أنت هنا:ألفاظ ومفاهيم في الميزان»النبراس في تصحيح كلام النَّاس

النبراس في تصحيح كلام النَّاس

  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 949 مرة

 

هذا بيان لمجموعة أخرى من العبارات المنتشرة بين النَّاس، مع التَّوجيه والتَّصحيح والتَّزييف(1)، والله الموفّق والمعين.

الـعـمـل عـبـــادة

تطلق هذه العبارة «العمل عبادة» على الارتزاق والعمل الدُّنيوي, وهذا حقٌّ؛ لأنَّ الشَّرع الحنيف حثَّ على طلب الرِّزق ورغَّب فيه؛ حتَّى يعيش المؤمن عزيزًا شريفًا لا يمدُّ يدَهُ للنَّاس ولا يسألهم أموالهم، ولا يستشرف إليها، قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ الله وَاذْكُرُوا الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون[الجمعة:10]، وفضلُ الله هنا التِّجارة وطلب الرِّزق، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور[المُلك:15]، وقَال النَّبيُّ ﷺ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنعوه»(2)، وقَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عليه السلام؛ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»(3).

ولكن لا يكون هذا السَّعيُ والعمل عبادةً إلاَّ بشروط:

1 ـ أن تكون نيَّةُ العامل النَّفقةَ على نفسه وأهله ووالديه وأولاده وفعل الخير والإنفاق في سبيل الله، فعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: مرَّ على النَّبيِّ ﷺ رجلٌ؛ فرأى أصحاب رسول الله ﷺ من جَلَدِه ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ في سَبيلِ اللهِ, وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبيرَيْنِ فَهُوَ في سَبيلِ اللهِ, وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يعِفُّهَا فَهُوَ في سَبيلِ اللهِ, وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ في سَبيلِ الشَّيْطَانِ»(4).

2 ـ أن لا تكون عنده مقاصد سيِّئة، مثل المفاخرة والمباهاة  وطلب العلوِّ في الأرض والفساد، واستعمال المال في معصية الله ربِّ العالمين والتَّكبُّر على النَّاس، وإلاَّ كان سعيه وخروجه «في سَبيلِ الشَّيْطَانِ» كما قال ﷺ في الحديث السَّابق.

وهذا حال عدد غير قليل من النَّاس, غرَّهم مالهم, وحملهم على الظُّلم والطُّغيان والاعتداء، وجرَّهم إلى العقوق والتَّكبُّر والخيلاء، فكيف يكون عملهم وسعيهم عبادة؟! قال الله تعالى في آخر قصَّة قارون: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين[القصص:83].

مرَّ عليّ بن الحسين رحمه الله ـ وهو راكب ـ على مساكين يأكلون كسرًا لهم, فسلَّم عليهم؛ فدعوه إلى طعامهم، فتلا هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا[القصص:83]، ثمَّ نزل وأكل معهم، ثمَّ قال: قد أجبتكم فأجيبوني؛ فحملهم إلى منزله، فأطعمهم وكساهم وصرفهم(5).

3 ـ أن يكون الكسب من وجه طيِّبٍ حلالٍ, قال تعالى: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ الله يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون[المائدة:100]،  وقال النَّبيُّ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا»(6)، وقال ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ...» الحديث(7).

فيجب على السَّاعي في طلب الرِّزق أن ينضبط بأحكام الإسلام، ويجتنب السُّحت والحرام, مثل الرِّبا والرِّشوة والغشّ والكذب والخمر والقمار والغَرَر... كما ينبغي أن يتقن عملَه ويوفي بعقوده، وإلاَّ كان سعيه عبثًا، وكسبه خبيثًا.

4 ـ أن لا يصدَّه عن طاعة الله وعن الصَّلاة, قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون[الجمعة:9]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون[المنافقون:9]، وذِكْرُ الله هنا الصَّلاة والحجُّ ونحوهما،  قال الحسن البصري: «جميع الفرائض», وقال الضَّحَّاك: «الصَّلوات الخمس»(8).

ومدح الله عز وجل عُمَّارَ بيوته بقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال* رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ[النور:36-37].

عن سالم بن عبد الله رحمه الله أنَّه نظر إلى قوم من السُّوق قاموا وتركوا بياعاتهم إلى الصَّلاة فقال: هؤلاء الَّذين ذكر الله في كتابه: ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله(9)».

وعليه؛ فلا يجوز للعبد أن يترك الصَّلاة ويؤخِّرها عن وقتها بحجَّة أنَّ العمل عبادةٌ، اللَّهمَّ إلاَّ حين يجوز الجمع بين الصَّلاتين تقديمًا أو تأخيرًا, وأيُّ خيرٍ أو بركة في عملٍ تُضَيَّعُ من أجله الصَّلاة؟! بل كيف يكون عبادةً، وقد ألهى عن أعظم ركن بعد الشَّهادتين؟!

وتأمَّل في مدح النَّبيِّ ﷺ راعي غنم بقوله: «يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ في رَأْسِ شَظِيَّةٍ بجَبَلٍ يُؤَذِّنُ بالصَّلاةِ وَيُصَلِّي فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: انْظُرُوا إِلى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلاَةَ يَخَافُ مِنِّي؛ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الجَنَّة»(10)، فلم يلهه غنمُه عن ذكر الله وعن الصَّلاة، فجمع بين الخَيْرَيْن وفاز بالأجرين.

5 ـ احتساب أجر العمل والسَّعيِ والنَّفقة على الله تعالى.

فالسَّعي لطلب الرِّزق من المعروف، والنَّبيُّ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ يقول: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»(11)، والصَّدقة تفتقر إلى نيَّة واحتساب وحسن قصد, قال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا[النساء:114].

فينبغي للعامل أن يحتسب أجر سعيه ونفقته على ربِّه تعالى، قال ﷺ: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ»(12)، وقال لسعد ابن أبي وقَّاص رضي الله عنه: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فِيِّ امْرَأَتِكَ»(13)

قال ابن دقيق العيد رحمه الله: «فيه دليل على أنَّ الثَّواب في الإنفاق مشروطٌ بصحَّة النِّيَّة وابتغاء وجه الله, وهذا دقيقٌ عَسِرٌ إذا عارضه مقتضى الطَّبع والشَّهوة»(14).

وقال الشَّيخ ابن عثيمين رحمه الله: «فيه إشارة أنَّه ينبغي للإنسان أن يستحضر نيَّة التَّقرُّب إلى الله في كلِّ ما ينفق حتَّى يكون له في ذلك أجر»(15).

هذا في النَّفقة, والسَّعيُ في طلب الرِّزق وسيلةٌ إلى ذلك, وللوسائل أحكام المقاصد.

فإذا أراد السَّاعي في طلب الرِّزق الأجرَ والثواب؛ فعليه أن ينوي بذلك إرضاءَ ربِّه والإنفاق في سبيله وإعفاف نفسه والتَّوسعة على أهله وأولاده.

قال ابن الجوزي رحمه الله عن المال: «وأمَّا مَن قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال, نظرنا في مقصوده, فإنْ قصد نفس المفاخرة والمباهاة, فبئسَ المقصود, وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته, وادَّخر لحوادث زمانه وزمانهم, وقصد التَّوسعة على الإخوان, وإغناء الفقراء, وفعل المصالح؛ أثيب على قصده, وكان جمعه بهذه النِّيَّة أفضل من كثير من الطَّاعات»(16).

فإذا تقيَّد طالبُ الرِّزق بهذه الشُّروط؛ كان عمله عبادةً يُؤجر عليها, أمَّا إذا أنساه ذكرَ مولاه، وصدَّه عن العمل لِلُقْيَاهُ, وألْهَاهُ عن الصَّلاة؛ انقلب إلى معصية، وربَّما صار صاحبُه عبدًا له، كما قال النَّبيُّ ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالقَطِيفَةِ وَالخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرض»(17).

لا حـيـــاء في الدِّيــن

المقصود من هذه العبارة رفعُ الحرج ونفي الحياء في السُّؤال عن الأحكام الشَّرعيَّة، وبخاصَّة إذا كان الأمر متعلِّقًا بالطَّهارة والمعاشرة الزَّوجيَّة ونحو ذلك.

ومعنى العبارة صحيحٌ؛ إذ ينبغي أن لا يكون الحياء مانعًا من التَّفقُّه في الدِّين وسؤال أهل الذِّكر العالِمِين, قالت عائشة رضي الله عنها: «نِعْمَ النِّسَاءُ؛ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ في الدِّين»(18).

وقال مجاهد رحمه الله: «لا يتعلَّم العلمَ مستحيٍ ولا مستكبرٌ»(19).

فالحياء الَّذي يمنع صاحبه من طلب العلم والسُّؤال عن أحكام الشَّريعة وقول الحقِّ؛ ليس حياءً شرعيًّا، إنَّما هو ضعف ومهانة وخور.

لكنَّ العبارة فيها إيهام ولَبْس بهذا الإطلاق؛ إذ الحياء من الدِّين, بل هو خلق الإسلام, قال ﷺ: «وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ»(20)، وقال: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِسْلَامِ الحَيَاءُ»(21).

والعبارة الصَّحيحة المناسبة في هذا الباب: «أن يقول: إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ»(22).

هذا هو هديه ﷺ وهدي أصحابه رضي الله عنهم، قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيي مِنْ الحَقِّ ـ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ـ  لا تَأْتُوا النِّسَاءَ في أَدْبَارِهِنَّ»(23).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ في صَلاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُ الَّتِي بَعْدَهَا، وَلاَ تَزَالُ المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ في مَسْجِدِهِ؛ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ: وَمَا ذَلِكَ الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيي مِنَ الحَقِّ، إِنْ فَسَا أَوْ ضَرَطَ»(24).

وقالت أمُّ سليم رضي الله عنها: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ»»(25)، قال ابن حجر رحمه الله: «قدَّمَتْ أمُّ سليم هذا الكلام بسطًا لعُذْرِها في ذكر ما تستحيي النِّساء من ذكره بحضرة الرِّجال»(26)، فكانوا يستعملون عبارة: «إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ»، وخير الهدي هدي محمَّد ﷺ، وأفضل السَّبيل سبيلُ أصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

الـفَـــاتْـحَــة:

إنَّ سورة الفاتحة هي أعظم سورة في القرآن، كما قال الرَّسول ﷺ لأبي سعيد بن المعلَّى رضي الله عنه: «لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هيَ أَعْظَمُ السُّورِ في القُرْآنِ... قَالَ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين هيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»(27)، وهي بمفردها رقية شافية بإذن الله تعالى، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّه رقى لَدِيغًا بسورة الفاتحة فبرأ، فقال له النَّبيُّ ﷺ: «وما يدريك أنَّها رقية...» الحديث(28).

ولهذا ولغيره من الفضائل صار بعض النَّاس يتوسَّعون في استعمالها طلبًا للأجر والبركة والرِّزق، حتَّى وقعوا في الابتداع، وزيَّن لهم الشَّيطانُ الاختراع، من ذلك أنَّهم يسمُّون عقد الزَّواج «فَاتْحَة»، وهذا لاعتقادهم لزوم قراءتها في عقد الزَّواج أو لتفاؤُلهم بالخير والبركة والتَّوفيق في الزَّواج المستفتح بهذه السُّورة.

ولا شكَّ أنَّ هذا من البدع؛ إذ لا دليل عليه من الكتاب أوالسُّنَّة.

وهناك من يعتقد أنَّ العقد الشَّرعيَّ لا يصحُّ إلاَّ بقراءتها، وقد حدَّثني بعض طلبة العلم أنَّه أبرم عقد زواج بالطَّريقة الشَّرعيَّة السُّنِّيَّة، لكن أحد الحاضرين طَلَبَ منه قراءة الفاتحة، وألحَّ عليه في ذلك، فلمَّا رفض الطَّالب وأَبَى، أحضر القوم شخصًا آخر فأعاد العقد بقراءتها، وإلى الله المشتكى.

على كلِّ حال؛ فهذه التَّسمية خاطئةٌ ما أنزل الله بها من سلطان، والله y سمَّاه عُقْدَة النِّكاح: ﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ[البقرة:235]، وسمَّاه ميثاقًا غليظًا: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا[النساء:21]، والمراد به العقد(29)، وهذا هو المتعارف عليه عند أهل العلم.

سُئل الشَّيخ ابن عثيمين رحمه الله عن قراءة الفاتحة مع عقد الزَّواج؟ فأجاب:

«ليس هذا بالمشروع، بل هو بدعة... فالفاتحة وغيرها من السُّور لا تُقرأ في أيِّ حال، وفي أيِّ مكان، وفي أيِّ زمان إلاَّ إذا كان ذلك مشروعًا بكتاب الله أو بسنَّة رسوله ﷺ وإلاَّ فهي بدعة يُنكر على فاعلها»(30).

ثمَّ إنَّ هذه العبارة أخفت التَّسمية الصَّحيحة لهذا الميثاق، بل أبطلتها، إلى درجة أنَّك لا تكاد تسمع من يسمِّيه عقدًا إلاَّ في السَّنوات الأخيرة الَّتي انتشرت فيها العلوم الشَّرعيَّة وظهرت فيها أنوار السُّنَّة المحمَّديَّة، وما عاد على الأصل بالإبطال فهو باطل.

فَـتَّـحْ لِـي

إذا أراد بعض النَّاس طلب الدُّعاء من أخيه قال له: «فَتَّحْ لِي»، ولهذه اللَّفظة علاقة بالعبارة السَّابقة، ويُقال في بعض المناطق عند طلب الدُّعاء: «اقرأ لي فاتحة»، ويقولون كذلك: «الفاتحة على أرواح الموتى»، وكلُّ هذا من البدع(31)، ولعلَّ ذلك راجعٌ لاعتقاد أنَّ الفاتحة تُقرأ مع الدُّعاء، في الابتداء أو في الختام،  ولا أصل لهذا في الشَّرع، فهذه كتب الحديث والأدعية والأذكار لا يوجد فيها شيءٌ من ذلك، والنَّبيُّ ﷺ يقول: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ»(32).

وليس للعبارة معنى من حيث اللُّغة؛ لأنَّ «فتَّح» مبالغة في «فتح».

ماتْ مُوتْ رَبِّي

يُقصد بهذه العبارة: أنَّ هذا الميِّت مات موتةً عاديَّةً لم تكن بسبب ظلم أو اعتداء أو حادث سقوط أو اصطدام أو نحو ذلك.

فكأنَّهم يُقسِّمون الموت إلى نوعين: فالموت الَّذي لم يتسبَّب فيه المخلوق موتٌ من الله، وما كان بسببه فهو منه، بدليل أنَّهم يقولون أحيانًا: «يَاكْ مَاتْ مُوتْ رَبِّي، مَا قَتْلُوهْشْ».

وهذا في الحقيقة اعتقادُ المعتزلة القدريَّة الَّذين يرون أنَّ المقتولَ قُطِعَ عنه أجلُه، فلَوْ لَمْ يُقتل لعاشَ أكثر من ذلك حتَّى يبلغ أجله.

وعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: ما دلَّت عليه نصوص الكتاب والسُّنَّة من أنَّ الإنسان يموت بأجَلِه، مهما تعدَّدت الأسباب وتنوَّعت الأحوال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً[آل عمران:145]، ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ الله نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا[المنافقون:11]، وقال ﷺ: «لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ»(33)، وقال ﷺ:  «ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ»(34)، وقال ﷺ: «نَفَثَ رُوحُ القُدُسِ في رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا»(35)، وأجل الإنسان: هو الوقت الَّذي يعلم الله أنَّه يموت فيه.

قيل للحسن رحمه الله: رجل قتل رجلاً أفبأجلِه قَتَلَهُ؟ قال: «قَتَلَهُ بأجله، وعصى ربَّه»(36).

وقال العلاَّمة ابن أبي العزِّ الحنفيّ رحمه الله: «المقتول ميِّتٌ بأجله، فَعَلِمَ الله تعالى وقدَّر أنَّ هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب الهدم، وهذا بالحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه خَلَقَ الموتَ والحياةَ وخلقَ سبب الموت والحياة»(37).

ومن المحتمل أنَّهم يقصدون أنَّه مات دون سبب من الإنسان، لكن مع ذلك فالعبارة قَلِقَةٌ مُوهِمَة؛ لأنَّ فيها ما ذُكر، وبخاصَّة إذا علمنا انتشار عقيدة القدريَّة بين النَّاس.

صلِّ على النَّبيِّ أو على محمَّد:

تُقال هذه العبارة في حالة الغضب والخصام والجدال، ولا يُقصد بها الذِّكر والتَّقرُّب إلى الله الكبيرِ المتعال، والصَّلاةُ والسَّلام على رسول الله ﷺ عبادةٌ وقربة، جعلها الله تعالى حقًّا من حقوق النَّبيِّ المصطفى ﷺ على كلِّ مسلم, قال تعالى: ﴿إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب:56]، وقال ﷺ: «البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»(38).

وهذه العبادة لها أحكام وصيغٌ وفضائلُ وفوائدُ وثمراتٌ بيَّنها أهل العلم، منهم الإمام ابن القيِّم رحمه الله في كتابه الفذِّ: «جِلاء الأفهام في الصَّلاة والسَّلام على خير الأنام»، ومع ذلك فقد أدخلت عليها ـ كما أدخلت على غيرها من العبادات ـ بدعٌ ومخالفات، من ذلك أنَّ بعض النَّاس يقول لخصمه عند الغضب والجدال: «صلِّ على النَّبي أو على محمَّد» كأنَّه يريد إسكاته ومغالبته.

وهذا في الحقيقة سوء أدب مع الرَّسول ﷺ, وإن لم يقصد؛ لأنَّ إسكات الخصم لا يكون بمثل هذا، ولكن هكذا يفعل الجهل والغضب بصاحبه، وقد يستجري الشَّيطانُ الغضبانَ حتَّى يقول: «لا أصلِّي», «مَانْصَلِّيشْ»، «صَلِّ وَحْدَكْ»، فيصدر منه هذا التَّصرُّف المشين، ويقع  في الضَّلال المبين.

قال الإمام المصلح ابن باديس رحمه الله: «وقد اعتاد بعضهم أن يقول لصاحبه عند الغضب: صلِّ على النَّبي، وهذا وَضْعٌ لها في غير محلِّها, وتعريضٌ للاسم الشَّريف إلى ما لا يَليقُ ممَّا قد يكون عند جنون الغضب من تقصير أو سوء أدب؛ فليحذر من هذا ومثله»(39).

والمشروع أن يقال للغضبان: تعوَّذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، قال الله عز وجل: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالله إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم[فُصِّلَت:36]، وعن سليمان بن صُرَدٍ رضي الله عنه قال: استبَّ رجلان عند النَّبيِّ ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسبُّ صاحبه مُغْضَبًا قد احمرَّ وجهُه، فقال النَّبيُّ ﷺ: «إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ: لَوْ قَالَ أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فقالوا للرَّجل: ألا تسمع ما يقول النَّبيُّ ﷺ، قال: «إنِّي لست بمجنون»(40)، وفي رواية: «فقالوا له: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «تَعَوَّذْ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ»(41).

والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ونبيِّه محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمين، والحمد لله ربِّ العالمين.



(1) أصلُه تمييز الرَّائج من الزَّائف، ثمَّ استُعْمل في الرَّدِّ والإبطال. [«تاج العروس» (23/ 413)].

(2) رواه البخاري (1471).

(3) رواه البخاري (2072).

(4) رواه الطبراني في «الكبير» (19/ 129)، قال الألباني: «صحيح لغيره» [«صحيح الترغيب» (1692)].

(5) «مكارم الأخلاق» للطَّبراني (173)، «تفسير القرطبي» (13/ 320).

(6) رواه مسلم (1015).

(7) أخرجه البخاري (1410)، ومسلم (1014).

(8) «تفسير الطبري» (23/ 410), «تفسير القرطبي» (18/ 129).

(9) «تفسير الطبري» (19/ 192).

(10) رواه أبو داود (1203)، النَّسائي (666)، وهو صحيح، «الصحيحة»  للألباني (41).

(11) رواه البخاري (6021)، ومسلم (1005).

(12) رواه البخاري (55)، ومسلم (1002).

(13) رواه البخاري (56), ومسلم (1628).

(14) «إحكام الأحكام» (4/ 10)

(15) «شرح رياض الصالحين» (1/ 29).

(16) «تلبيس إبليس» (243).

(17) رواه البخاري (2886).

(18) رواه مسلم (332)، وعلَّقه البخاري بصيغة الجزم: كتاب العلم, باب الحياء في العلم.

(19) علَّقه البخاري مجزومًا به: كتاب العلم، باب الحياء في العلم، ووصله أبو نعيم في «الحلية» (3/ 287), قال ابن حجر: «إسناده صحيح» [«الفتح» (1/ 229)].

(20) رواه البخاري (9)، ومسلم (35).

(21) رواه ابن ماجة (4181)، وهو حسن. [«الصحيحة» للألباني (940)].

(22) قاله الشيخ العثيمين في «اللقاء الشهري» (2/ 398).

(23) رواه أحمد (5/ 213)، ابن ماجة (1924)، واللَّفظ له, وهو صحيح، «صحيح الترغيب» (2427).

(24) رواه أحمد (2/ 290)، وإسناده صحيح.

(25) رواه البخاري (282)، ومسلم (313).

(26) «الفتح» (1/ 229).

(27) رواه البخاري (4474).

(28) رواه البخاري (2276)، ومسلم (2201)، والتِّرمذي (2063)، وعنده التَّصريح أنَّ الرَّاقي هو أبو سعيد رضي الله عنه.

(29) «تفسير ابن كثير» (2/ 245).

(30) «برنامج نور على الدَّرب» (2/ 84).

(31) انظر: «أحكام الجنائز» للألباني (ص325)، «تصحيح الدُّعاء»  لبكر أبو زيد (ص275، 440).

(32) صحيح، رواه أحمد (4/ 167)، وأبو داود (1479)، انظر: «صحيح الجامع» للألباني (3407).

(33) رواه مسلم (2663).

(34) رواه البخاري (3208)،  ومسلم (2643)، واللَّفظ له.

(35) رواه الطَّبراني في «الكبير» (7994)، وأبو نعيم في «الحلية» (10/ 27)، وهو صحيح، «صحيح الجامع» للألباني (2085).

(36) «التمهيد» لابن عبد البر (6/ 240).

(37) «شرح الطحاوية» (1/ 127).

(38) رواه أحمد (1/ 210), والتِّرمذي (3546)، وغيرهما، وإسناده صحيح: «الإرواء» (5).

(39) «مجالس التَّذكير من حديث البشير النَّذير» (249).

(40) رواه البخاري (6115) ومسلم (2610).

(41) رواه البخاري (3282).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 14»