أنت هنا:الحديث وعلومه»طيور أنس

طيور أنس

  • خالد حمودة
تم قراءة المقال 2971 مرة

 

هذه التَّسمية اللَّطيفة والفائدةُ الحسَنَة وجدتُّها في ترجمة أبي عبد الله ابن رُشَيْد الفهري صاحب «السَّنَنِ الأَبيَنْ» من كتاب «أزهار الرِّياض» للمقَّري (2 /354)، فيما حكاه من كلامِه، وانتقاه من لَآلِيه، قال ابن رُشَيد رحمه الله:

«مَن عَمَد إلى أحاديث خراشٍ ودينارٍ وأبي هدبة وشبهِهِم الَّذين يسمِّيهم أهلُ الرِّواية والنَّقلِ: «طيور أنسٍ»، فمثلُ هؤلاء لا يعرَّج عليهم ولا يُفرح بعلوِّهم، وروايتهم شِبْهُ الرِّيح، وإنَّما يُكتب حديثُهم للتَّعريف به، وقد جمع الحافظ أبو الطَّاهر الأصبهاني جماعةً منهم في بيتين فأحسن ـ أحسن الله إليه ـ.

أنشدني المكتسب الخيِّر المقيِّد أبو عبد الله محمَّد بن أبي العبَّاس أحمد ابن حيَّان الشَّاطبي، صاحبُنا بتونس، قال: أنشدنا الشَّيخ الخطيب أبو محمَّد بن بركات رحمه الله قال: قرأتُ على الحافظ أبي عمر بن عات قال: سمعتُ فيما قرئ على السِّلفي رحمه الله من نَظْمِهِ:

حديثُ ابنِ نسطورٍ وقَيْسٍ ويَغْنَمِ

وَبعْدُ أشجُّ الغَرْبِ ثمَّ خِرَاشِ

ونُسخةُ دينارٍ ونسخَةُ تِرْبِهِ

أَبي هُدْبَةَ القَيْسِيُّ: شِبْهُ فَرَاشِ

قال لي أبو عبد الله: «كان أبو طاهرٍ إذا فرغ من إنشاده لهما ينفخ في يديه»، فمثل هؤلاء لا يُلتفت إليه ولو بلغ أقصى الممكن في القرب» (1). انتهى.

وهذه الفائدة متعلِّقة بنوعٍ من أنواعٍ علوم الحديث، وهو «معرفة عالي الإسناد»، هكذا هي ترجمَتُه في كتاب «علوم الحديث» للحاكم أبي عبد الله (ص/5)، وهو أوَّل نوعٍ منها عنده، بدأ به رحمه الله لشَرَفِه، وترجمةُ البابِ في كتاب الشَّيخ أبي عمرو ابن الصَّلاح رحمه الله (ص/255): «معرفة الإسناد العالي والنَّازل»، وهو النَّوع التَّاسع والعشرون عنده.

وفائدة هذا النَّوع ـ كما قال ابن الصَّلاح (ص/256) ـ أنَّه «يُبعِد الإسناد من الخلل، لأنَّ كلَّ رجلٍ من رجاله يَحتمِل أن يقع الخلل من جهته سهوًا أو عمدًا، ففي قلَّتهم قلَّةُ جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرةُ جهات الخلَل».

ولمَّا كان هذا هو الغرض من العلوِّ، تعيَّن أن يكون العلوُّ بإسنادٍ نظيفٍ، وإلَّا لم يكن فيه فائدة، ومن محاسن علماء المغرب الإسلاميِّ (شمال إفريقيَّة والأندلس) أنَّهم عُرفوا بالعناية بالأسانيد النَّظيفة ولو طالت، والانصرافِ عن الأسانيد العالية بالكَذَبَةِ وأصحاب المناكير، ويسمَّى هذا «علوَّ الصِّفة»، وسمَّاه الحافظ ابن حجر رحمه الله: «العلوّ المعنويّ»، ذكر ذلك عنه الحافظُ السَّخاوي رحمه الله في «فتح المغيث» (3 /352)، وحكى عنه أنَّه قال: «وعلوُّ الصِّفة عند أئمَّة الحديث بالأندلس أرجحُ من علوِّ المسافة، خلافًا للمشارقة»، قال السَّخاوي: «يعني المتأخِّرين».

وقد غلط بعض النَّاس في هذا، فتوهَّموا أنَّ العلوَّ هو مجرَّد نقص عدد الرِّجال في الإسناد، فيعدُّون الأسانيد، فما وجدوه أقلَّ عددًا ظنُّوه أعلى، وقد نسب الحاكمُ هذا التَّوهُّم إلى عوامِ النَّاس، ولذلك قال الحافظ الذَّهبيُّ: «متى رأيتَ المحدِّث يفرحُ بعوالي أبي هُدبة، ويعلى بن الأشدق، وموسى الطَّويل، وأبي الدُّنيا، وهذا الضَّرب، فاعلم أنَّه عاميٌّ بعدُ»(2)، وفي ذلك قال الحافظُ السِّلفي ما أنشده الشَّيخ أبو عمرو في كتابه (ص/263):

بلْ علوُّ الحَدِيثِ بَيْنَ أُولِي الحِفْـ

ـظِ وَالإتْقَانِ صِحَّةُ الإِسْنَادِ

وقد مثَّل الحاكم بأنواعٍ من الأسانيدِ الَّتي خرجت عن هذا الشَّرط، منها ما رواه عن جماعةٍ من شيوخه عن أبي الدُّنيا واسمُه عثمان بن الخطَّاب بن عبد الله المغربي عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه! فكم عُمِّر أبو الدُّنيا هذا حتَّى يدركه شيوخ الحاكم في المئة الثَّالثة وهو قد خدم عليًّا رضي الله عنه ورفَسته بغلتُه كما زعموا؟!

فهذا لا شكَّ أنَّه كاذبٌ في دعواه، وقد ادَّعى مثلَ ذلك من العلوِّ الزَّائف جماعةٌ، بعضهم ادَّعى صحبةَ النَّبيِّ ﷺ بعد مئاتٍ من السِّنين، وبعضهم ادَّعى صحبةِ أنسٍ والسَّماع منه، وأكثر من ادَّعى علوًّا زائفًا فإنَّما ادَّعوه في أنسٍ رضي الله عنه لتأخُّر وفاته، وكثرةِ من حمل عنه العلم وروى عنه الحديث، وأشهرهم هؤلاء الَّذين طَوَوْا السِّنين الممتدَّة، وطاروا مرتفعين، النَّفرُ الَّذين نظمهُم الحافظ السِّلفي رحمه الله في البيتَين المذكورَين(3).

وقد أورد جمعٌ من المصنِّفين في علوم الحديث هذين البَيْتين في الوضَّاعين بإطلاق، يظنُّون أنَّ السِّلَفِيَّ نظمَ مطلق الكذَّابين، وليس هذا بصحيحٍ كما يفيدُه كلامُ ابن رشيد المتقدِّم، ويتحقَّق ذلك بالنَّظر في تراجمهم على ما سيأتي، إذ في الوضَّاعين من هو أشهرُ من هؤلاءِ وأكثر وضعًا للحديث.

والسَّبعة الطُّيورُ هم:

1ـ نسطور، أو جعفر بن نسطور الرُّومي، قال الذَّهبي في «الميزان» (1 /419) و«المغني» (رقم: 1169): «لم أرَ له ذكرا في كتب الضُّعفاء، هو أسقطُ من أن يُشتَغَل بكذبه»، وقال في موضعٍ آخرَ من «الميزان» (4/249): «هالكٌ، أو لا وجودَ له أبدًا»، واستظهَر في موضع ثالثٍ (4 /183) أنَّه لا وجود له.

وقال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (1 /281): «أحد الكذَّابين الَّذين ادَّعوا الصُّحبة بعد النَّبيِّ ﷺ بمئين من السِّنين، قرأتُه بخطِّ مغلطاي مستدركًا على ابن الأثير، وكذا استدركه ابن الدَّباغ على ابن عبد البرِّ، وكذا استدركه الذَّهبي في «التَّجريد» ، لكن قال: «الإسناد إليه ظلمات، والمتون باطلة، وهو دجَّالٌ، أو لا وجود له».

2ـ يُسْر بن عبد الله، قال في «الإصابة» (6 /369): «أحد الكذَّابين الَّذين ادَّعوا الصُّحبة».

3ـ يَغْنَم بن سالم بن قَنْبَر، قال ابن حبَّان في «المجروحين» (2 /498): «شيخٌ يضع على أنس بن مالكٍ الحديثَ، روى عنه نسخةً موضوعة، لا يحلُّ الاحتجاج به ولا الرِّواية عنه إلَّا على سبيل الاعتبار».

4ـ وهو عثمان بن الخطَّاب المغربي، أبو الدُّنيا الأشجُّ، وهو المقصود بـ«أشجِّ الغرب» في البيتين، نسبه إلى الغرب لأنَّه يزعم أنَّه مغربيٌّ من «طنجة»(4)، قال الذَّهبيُّ في «الميزان» (3 /33): «طيرٌ طرأ على أهل بغداد، وحدَّث بقلَّة حياءٍ بعد الثَّلاث مئةٍ عن عليِّ بن أبي طالب، فافتُضح بذلك، وكذَّبه النُّقاد»، وقد أتي الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» (5 /381-387) على كثيرٍ من أخباره وكلام النَّاس فيه

5ـ خِراش بن عبد الله، قال ابن حبَّان في «المجروحين» (1 /351): «شيخٌ كان يزعم أنَّه خدم أنس بن مالكٍ، روى عنه أهل العراق، أتى عن أنس عن النَّبيِّ ﷺ بنسخةٍ منها أشياء مستقيمةٌ، وفيها أشياء موضوعةٌ، لا يحلُّ الاحتجاج به، ولا كتابة حديثه إلَّا على جهة الاعتبار».

والذَّهبيُّ يذهب إلى أنَّه غير موجود، لأنَّه لم يذكره غير أبي سعيد العدوي الكذَّاب(5).

6ـ دينار بن عبد الله الحبشي، أبو مكيس، قال الحاكم في «المدخل» (1 /164): «روى عن أنس بن مالكٍ قريبًا من مئة حديثٍ أكثرُها موضوعة»، وذكر نحوا من ذلك ابن حبَّان في «المجروحين» (1 /362).

7ـ أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، قال أبو حاتم الرَّازي: «كذَّاب»(6)، وقال ابن حبَّان في «المجروحين» (1 /113): «شيخ يروي عن أنس بن مالكٍ، دجَّالٌ من الدَّجاجلة، وكان رقَّاصًا بالبصرة يُدعى إلى الأعراس فيرقص فيها، فلمَّا كَبِر جعل يروي عن أنسٍ، ويضع عليه»، ثمَّ أسند عن محمَّد بن بلال الكندي أنَّه قال: «أبو هدبة هذا عدوُّ الله، كان يحفل الغنم عندنا، ثمَّ قعد يحدِّث عن أنس».

وقد قيل إنَّه قدم أصبهان فحدَّث على المنبر عن أنسٍ، فرُفع ذلك إلى جرير بن عبد الحميد فصدَّقه، قال الذَّهبيُّ: «تصديقه لا ينفعه، فإنَّه مكشوف الحال»(7).

هذا آخرُ من ذُكر في البَيْتيتن من الطُّيور، وقد وصلهما بعضهم ببيتٍ آخر زاد فيه اثنين ممَّن شارك المذكورَيْنِ في الطَّيَران، قال الحافظ شمس الدِّين في «الميزان» (2 /42): «أنشدني الوادياشى تَيْنَكَ البَيتَينِ للسِّلفي فعزَّزهما بقوله:

رَتَنٌ ثامنٌ، والمَاردينيُّ تَاسِعُ

رَبِيعُ بنُ مَحْمُودٍ وَذَلِكَ فاشِي»

فرتنٌ هذا هو رتن الهنديُّ، قال الذَّهبيُّ في «الميزان» (2 /45): «رتنٌ وما أراك ما رتن! شيخٌ دجَّالٌ بلا ريب، ظهر بعد السِّتمائة فادَّعى الصُّحبة، والصَّحابة لا يكذبون، وهذا جريءٌ على الله ورسوله، وقد ألَّفتُ في أمره جزءً».

قلت: الجزءُ الَّذي ذكره اسمُه «كَسْرُ وَثَن رَتَن»، وقد ذكره ولخَّصه الحافظ في «الإصابة» (2 /225-227)، وفي «لسان الميزان» (3 /457-460)، وفي آخر الجزءِ أنَّ الذهبيَّ شبَّه من يصدِّق بوجود رتن، بمن يصدِّق بوجود المهديِّ صاحبِ السِّرداب».

وقد حكى الحافظ في «الإصابة» عن بعضهم أنَّه أنكر نفيَ الذَّهبيِّ لوجوده وردَّ عليه، فراجعه كلامه هناك.

وأمَّا ربيع بن محمود فهو الماردينيُّ، ذكره الذَّهبيُّ في «الميزان» (2 /42) فقال: «دجَّال مفترٍ، ادَّعى الصُّحبة والتَّعمير في سنة تسعٍ وتسعين وخمسمائة».

وقد مال الحافظ ابن حجرٍ إلى دفع هذا عنه، فقد ذكر في «لسان الميزان» (3 /452) عن أبي بكر ابن العربي حفيد القاضي أبي بكر ابن العربي قولَه: «أخبرني الفاضل الزَّاهد ربيع بن محمودٍ المارديني...»، ذكر قصَّةً، قال الحافظ: «وفي سياقه ما يُشعِرُ بأنَّ ربيعًا لم يكن يدَّعي التَّعمير، وأمَّا الصُّحبة فلعلَّ من نَقَلَها عنه أخذها من لا زم دعواه  أنَّه سمع من النَّبيِّ ﷺ في اليَقَظَةِ».

آخره، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 


(1) أنشد هذين البيتَيْن أيضًا الحافظ ابن حجر رحمه الله في «لسان الميزان» (3 /451) فوقع فيه: «وإفك أشجِّ...» بدل «وبعد أشجِّ»، وهي أوضحُ، وفي «فتح المغيث» للسخاويِّ (3 /354): «وقولُ».

(2) نقله عنه العراقيُّ في «شرح الألفيَّة» (2 /61)، ونسبه إلى «ميزان الاعتدال» وقد بحثتُ عنه فيه فلم أجده.

(3) وقد فسَّر البيتَين على نحو ما تقدَّم سبطُ ابن العجمي في «الكشف الحثيث عمَّن رُمي بوضع الحديث» (115-116).

(4) «لسان الميزان» (5 /381).

(5) «ميزان الاعتدال» (1 /651).

(6) «الجرح والتَّعديل» (2/ترجمة: 471):

(7) «ميزان الاعتدال» (1 /71).