أنت هنا:أخبار الكتب والتراث»مسألة في ولاية أمور المسلمين والحكم بينهم أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ)

مسألة في ولاية أمور المسلمين والحكم بينهم أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ)

  • عمار تمالت
تم قراءة المقال 108 مرة

 

هذه مسألة فقهيَّة، ونازلة قضائيَّة، خطَّها يراعُ إمامٍ من أئمَّة المسلمين، وعالمٍ من علمائهم؛ بل هو من كبار العلماء، وجهابذة المفسِّرين الفقهاء، ونُقَّاد المحدِّثين والحُفَّاظ، وبقيَّة المجتهدين، وهو شيخ الإسلام ابن تيميَّة الحرَّاني الدِّمشقي.

وسببُ كتابة هذه الرِّسالة سؤالٌ رُفِع إليه من أحد الوُلاة، يستفسرُ فيه عن أحكام الولاية على القضاء، الَّتي هي من أهمِّ الولايات الدِّينيَّة، وأرفع المناصب الشَّرعيَّة؛ فكتب شيخ الإسلام هذه الرِّسالة الجوابيَّة، وشحنها بالأدلَّة الشَّرعيَّة، والقواعد الفقهيَّة، والنَّصائح الإيمانيَّة، وتلك عادتُه : في كتابة أجوبته، يجمع بين العلم والعمل، وبين العقل والشَّرع، فحبَّذا أن يتأسَّى به في ذلك المُفتون، ويقتدي به العلماء والمصلحون.

وإنَّ أولى النَّاس بقراءة هذه الرِّسالة: من أهَّله الله للعمل في منصب القضاء والحكم بين النَّاس، من القُضاة، والمُحامون، والمُحقِّقون في الجرائم والمخالفات، فإنَّهم وفَّقهم الله من أمسِّ النَّاس حاجةً إلى التَّزوُّد بالأدلَّة الشَّرعيَّة، والقواعد الفقهيَّة، والتَّقوى والأسس الإيمانيَّة، فبها يعرفون الحقَّ من الباطل، والصِّدقَ من الكذب، خاصَّة في هذا العصر الَّذي كثرت فيه الفتن وعجَّت، وانتشرت فيه سبل الشَّيطان ومجَّت، نسأل الله أن يرينا الحقَّ حقًّا ويرزقنا اتِّباعَه، ويريَنا الباطلَ باطلاً ويرزقنا اجتنابَه.

ومؤلِّف هذه الرِّسالة هو: شيخ الإسلام، الإمام، الحافظ، العالم، المفسِّر، الفقيه، المجتهد، تقيُّ الدِّين أبو العبَّاس أحمد ابن عبدالحليم بن عبد السَّلام ابن تيميَّة الحرَّاني الدِّمشقي.

وُلد بحرَّان من قرى الشَّام سنة (661هـ)، وسافر به أبوه وأقاربه إلى دمشق سنة (667هـ) عند جور التَّتار الَّذين غزوا الشَّام.

وتعلَّم في سنٍّ مبَكِّرة، فقرأ القرآن، وسمع الحديث، ثمَّ أقبل على الفقه ودقائقه وقواعده وحججه، وقرأ بقيَّة العلوم ونهل منها واستفاد من دقائقها، كلُّ ذلك مع خوفٍ وتقوى وإخلاص، وزهدٍ وورع ووجل، وتعظيم لحرمات الله.

وكان رحمه الله مجدِّدًا في عصره بشهادة كثير من العلماء، فقد رفع عن النَّاس الجهلَ والضَّلالَ الَّذي أصابهم في عقيدتهم، وبيَّن لهم طريقَ السَّلف الصَّالح من أتباع النَّبيِّ ﷺ وأعادهم إليه، وجاهد أهلَ الأهواء والضَّلال بلسانه وقلمه، وفنَّد شبهاتِهم، وبيَّن أخطاءَهم ومخالفاتهم لمنهج السَّلف الصَّالح، فسلَّم له الكثيرُ منهم، وأذعنوا لكلامه، وتركوا آراءَهم وأهواءَهم، وكتبُه الَّتي سطَّرها في عقيدة السَّلف خيرُ شاهد على هديه القويم، وعلمه الرَّصين.

وكتبَ رحمه الله في سائر العلوم، كالتَّفسير الَّذي كان له فيه القدم الرَّاسخة، والفقه الَّذي أبان فيه عن علمه واجتهاده، والحديث الَّذي ظهر فيه حفظُه وإمامتُه.

فدونك أيُّها القارىء الكريمُ كتب هذا الإمام ومؤلَّفاته، فإنَّها سهلة ميسَّرة، يحفُّها الدَّليل من الكتاب والسُّنة وكلام السَّلف، وترى فيها ما يشفي الصُّدور وينير العقول، فاحرصْ عليها، وأَدِمْ المطالعةَ فيها واستخراج فوائدها.

توفِّي شيخ الإسلام ابن تيميَّة بدمشق سنة (728هـ)، وكانت جنازتُه مشهودةً، اجتمع لها أهلُ دمشق، وكان فيها الأمراء والعلماء والقضاة، حتَّى قيل: إنَّ بعض أعيان أهل الكتاب تبعوا جنازته، رحمه الله وأسكنه فسيح جنَّاته مع النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين وحسن أولئك رفيقًا.

***

وهذه الرِّسالة ـ الَّتي لم يُسبَق لها أن طُبعت ـ وجدتُ لها نسخةً مصوَّرةً من مجموع بالمكتبة السُّليمانيَّة بتركيا، تبدأ فيه الرِّسالة من الصَّفحة (145ب) وتنتهي إلى الصَّفحة (148أ). كُتبت بخطٍّ نسخي بيد ناسخها وناسخ المجموع: محمد بن موسى بن إبراهيم ابن عبدالرَّحمن بن علي بن حاتم بن محمَّد بن عمر ابن يوسف بن أحمد بن محمَّد بن الحبَّال الأنصاري الحرَّاني الحنبلي، وكان نسخُه إيَّاها في أواخر القرن الثَّامن الهجري.

 

 

وهذا نصُّ الرِّسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

سأل بعضُ الولاة من ولاة الأمور شيخَ الإسلام أبا العبَّاس أحمدَ بنَ تيميَّة الحرَّاني رضي الله عنه أن يبيِّنَ له سبيلَ حكم الولاية على قواعدِ الشَّرع المطهَّر، بسبب تُهْمةٍ وقعت في سرقة، لِيكتبَ له شيئًا في ذلك، فكتب مختصرًا:

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا.

ولايةُ أمور المسلمين من أعظمِ واجبات الدِّين، وأفضلِ أعمال الصَّالحين، وأعلى القُرُبات إلى ربِّ العالمين، إذا اجتهدَ وليُّ أمرهم في اتِّباع الكتاب والسُّنَّة، وتحرَّى العدلَ والإنصافَ، وتجنَّبَ طُرُقَ الجهلِ والظُّلمِ، ولا يكلِّفُ الله نفسًا إلاَّ وُسْعَها.

قال النَّبيُّ ﷺ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم الله في ظِلِّهِ يَومَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ الله y، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالـمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّـا في الله اِجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْه ِامْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ»، أخرجاه في «الصَّحيحين»(1).

فانظر كيف قدَّم النَّبيُّ ﷺ الإمامَ العادلَ.

وفي الحديث: «يَوْمٌ مِنْ إِمَامٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ ـ أو: سَبْعِينَ ـ سَنَةً»(2).

وفي الحديث الصَّحيح عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «المُقْسِطُونَ عِنْدَ الله عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا»، رواه مسلم(3) من حديث عبدالله بن عمرو.

وولايةُ الشُّرْطَة والحرب: من الولايات الدِّينيَّة والمناصب الشَّرعيَّة، المبنيَّة على الكتاب والسُّنَّة والعدل والإنصاف، ولها قوانين صنَّف العلماءُ فيها مصنَّفات، كما صنَّفوا في ولاية القضاء، فإنَّ واليَ الحرب يقيم الحدودَ الشَّرعيَّة على الزَّاني والسَّارق والشَّارب ونحوِهم، ويقيمُ التَّعزيراتِ الشَّرعيّةَ على مَن تعَدَّى حدودَ الله، ويحكمُ بين النَّاس في المُخاصمات والمضاربات، ويُعاقبُ في التُّهَم المتعلِّقة بالنُّفوس والأموال، ويَنصِبُ العُرَفاءَ الَّذين يَرفَعون إليه أمرَ الأسواق، والحُرَّاسَ الَّذين يُعرِّفونَه أمورَ المساكن وغيرِ ذلك من مصالح المسلمين، وكلُّ هذه الأمور من الأمور الشَّرعيَّة الَّتي جاء بها الكتابُ والسُّنَّةُ.

قال النَّبيُّ ﷺ: «حَدٌّ يُقَامُ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا»(4).

وقال النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله فَقَدْ ضَادَّ اللهَ فِي أَمْرِهِ، وَمَنْ قَالَ فِي مُسْلِمٍ مَا لَيْسَ فِيهِ حُبِسَ فِي رَدْغَةِ الخَبَالِ(5)حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ الله حَتَّى يَنزِعَ» رواه أبو داود(6).

فكان النَّبيُّ ﷺ وخلفاؤه الرَّاشدون يقيمون العقوباتِ الشَّرعيَّةَ، ويُعرِّفون العُرَفاء(7)، ويُنقِّبون النُّقَباء(8)، ويحكمون بين النَّاس في الحدود والحقوق.

فقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا؛ فإذا ادَّعى الرَّجلُ على آخر أنَّه باعَه أو أَقْرَضَه أو نحو ذلك من العقود، لم يكن في ذلك عقوبةٌ، بل إن أقامَ المُدَّعِي بيِّنةً، وإلاَّ حُلِّفَ المُدَّعَى عليه، وإذا حلفَ برىءَ في الظَّاهر، وكان المُدَّعِي هو المُفَرِّطَ حيث لم يشهدْ عليه.

وقد جرت العادةُ بأنَّ ما كان فيه شهاداتٌ وتعديلٌ وإثباتٌ وإيمانٌ فمرجِعُه إلى القُضاة.

وأمَّا التُّهَم، فهو ما إذا قُتِل قتيلٌ لا يُعرَفُ قاتلُه، أو سُرِق مالٌ لا يُعرَفُ سارقُه، فالحكمُ في هذا على وجهٍ آخر، فإنَّه لو حُلِّفَ المُتَّهَمُ وسُيِّبَ ضاعت الدِّماءُ والأموالُ، وكذلك لو كُلِّفَ المُدَّعِي بالبيِّنة، فإنَّ القاتلَ والسارقَ لا يفعلُ ذلك غالبًا قُدَّامَ أحدٍ.

ولو كان كلُّ من اتَّهمَه صاحبُ الدَّم والمال يُضرَبُ، لكان يُضرَبُ الصَّالحون وأهلُ البِرِّ والتَّقوى والعلماءُ والمشايخُ والقضاةُ والأمراءُ وكلُّ أحد بمجرَّد دعوى المُتَّهِم، وهذا ظلمٌ وعُدوانٌ، فإنَّ الظُّلمَ لا يُزالُ بالظُّلم، بل الاعتدالُ في ذلك أن يُحبَسَ المُتَّهَمُ الَّذي لم تُعلمْ براءتُه.

فقد روى بَهْزُ بنُ حَكيم عن أبيه عن جدِّه:  أنَّ رسول اللهحَبَسَ في تُهمةٍ»(9).

وهذا حديثٌ ثابتٌ، فقد عمل به الأئمَّةُ وأتباعُهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشَّافعي والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم.

ثمَّ يُنظَرُ في المُتَّهَم: فإن عُرِف قبل ذلك بسرقةٍ، أو قامت أماراتٌ تقتضي أن يكون قد سرق، فقد رخَّصَ كثيرٌ من العلماء في ضربه حتَّى يَعترفَ بالسَّرقة.

وقد روى البخاريُّ في «صحيحه»(10): «أَنَّ النَّبيَّسَلَّمَ إِلَى الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ رَجُلاً لِيُعَاقِبَهُ عَلَى مَالٍ اتُّهِمَ بِكِتْمَانِهِ حَتَّى اِعْتَرَفَ بِمَكَانِهِ».

وإن شهد النَّاسُ لذلك المُتَّهَمِ بأنَّه من أهل الثِّقة والأمانة، لم يجُزْ أن تُباحَ عقوبتُه بلا سبب يُبيحُ ذلك.

فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اِدْرَؤوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ، فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخطِىءَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِىءَ فِي الْعُقُوبَةِ» رواه أبو داود(11).

وأكثر ما يُفعَلُ بمن يكونُ هكذا أن يُضمنَ عليه ويُحَلَّف الأيمانَ الشَّرعيةَ على نفي ما ادُّعِيَ عليه.

وقد روى أبو داود في «سننه»(12): أنَّ قَوْمًا جَاؤُوا إلى النُّعمان بنِ بشير فقالوا: إنَّ هذا سرق لنا مالاً فاضربْه حتَّى يعترفَ به، فقال: «إن شئتُم ضربتُه، فإن ظهر مالُكم عنده، وإلاَّ أخذتُ من ظهوركم مثل ما أخذتُ من ظهره» فقالوا: هذا قضاؤك؟ فقال: «هذا قضاءُ الله ورسوله».

وإذا عُرِف أنَّ الرَّجل عنده مالٌ يجب عليه أداؤُه، إمَّا دَيْنٌ يَقدِرُ على وفائه وقد امتنع من الوفاء، وإمَّا وديعةٌ أو عارِيَّةٌ، وإمَّا مالٌ سرقَه أو غصبه أو خانه من مال السُّلطان الَّذي يجب عليه دفعُه، أو من مال الوقف أو اليتيم، أو من مال مُوَكِّله أو شريكه أو نحو ذلك، فإذا عُرِف أنَّه قادرٌ على أداء المال وهو مُمْتَنِعٌ فإنَّه يُضرَبُ مرَّةً بعد مرَّة حتَّى يؤدِّيَه.

قال النَّبيُّ ﷺ: «لَيُّ الوَاجِد يُحِلُّ عِرْضَه وَعُقُوبَتَهُ»(13).

اللَّيُّ: المَطْلُ، والواجدُ: القادر.

وقال النَّبيُّ ﷺ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ»(14).

وهذا أصلٌ متَّفَقٌ عليه بين العلماء: أنَّ من ترك الواجبات فإنَّه يُعاقَبُ حتَّى يفعلَها، ومن ارتكب الحُرُمات عوقب على ركوبِها، وأداءُ الحقوق إلى أصحابها من الواجبات.

لكن هذا إذا عرفَ أنَّ الحقَّ عنده، فأمَّا مع التُّهمَة فيُفَرَّقُ بين الأبرار والفجَّار، وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا، وإن لم يفعلْ الوالي ذلك وإلاَّ تناقضت أحكامُه، فقد يكون المُتَّهَمُ مُتَجَوِّهًا(15)، أو يَشفعُ إليه فيه ذو قَدْرٍ، فيحتاج أن يُعاقبَ له أهل الأمانة والصِّدق والصَّلاح، وكلُّ هذا عُدوانٌ، وإنَّما العدلُ أن يَحكُمَ بين النَّاس حُكمًا واحدًا، يُسَوَّى فيه بين القويِّ والضَّعيف، والشَّريف والوضيع، بحسب قدرته وطاقته.

قال أبو بكر الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ لـمَّا تولَّى: «أيُّها النَّاس! القويُّ فيكم الضَّعيفُ عندي حتَّى آخذَ منه الحقَّ، والضَّعيفُ فيكم القويُّ عندي حتَّى آخذَ له الحقَّ، فأطيعوني ما أطعتُ الله، فإذا عصيتُ الله فلا طاعةَ لي عليكم»(16).

وقال النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مَحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» أخرجاه في «الصَّحيحين»(17).

فلهذا يجبُ على الوالي إذا ثبت أنَّ الرَّجل قد سرق ما مقدارُه ربعُ دينار، وهو نحو خمسة دراهم بهذه الدَّراهم، فإنَّه يجبُ قطعُ يده.

ولا يحلُّ تأخيرُه لغير عذر.

ولا يحلُّ لأحدٍ أن يشفعَ إليه في ذلك.

ولا يحلُّ له قَبولُ الشَّفاعة.

بل قد جاء في الحديث: «إِذَا بَلَغَتِ الحُدُودُ السُّلطَانَ فَلَعَنَ الله الشَّافِعَ والمُشَفَّعَ»(18).

وسوف إن شاء الله تعالى أكتبُ للأمير ـ أحسن الله إليه ـ شيئًا جامعًا، فإنَّ والي الحرب قد كان في هذه البلدة ـ يعني دمشق ـ الافتخارَ(19)، وكان عند النَّاس من أولياء الله تعالى، وقد كان عندهم قاضٍ يُقال له الرَّفيع(20)، وكان من أعداء الله تعالى، لِيُعلَمَ أنَّ الاعتبار في الحمد والذَّمِّ والثَّواب والعقاب في جميع الولايات بطاعة الله ورسوله، واتِّباع الكتاب والسُّنَّة، وتحرِّي العدل والإنصاف، والله أعلم.

نقلتُها من خطِّ الإمام شمس الدِّين محمَّد ابن المُحِبِّ(21)، وقال: نقلتُها من خطِّ الحسين ابن إبراهيم بن أحمد بن سُوَيْح بن عمر بن إبراهيم ابن الدِّمشقي نسبًا البَكْري خِرْقةً.

والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.

كتبه
محمَّد بن الحبَّال الأنصاري الحرَّاني،
عفا الله عنهم ولطف بهم وبالمسلمين، آمين.

 



(1) البخاري (660، ومواضع أخرى)، ومسلم (1031).

(2) حديث ضعيف، ومعناه مشهور, أخرجه الطَّبراني في «المعجم الكبير» (11/ 337/ رقم: 11932) والبيهقي (8/ 162) وغيرهما، من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما, وقد خرَّج طرقَه الإمام السَّخاوي في «تخريج أحاديث العادلين» (117 ـ 123).

(3) «صحيح مسلم» (1827).

(4) حديث حسن, أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (8738) والنَّسائي (4908) وابن ماجه (2538) وغيرهم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وقد خرَّج طرقَه وحسَّنه الشَّيخ الألباني في «الصَّحيحة» (231).

(5) هي عُصارة أهل النَّار كما جاء تفسيرها في حديث آخر.

(6) «سنن أبي داود» (3597), وهو صحيح مخرَّج في «الصَّحيحة» (438).

(7) جمع عريف، وهو القيِّم بأمور القبيلة أو الجماعة من النَّاس، يلي أمورَهم، ويتعرَّف الأميرُ منه أحوالَهم. «النِّهاية» لابن الأثير (3/ 218).

(8) جمع نقيب: وهو كالعريف على القوم، المقدَّم عليهم، الَّذي يتعرَّف أخبارَهم، ويُنقِّب عن أحوالهم. «لسان العرب» (ن ق ب).

(9) حديث حسن أخرجه أبو داود (3630) والترمذي (1417) والنَّسائي (4880).

(10) صحيح البخاري (2730)، وقد علَّقه الإمام البخاري هنا، ووصله أبو داود (3006), انظر: «البداية والنِّهاية» (6/ 301), و«فتح الباري» (5/ 387).

(11) بل أخرجه التِّرمذي (1424) من حديث عائشة ل. وهو ضعيف, انظر: «إرواء الغليل» (8/ 25).

(12) سنن أبي داود (4382)، وهو حسن الإسناد, قال أبو داود عقبه: «إنَّما أرهبهم بهذا القول، أي لا يجب الضَّرب إلاَّ بعد الاعتراف».

(13) أخرجه أبو داود (3628), والنَّسائي (4693), وأحمد (17946)، من حديث الشَّريد بن سويد الثَّقفي رضي الله عنه . وحسَّنه في «الإرواء» (5/ 259).

(14) أخرجه البخاري (2287), ومسلم (1564)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

(15) أي: ذا جاهٍ.

(16) أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (8)، وابن سعد في «الطَّبقات» (3/ 182)، انظر «البداية والنِّهاية» (5/ 269).

(17) البخاري (3475), ومسلم (1688)، من حديث عائشة ل.

(18) هو من قول الزُّبير كما في «الموطَّأ» (2/ 835)، وانظر: «فتح الباري» (12/ 90).

(19) افتخار الدِّين، واسمه: أياز، كان والي دمشق، وأضيف إليه النَّظر في المساجد سنة 660هـ. انظر: «الوافي بالوفيات» (9/ 258).

(20) هو رفيع الدِّين عبدالعزيز بن عبدالواحد الجيلي, انظر: «البداية والنِّهاية» (17/ 250).

(21) هو الحافظ شمس الدِّين أبو عبدالله محمَّد بن عبدالله ابن أحمد بن المحبِّ الصَّامت (ت 789 هـ)، كان مكثراً من كتابة مؤلَّفات ابن تيميَّة، وهو صاحب كتاب «صفات ربِّ العالمين» الَّذي أعمل على تحقيقه، يسَّر الله خروجه.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 22»