر فريقهم للَّعب فعلوا كذلك، فجمعوا بين شرف الهجرة وشرف النّصرة!

أنصار الأمس إذا وصلوا إلى ساحة القتال والْتَحَم الجيشان؛ ذكروا الله..

وأنصار اليوم إذا دخلوا ملعب المعركة والتقى الفريقان؛ سبُّوا الله.

أنصار الأمس إذا انتصروا حمدوا الله وشكروا..

وأنصار اليوم إذا فازوا خرجوا إلى الطُّرقات فصاحوا ورقصوا.

أنصار الأمس إذا هُزموا رجعوا إلى الله واعترفوا بالتَّقصير..

وأنصار اليوم إذا خسروا عادوا على الممتلكات بالتَّخريب  والتَّكسير، وربَّما تقابلوا في الخارج مع أعدائهم، فأخذوا حِذرهم ولم يغفلوا عن أسلحتهم وأمتعتهم، ومالوا عليهم ميلة واحدة، وقد يكون في صفوفهم جرحى وموتى.

أنصار الأمس يوالون المؤمنين ولا يوادُّون من حادَّ اللهَ ورسوله ولو كانوا أولي قربى..

وأنصار اليوم يوالون من والى فريقهم ويعادون من عاداه ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.

أنصار الأمس يأكلون من الكسب الحلال الطيِّبات..

وأنصار اليوم يشربون المسكرات والمخدِّرات.

وليت شعري؛ إنَّ هذه المقارنة ليست بين أولئك القوم وهؤلاء،بل بين لفظ الأنصار ولفظ الأنصار.

أَلَمْ تَـــرَ أَنَّ السَّـيْـفَ يَـنْـقـصُ قَـدْرُهُ

إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ العَصَا

فيا أيُّها الكُتَّاب والصّحفيُّون والإعلاميُّون، سمُّوا هؤلاء مشجعين أو مهرِّجين أو ما شئتم، ولا تسمُّوهم أنصارًا، فإنَّهم لا يستحقُّون أن يكونوا شعارًا ولا دِثَارًا(4).

هؤلاء هم أنصار اليوم، وأولئك هم أنصار الأمس، وشتَّان بين الثَّرَى والثُّرَيَّا.

وبين هؤلاء وهؤلاء صنف ثالث، هم في ظاهرهم بأنصار الأمس أشبه، ولكنَّهم في أفعالهم إلى أنصار اليوم أقرب.

قومٌ لبسوا ثياب الاستقامة وتزيَّوا بزيِّها، ولكنَّهم لم يرعوا لها حرمتها، واسأل أيَّام الكؤوس والبطولات؛ تُنْبِئك عن أصحاب القمص والسّبلات(5).

فمنهم من يتخلَّف عن الصَّلاة إذا تعارض وقتها مع وقت المباراة، ـ والجمع في هذا الموضع غير صحيح، بل لابدَّ من التَّرجيح ـ، ومنهم من إذا سلَّم الإمام قام ينقر ما فاته من الأولى ليدرك ما فاته من الثَّانية، وأحسنهم حالا من إذا أدرك الإمام كاد يسبقه بالسَّلام؛ ليلحق الحَكَم قبل صافرة الختام، فإن قيل له: سبِّح، قال: إذا خرجتُ حتَّى يشهد لي الطَّريق، فإن قيل: والنَّوافل؟ قال: في البيت أفضل!

فإذا قضيت الصَّلاة على غير موعد مباراة؛ تعالت في المسجد الأصوات، لعلَّك تحسبها بالتَّكبير والتَّهليل، كلاَّ؛ بل باللَّغَطِ وَالعَوِيلِ، يستذكرون أحداث المقابلات، ويتحسَّرون على ما ضاع من الأهداف واللَّقطات، ويذمُّون الْمُتَسَبِّب في السَّقَطَات، تسمع كلَّ ذلك بالتَّفصيل حتَّى كأنَّك قد حضرت اللِّقاءات، وليس الخبر كالعيان إلاَّ في هذا المكان!

وإن كنت على موعد مع أحدهم ـ ديني أو دنيوي ـ وافق زمن المقابلة، فربَّما وفَّى عرقوب(6) ولم يفِ صاحبك.

وأمَّا أخبار اللاَّعبين وأسماؤهم وأعمارهم وأعمالهم وأموالهم وسيرهم وتراجمهم؛ فشيء عجيب، كأنَّك تقرأ في «التَّهذيب» أو «التَّقريب»(7)، ولو حلفتَ أنَّ أكثرَهم لا يعرف أسماء أمَّهات المؤمنين لكنتَ بارًّا غير حانث، إلاَّ من رحم اللهُ.

ويزداد الخطب سوءًا بذكر أسماء الكفَّار في بيوت الله والانتصار لهم والذَّبِّ عن لعبهم واحترافهم والتماس الأعذار لهم، بل ربَّما وصل الأمر إلى الشِّقاق والفراق وسوء الأخلاق، والله عز وجل يقول: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ}[النساء:88]، ولم يسلم من ذلك لا المسجد النَّبوي ولا الحرام، ولا أحسب الأقصى بمنأى عن هذا الحرام.

فإن كان اللاَّعب الكافر ممَّن ذاع صيتُه وضرب في شُهرة القدم بسهم؛ قالوا: إنَّه مسلم أو سيسلم، وإنَّ زوجته قد لبست الحجاب وربَّما الجلباب، وإن كان مسلمًا؛ قالوا: إنَّه من المصلِّين وممَّن يطعم المسكين، لا تفوته الصَّلاة في الحين، بل ربَّما تقدَّم في الصُّبح المأمومين.

وليس هذا من المبالغة فقد سمعنا أكثر منه، وسمعنا من هؤلاء من إذا ذُكر عنده بعضُ العلماء عرَّض بالهمز واللَّمز.

وبعدُ؛ فهذه بعض أخبار القوم أردت بسردها تذكير نفسي وإخواني بما نحن فيه من غفلات، حتَّى نتفطَّن لما يدبِّر لنا الأعداء من مكيدات، لعلَّنا نتدارك قبل الفوات، ونغتنم الأوقات في الباقيات الصَّالحات، فمن أبى إلاَّ.. فلا أقلَّ من المباحات الواضحات واجتناب الشُّبهات، مع لزوم السُّنَّة والإكثار من الدُّعاء بالثَّبات.

وفَّق الله الجميع لما يحبُّ ويرضى، والحمد لله ربِّ العالمين.



(1) أي بطانتي وخاصَّتي، وعيبتي: موضع سرِّي وأمانتي.

(2) «صحيح مسلم» (2510).

(3) «آثار الإبراهيمي» (3 /505).

(4) أخرج البخاري في «صحيحه» (1574) ومسلم (738)، واللَّفظ له، من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ـ في قصَّة قسمة غنائم حنين ـ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَوْلاَ الهِجْرَة لَكُنْتُ امْرأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعبَهُمْ».

قال النَّووي: قال أهل اللغة: الشِّعار: الثَّوب الذي يلي الجسد، والدِّثار: فوقه، ومعنى الحديث: الأنصار هم البطانة والخاصة والأصفياء، وألصق بي من سائر النَّاس.

(5) جمع سَبَلة: قيل هي ما على الشَّارب من الشَّعر، وقيل: طَرَفه، وقيل: هي مُجْتَمَع الشَّاربَين، وقيل: هو ما على الذَّقَن إِلى طَرَف اللّحية، وقيل: هو مُقَدَّم اللِّحية خاصَّةً، وقيل: هي اللّحية كلُّها بأَسْرها. [«لسان العرب»: مادة (سبل)].

(6) قال أبو عبيد: هو رجل من العَمَاليق أتاه أخٌ له يسأله، فَقَالَ له عرقوب: إذا أطْلَعَتْ هذه النَّخلة فلك طَلْعها، فلمَّا أطلعت أتاه للعِدَةِ، فَقَالَ: دَعْها حتَّى تصير بَلَحًا، فلمَّا أبْلَحَتْ قَالَ: دَعْها حتَّى تصيرَ زَهْوًا، فلمَّا زَهَت قَالَ: دَعْها حتَّى تصير رُطَبًا، فلمَّا أرْطَبَتْ قَالَ: دَعْها حتَّى تصير تمرًا، فلمَّا أتْمَرَتْ عَمدَ إليها عرقوب من اللَّيل فجدَّها ولم يُعْطِ أخاه شيئًا، فصار مثلاً في الخُلْف، وفيه يقول الأشجعي:

وَعَدْت وَكاَنَ الخُلْفُ مِنْك سَجِيَّةً

مَـوَاعِــيـدَ عُــرْقُــــوبٍ أخَـــاهُ بِيَتْربِ

«مجمع الأمثال» للميداني (2 /311).

(7) «تهذيب الكمال»: كتاب في تراجم رجالِ الكتبِ السِّتَّة، للحافظ المزِّي، اختصره الحافظ ابن حجر وسمَّاه: «تهذيب التهذيب»، ثمَّ لخَّص كلامه على رجاله في كتاب سمَّاه: «تقريب التَّهذيب».

 


* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 10»