أنت هنا:الحديث وعلومه»تأملات في حديث «لا تسبُّوا الأموات»

تأملات في حديث «لا تسبُّوا الأموات»

  • عبدالمجيد تالي
تم قراءة المقال 1627 مرة

 

كثيرًا ما يقرع سمع أحدنا وهو في مجلس عامَّة أو وهو يسير في موكب جنازة، أو حينما يؤذِّن النَّاس بموت أحد من المسلمين، لا سيما إن كان موته بطريقة بشعة، أو بعدما آل إلى حالة مزرية، ويتفاقم الأمر ويستفحل إن كان ذا سيرة غير مرضيَّة أو مقترفًا لبعض الجرائم والآثام، من السبِّ والشَّتْمِ، والطَّعن واللَّمز، والوقيعة فيمن قد أفضى إلى ما قدم، كما أخبر بذلك الصَّادق المصدوق ﷺ في حديث عائشة رضي الله عنها(1).

فأردنا أن نتحف قرَّاء مجلَّتنا ـ أدام الله بقاءها ـ ببعض الأحكام المتعلِّقة بهذا الأمر الخطير الَّذي قد لا تحمد عاقبة من ولجه وخاض فيه، إن لم يرقب فيه المسلم تعاليم الشَّرع الحنيف، ومقاصده السَّامية، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا؛ يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» مُتَّفَقٌ عليه(2)، وذلك دائمًا في إطار تصحيح بعض المفاهيم، أو تقويم بعض السُّلوكات غير المتَّزنة بضوابط الشَّرع.

وقبل الشُّروع فيما أردناه في هذه السُّطور لا بدَّ وأن نُذكِّر بأصل وضابط شرعيٍّ نافع في هذا الباب ألا وهو: أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل حُرْمَةَ المسلم من أعظم الحُرُمَات، وأوجب صَوْنَها على المسلمين والمسلمات، وهذا ما فهمه السَّلف قبل الخلف، فقد روى ابن حبان برقم (5763) والتِّرمذي برقم (2032) أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نظر يومًا إلى الكعبة فقال: «ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة منك»(3)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»(4)، وهذه الحرمة مستصحبة حال الحياة والممات، فهي لازمة للمسلم في كلِّ حال وعلى كلِّ حال إلاَّ ما استثناه الشَّرع كما سيأتي التَّنبيه عليه.

روى البخاري من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسَرِف(5)، فقال ابْنُ عَبَّاسٍ: «هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلا تُزَعْزِعُوهَا وَلا تُزَلْزِلُوهَا وارْفُقُوا» الحديث(6)، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ويستفاد منه أنَّ حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته، وفيه حديث: «كَسْرُ عَظْمِ الْمُؤْمِنِ مَيتًا كَكَسْرِهِ حَيًّا»، أخرجه أبو داود وابن ماجه وصحَّحه ابن حبَّان(7)»اهـ(8)، وقوله: «كَكَسْرِهِ حَيًّا» أي: في الإثم، كما جاء مصرَّحًا به عند الدَّارقطني في «سننه» برقم (3413) من حديث عائشة نفسها.

وعند ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» برقم (12105) (ط/الرُّشد) عن ابن مسعود قال: «أَذَى الْمُؤْمِنِ فِي مَوْتِهِ كَأَذَاهُ فِي حَيَاتِهِ».

يؤكِّد ذلك ما أخرجه الحاكم (1 /354 و362) والبيهقي (3 /395) والأصبهاني في «التَّرغيب» (1/235) من حديث أبي رافع رضي الله عنه: «مَنْ غَسَّلَ مُسْلِمًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غَفَرَ لَهُ اللهُ أَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَمَنْ حَفَرَ لَهُ فَأَجَنه(9) أجري عَلَيْهِ كَأَجْرِ مَسْكَنٍ أَسْكَنَهُ إِيَّاهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ كَفَنَهُ كَسَاهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقِ الجَنَّةِ»(10).

فأمر غاسله بالسَّتر عليه، وعدم التَّحدُّث بما قد يرى من مكروه عليه(11)، وما ذاك إلاَّ مبالغة في صونه، وحفظ حرمته.

وبناءً على هذا الأصل جاءت نصوص الشَّرع بتحريم سبِّ المسلم على الإطلاق ولم تفرِّق في النَّهي بين الأحياء والأموات، فعن أبي جُرَيٍّ جابر بن سُلَيم... قال: قلت ـ أي للنَّبيِّ ﷺـ اعهَد إليَّ، قال: «لاَ تَسُبَّنَّ أَحَدًا»، قال: فما سَبَبتُ بعدَه حرًّا ولا عبدًا ولا بعيرًا ولا شاةً(12)، كما شدَّدَت في الوعيد لمن اقترف ذلك، فعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» متَّفق عليه(13).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ففي الحديث تعظيم حقِّ المسلم والحكم على من سبَّه بغير حقٍّ بالفسق»اهـ(14).

وعَنْ ِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «...وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ؛ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ(15) فِي النَّارِ»(16).

بل جاءت بالتَّنصيص على النَّهي عن سبِّ الأموات على وجه الخصوص لعدم الجدوى أو الفائدة منه، وهو ما قصدنا التَّنبيه عنه في هذه الكلمة.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النَّبيُّ ﷺ : «لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»(17).

وعن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة ابن شعبة يقول: قال رسول الله ﷺ : «لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَتُؤْذُوا الأَحْيَاءَ»(18).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ وَلاَ تَقَعُوا فِيهِ»(19).

وعنها رضي الله عنها قالت: ذكر عند النَّبيِّ ﷺ هالك بسوء فقال: «لاَ تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ»(20).

بل خطب بذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه على رؤوس النَّاس بمنًى، أخرج ذلك ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» برقم (12102) من طريق عمرو بن مرَّة قال: سمعت هلال بن يساف يحدِّث عن عمر بن الخطَّاب: أنَّه خطب بمنًى على جبل، فقال: «لا تسبُّوا الأموات؛ فإنَّ ما يُسَبُّ به الميت يُؤْذَى به الحيُّ».

¦ حقيقة السَّبِّ لغةً وشرعًا:

السَّبُّ لغةً: الشَّتم، مصدر سَبَّه يَسُبُّه سبًّا، أي شتمه(21)، وأصل هذه الكلمة القطع، جاء في «معجم مقاييس اللُّغة» لابن فارس (3 /63): «السِّين والباء حدَّه بعض أهل اللُّغة وأظنُّه ـ ابن دريد ـ أنَّ أصل هذا الباب القطع، ثمَّ اشتقَّ منه الشَّتم، وهذا الَّذي قاله صحيح وأكثر الباب موضوع عليه، من ذلك السِّبُّ: الخِمَار؛ لأنَّه مقطوع من مِنْسَجه» اهـ.

وفي «جمهرة اللُّغة» لابن دريد مادة «سبب»: «وأصل السَّبِّ القطع ثمَّ صار السَّبُّ شتمًا؛ لأنَّ السَّبَّ خرق الأعراض» اهـ.

قال الشَّاعر:

فما كــان ذنبُ بني مــالك

بأن سُـبَّ منهم غـلام فسَبْ

عراقيب كُوم طوال الذُّرَى

تَـخِـر بـوائِـكُــهــا للرُّكَــب

قال ـ أي الفراء ـ أراد بقوله: «سُب» أي عُيِّر بالبخل، فسَب عراقيب إبله أنفة ممَّا عُير به، والسَّيف يسمَّى سَباب العراقيب؛ لأنه يقطعها(22).

فكأنَّه جعل القطع سبا، إذا كان مكافأة للسبِّ.

وقال في «المحيط في اللُّغة» للصاحب ابن عباد مادة: «سب»: «وأصل السب العيب» اهـ.

فهو على الأصل الأوَّل: يراد به قطع المسبوب عن الخير والفضل(23)، لذا قيل: السب خرق الأعراض(24).

وعلى الأصل الثَّاني: يراد به إظهار الشَّمَاتَةِ بالغير وتَنقُّصُه، والله أعلم.

ولذا قيل: هو من «السُّبَّة» وهي حلقة الدُّبُر، وعليه فالمراد: كشف العورة وما ينبغي أن يستر، أفاده البدر العيني في «عمدة القاري» (9 /573).

وفي «مختار الصِّحاح» (ص187) مادة: «سبب» قال: «السبُّ: الشَّتم والقطع والطَّعن» اهـ.

فبهذا يشمل السَّبُّ كلَّ كلام، أو حال يراد منه أذيَّة المشتوم والطَّعن فيه، من سبٍّ، أو لعن، أو انتقاص ونحوه، والله أعلم(25).

قال الصَّنعاني رحمه الله: «السَّبُّ لغةً: الشَّتم والتَّكلُّم في أعراض النَّاس بما لا يعني» اهـ(26).

وقال صفيُّ الرَّحمن المباركفوري رحمه الله: «السَّبُّ: الشَّتم والذَّمُّ والوصف بالشَّرِّ» اهـ(27).

فاستبان بهذه النُّقول عن أهل اللُّغة وغيرهم أنَّ حقيقةَ السَّبِّ أعمُّ ممَّا يتصوَّر عموم النَّاس في هذه الأزمان، من قصرهم للسَّبِّ على فحش الكلام، وإن كان من أحد معانيه، فهو يشمل كلَّ كلام أو حال يراد به أذيَّة المشتوم، أو الطَّعن فيه، لذا قال في حديث عائشة الآخر: «لاَ تَقَعُوا فِيهِ»، قال في «النِّهاية» (ص174): «يقال: وقعت بفلان إذا لُمْتُه، ووَقَعْتُ فيه إذا عِبْتُه وذممتُه»، وفي «القاموس المحيط» (ص695، 697): «رجل وقَّاعٌ ووقَّاعَةٌ: يغتاب النَّاس».

وفي «المعجم الوسيط» (ص1050): «وقع فلان في فلان وقيعة ووقوعًا: سبَّه واغتابه وعابه» اهـ.

وكلُّ هذه المعاني واقعة بالنَّاس فما تكاد تسمع أحدًا في مجلس تعزية(28)، أو موكب جنازة يتحدَّث عن صاحبها إلاَّ وتلحظ هذه المعاني في ثنايا كلامه ـ كان يفعل كذا وكذا، كان فيه كذا وكذا وغير ذلك ـ، وإن كان الغالب في هؤلاء إظهار الحسرة، والشَّفقة على الميِّت، وكان الأولى بهم هو السَّتر والدُّعاء بالرَّحمة والمغفرة(29)، وقد قال ﷺ : «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»(30).

قوله «أفضوا»: قال في «المصباح المنير» مادة «أفضى»: «أفضيت إلى الشَّيء وصلت إليه»، وفي «لسان العرب» مادة «فضا» قال: «...والإفضاء في الحقيقة الانتهاء ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ[النساء:21] أي: انتهى وأوى، عدَّاه بـ «إلى»؛ لأنَّ فيه معنى وصل» اهـ.

وعليه فمعنى قوله ﷺ : «أفضوا إلى ما قدَّموا» أي وصلوا إلى ما عملوا من خير أو شرٍّ، أفاده الحافظ في «الفتح»(31).

فأفادت هذه الأحاديث النَّبويَّة بظاهرها منع وتحريم التَّعرُّض للأموات مطلقًا(32)، مع بيان علَّة المنع، أمَّا أوَّلا: فإنَّهم قد أفضوا ووصلوا إلى جزاء ما قدَّموا وعملوا من خير أو شرٍّ، فلا فائدة في سبِّهم، قال الشَّوكاني رحمه الله: «والرَّبط بهذه العلَّة من مقتضيات الحمل على العموم» اهـ(33).

وثانيًَا: لئلاَّ يتأذَّى الأحياء بسبِّهم، من أولادهم وأقاربهم ومن يلوذ بهم، فهو أذيَّة للغير، وأذى الغير محرَّم شرعًا، فيكون بهذا محرَّمًا من جهتين؛ من جهة: أنَّه سبٌّ للأموات، ومن جهة: أنَّه أذيَّة للأحياء(34).

إلاَّ أنَّه يستثنى من هذا العموم مايلي:

أوَّلاً: الثَّناء على الميِّت بالشَّرِّ، وجرح المجروحين من الرُّواة أحياءً وأمواتًا؛ لإجماع العلماء على ذلك.

وثانيًا: ذكر مساوئ الكفَّار والفسَّاق والمبتدعة للتَّحذير منهم والتَّنفير عنهم.

قال الشَّوكاني رحمه الله: «...والوجه تبقية الحديث (أي: حديث عائشة) على عمومه إلاَّ ما خصَّه دليل كالثَّناء على الميِّت بالشَّرِّ وجرح المجروحين من الرُّواة أحياءً وأمواتًا لإجماع العلماء على ذلك، وذكر مساوئ الكفَّار والفسَّاق للتَّحذير منهم والتَّنفير عنهم» اهـ(35).

فوجه هذا الاستثناء: هو تحصيل المصلحة المرجوَّة من ذلك وهي: حفظ الدِّين والذَّبِّ عن حوزته، والنُّصح لأهله، أمَّا لغير ذلك فلا.

قال الإمام أبو محمَّد بن حزم رحمه الله: «ولا يحلُّ سبّ الأموات على القصد بالأذى، وأمَّا تحذير من كفر أو بدعة أو من عمل فاسد فمباح، ولعن الكفَّار مباح، لما روينا من طريق البخاري ـ ثمَّ ساق حديث عائشة في نهيه ﷺ عن سبِّ الأموات ـ».

ثمَّ قال: «وقد سبَّ اللهُ تعالى أبا لهب، وفرعونَ تحذيرًا من كفرهما، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ[المائدة:78]، وقال تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِين[هود:18] وأخبر عليه السلام أنَّ الشملة الَّتي غلها مِدعَم(36) تشتعل عليه نارًا، وذلك بعد موته» اهـ(37).

وقال الإمام النَّووي رحمه الله: «قال العلماء: يحرم سبُّ الميِّت المسلم الَّذي ليس معلنًا بفسقه، وأمَّا الكافر والمعلن بفسقه من المسلمين، ففيه خلاف للسَّلف، وجاءت فيه نصوص متقابلة، وحاصله أنَّه ثبت في النَّهي عن سبِّ الأموات ما ذكرنا في هذا الباب(38)، وجاء في التَّرخيص في سبِّ الأشرار أشياء كثيرة منها: ما قصَّه الله علينا في كتابه العزيز وأمرنا بتلاوته وإشاعة قراءته(39)، ومنها: أحاديث كثيرة في الصَّحيح، كالحديث الَّذي ذكر فيه ﷺ عمرو بن لحي(40)، وقصَّة أبي رِغالٍ(41)، والَّذي كان يسرق الحاجَّ بمِحْجَنه(42)، وقصة ابن جُدْعان(43)... وغيرهم، ومنها: الحديث الصَّحيح الَّذي قدَّمناه لما مرَّت جنازة فأثنوا عليها شرًّا فلم ينكر عليهم النَّبيّ ﷺ، بل قال: «وجبت»(44)، واختلف العلماء في الجمع بين هذه النُّصوص على أقوال: أصحُّها وأظهرها: أنَّ أموات الكفَّار يجوز ذكر مساويهم، وأمَّا أموات المسلمين المعلنين بفسق أو بدعة أو نحوها: فيجوز ذكرهم بذلك إذا كان فيه مصلحة لحاجةٍ إليه للتَّحذير من حالهم والتَّنفير من قبول ما قالوه والاقتداء بهم فيما قالوه، وإن لم تكن حاجة، لم يجز» اهـ(45).

وقال الشَّيخ صالح بن فوزان الفوزان ـ حفظه الله تعالى ـ: «لا يجوز سبُّ الأموات، إلاَّ إذا ترتَّب على ذكرهم مصلحة شرعيَّة، كأن يكون هذا الميِّت من علماء الضَّلال أو الرُّواة الكذَّابين أو له آثار سيِّئة، فإنَّه يجب تنبيه المسلمين على آثاره وضلاله، ليحذروا من ذلك، أمَّا ذكره مُجَّرَد غِيبَة ومجرَّد سِبَاب لا مصلحة من ورائه، فإنَّه لا يجوز» اهـ(46)، فاحفظ هذا فإنَّه مهمٌّ غاية.

فالضَّابط في ذلك إذًا: هو المصلحةُ والحاجةُ المُحَصلَةُ من وراء ذلك ـ وليس التَّشهِّي والتَّفكُّه بعرض من أفضى إلى ما قدَّمت يداه، ولا بالتَّمسكن وإظهار الحسرات الزَّائفة، فإنَّ ذلك مغالطة مكشوفة ـ فإن انتفى هذا القصد فلا؛ لأنَّه يصير مجرَّد غيبة ومجرَّد سباب لا مصلحة من ورائه، وقد مرَّ معك ما فيه من الوعيد من حديث ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما.

وإليك تطبيقًا سلفيًّا عن أحد رواة هذا الحديث: أخرج ابن حبَّان في «صحيحه» (برقم 3021) من حديث مجاهد قال: قالت عائشة ما فعل يزيد بن قَيس عليه لعنةُ الله؟ قالوا: قد مات، قالت: فأَستغفِرُ اللهَ، قالوا لها: ما لك لعنتِيه، ثمَّ قلت: أستغفر الله؟ قالت: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»، وأخرجه أبو داود الطَّيالسي (برقم 1494) من حديث إياس بن أبي تميمة، عن عطاء بن أبي رباح، أنَّ رجلاً ذُكِرَ عند عائشة، فلعنته، فقيل لها: إنَّه قد مات، فقالت: أَستَغفِرُ اللهَ له، فقيل لها: يا أمَّ المؤمنين! لعنتيه، ثمَّ استغفرت له، فقالت: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «لاَ تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ».

وكان سبب ذلك ما أخرجه عمر بن شبَّة في «كتاب أخبار البصرة» ـ فيما ذكره الحافظ ابن حجر في «الفتح» (4 /199) ـ من طريق مسروق «أنَّ عليًّا بعث يزيد بن قيس الأرحبي في أيَّام الجمل برسالة فلم ترد عليه جوابًا، فبلغها أنَّه عاب عليها ذلك فكانت تلعنه، ثمَّ لمَّا بلغها موته نهت عن لعنه، وقالت: إنَّ رسول الله نهانا عن سبِّ الأموات».

ويزيد بن قيس هذا كان ممَّن ثار من أهل الكوفة على سعيد بن العاص زمن عثمان رضي الله عنه، واجتمع عليه ناس، على ما ذكره الحافظ الذَّهبي رحمه الله في «تاريخ الإسلام» (4 /435) (ط/ الكتاب العربي)(47)، وكان من مشاهير رؤساء من انضاف إلى عليٍّ رضي الله عنه كما في «البداية والنِّهاية» (ط/ التركي) (10 /448)(48).

وبعد ذا كلّه، فاعلم أخي ـ القارئ الكريم ـ: أنَّ هذه الشَّريعة قد صانت للمسلم عِرضَه وحَفِظَت له كرامته حيًّا وميتًا، وأحاطته بسياج منيع، من ولجه كان على خطر عظيم، بل زادت على ذلك الأَمرَ بالسَّتر عليه وإحسان الظَّنِّ به، وقد سبق تقرير ذلك أوَّلاً، فليكن منك على ذُكْر.

وعليه فـ «المُتحَرِّي لدينه في اشتغاله بعيوب نفسه ما يُشغلُه عن نشر مَثالِب الأموات، وسبِّ من لا يدري كيف حاله عند باري البريَّات.

ولا ريب أن تمزيق عِرْضِ مَن قَدِمَ على ما قَدمَ وجثَا بين يدي من هو بما تُكِنه الضَّمائِر أعلم مع عدم ما يَحمِلُ على ذلك من جُرْحٍ أو نحوه، أُحْموقَة لا تقع لمُتَيقِّظ ولا يصاب بمثلها متدين بمذهب.

ونسأل الله السَّلامةَ بالحسنات ويَتَضاعفُ عند وبيل عقابها الحسرات، اللَّهمَّ اغفر لنا تفلُّتات اللِّسان والقلم في هذه الشِّعاب والهضاب وجنِّبنا عن سلوك هذه المسالك الَّتي هي في الحقيقة مهالك ذوي الألباب»(49).

¤ فوائد:

1- اعلم أنَّ من مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في أموات المسلمين: أنَّنا نرجو للمحسن أن يوفِّيه الله أجره، ولا يعذِّبه، ونخاف على المسيء بأن يؤخذ بذنوبه وإساءته، ولا نشهد لأحد بجنَّة ولا نار، إلاَّ لمن شهد له النَّبيُّ ﷺ ويحرم الظَّن بمسلم ظاهره العدالة، بخلاف من ظاهره الفسق، فلا حرج بسوء الظَّنِّ به(50).

2- أنَّه لا يليق بالمسلم أن يكون سَبَّابًا للأحياء أو الأموات(51).

3- حِرصُ الإسلام على إشاعة المودَّة والرِّفق بين المسلمين(52)، وهذا أصل عظيم دلَّت عليه نصوص كثيرة.

4- تعليل النَّهي بأذيَّة الحيِّ كما سبق لا يدلُّ على جواز السَّبِّ عند عدم تأذِّي الأحياء كمن لا قرابة له، أو كانوا ولكن لا يبلغهم ذلك، لأنَّ النَّهي عام ـ كما سبق ـ إلاَّ لمصلحة شرعيَّة(53).

5- أنَّ هذا الأمر يعظم ويتفاقم إن كان في وليٍّ من أولياء الله الصَّالحين أو عالم من علماء هذا الدِّين، خاصَّة إن كان من النَّاصرين للسُّنَّة الذَّابِّين عن حوزتها.

6- إنَّ على من بَدَر منه مثل ذلك، أن يسارع إلى الاستغفار لنفسه ولمن وَقَعَ فيه، كما فعلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

هذا الَّذي قصدنا ـ أخي القارئ ـ من هذه الكلمة: ذكرى للذَّاكرين وعِظَةٌ للمُتَّعِظين ليس إلاَّ، رزقنا الله سبحانه وتعالى جميل الأخلاق وحسن الاتِّباع، آمين.

وصلِّ اللَّهمَّ على نبيِّك محمَّد وعلى آله وصحبه.



(1) سيأتي بنصِّه وتخريجه.

(2) البخاري (6477، 6478)، ومسلم (2988).

(3) حسن صحيح، انظر: «التَّعليقات الحسان» (5733)، و«غاية المرام» (435).

(4) رواه مسلم (2564)، وأبو داود (4882).

(5) بفتح المهملة وكسر الرَّاء بعدها فاء: مكان معروف بظاهر مكَّة، أفاده في «الفتح» (11 /329).

(6) «صحيح البخاري» (5067) ومسلم (1465).

(7) أبو داود (3207) وابن ماجه (1616)، وصحَّحه ابن حبَّان (3234) من حديث عائشة ل، وهو صحيح، انظر: «صحيح الجامع» (4478).

(8) «الفتح» (11 /329) ـ ط/ دار طيبة.

(9) أي: دفنه وستره، ويقال للقبر: الجنن، ويجمع على أجنان، «النهاية» (ص167).

(10) قال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذَّهبي، والألباني، انظر: «أحكام الجنائز» (ص69).

(11) فائدة: وما يرى من الميت من المكروهات نوعان: أحدها: ما يتعلَّق بحاله، كما لو رآه تغيّر وجهه واسودَّ وقَبُحَ، فلا يحلُّ له أن يقول للنَّاس: إني رأيت هذا الرَّجل على هذه الصِّفة؛ لأنَّ هذا كشف لعيوبه، ثانيها: ما يتعلَّق بجسده كأن يرى بجسده عَيْبًا أو غير ذلك ممَّا يكره الإنسان أن يطَّلع عليه غيره فهذا أيضًا لا يجوز له أن يكشفه للنَّاس، أفاده العلاَّمة ابن عثيمين : في شرحه لـ«رياض الصَّالحين» (3 /129).

(12) رواه أبو داود (4084) في حديث طويل: صحيح، انظر «صحيح الجامع» (7309).

(13) البخاري (48)، ومسلم (64).

(14) «الفتح» (1 /204) ـ ط/ دار طيبة.

(15) الرَّدغة: بسكون الدَّال وفتحها: طين ووحل كثير، تجمع على رَدْغ ورِدَاغ، قاله في «النِّهاية» (ص351).

والخبال في الأصل: الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، «النِّهاية» (ص252).

والمراد هنا: عصارة أهل النَّار كما ورد تفسيرها من قوله ﷺ عند ابن ماجه (3377) من حديث عبد الله بن عمرو.

(16) رواه أبو داود (3597).

(17) رواه البخاري في «صحيحه» (1393)، وأحمد في «مسنده» (25470)، والنَّسائي في «المجتبى» (1936)، وفي «الكبرى» (2074)، والدَّارمي في «سننه» (2566)، والبيهقي في «سننه» (4/75)، وابن حبَّان (3021).

(18) رواه التِّرمذي في «سننه» (2048)، وأحمد في «مسنده» (18208 و18209)، والطبراني في «معجمه الكبير» (17389)، والقضاعي في «مسنده» (858)، وابن حبَّان في «صحيحه» (3022).

(19) رواه أبو داود في «سننه» (4899)، «صحيح الجامع» (794).

(20) رواه النَّسائي في «المجتبى» (1935)، وفي «الكبرى» (2073)، وابن أبي شيبة (12103)، صحيح، انظر: «صحيح الجامع» (7271).

(21) «اللِّسان» (1 /455)، «الصِّحاح» (1 /299) مادة: سبب.

(22) «تهذيب اللُّغة» للأزهري (4 /248).

(23) أفاده البدر العيني في «عمدة القاري» (9 /573).

(24) كما سبق من كلام ابن دريد.

(25) أفاده في «توضيح الأحكام» (3 /277).

(26) «سبل السَّلام» (4 /1575).

(27) «إتحاف الكرام في التَّعليق على بلوغ المرام» (ص164).

(28) هذا بحسب ما هو منتشر في عامة النَّاس، وإلاَّ فعقد المجالس للتَّعزية غير مشروع، انظر: «أحكام الجنائز وبدعها» (ص210 و211).

(29) ولمثل هذا شرع تشييع الجنائز والصَّلاة عليها.

(30) رواه مسلم (2699) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في حديثٍ طويل.

(31) (4 /198).

(32) وممَّن نصَّ على العموم ابن رشيد، كما في «الفتح» (4 /198)، والشَّوكاني في «نيله» وسيأتيك النَّقل عنه.

(33) «نيل الأوطار» (4 /163).

(34) انظر: «توضيح الأحكام» (3 /278)، وانظر: «النَّيل» (4 /162 ـ 163).

(35) «نيل الأوطار» (4 /163)، وانظر: «الفتح» (4 /198).

(36) مدعم: بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة، وهو عبد أسود أهداه رفاعة بن زيد الجذامي إلى النَّبيِّ ﷺ، أفاده في «الفتح» (9 /334)، قتل في الرجوع من خيبر، وقصَّته في البخاري (4234 و6707)، ومسلم (115).

(37) «المحلَّى» (5 /156 ـ 157)، وانظر: «الأذكار النَّوويَّة» (ص329).

(38) وهو حديث عائشة السَّابق الذِّكر، وحديث ابن عمر: «اذكروا محاسن موتاكم» رواه أبو داود (4900)، وهو حديث ضعيف، انظر: «ضعيف الجامع» (739).

(39) كما سبق من كلام ابن حزم، ومن ذلك قصَّة ابني آدم في سورة المائدة [الآية: 27] وما بعدها، وقصَّة الَّذي آتاه الله آياته فانسلخ منها في سورة الأعراف [الآية: 175 ـ 176]، وذكر الَّذي تولَّى كبر الإفك في سورة النور [الآية: 11] وما بعدها، وغيرها في القرآن كثير.

(40) رواه البخاري (3521)، ومسلم (2856).

(41) رجل من ثمود، كان في حرم الله، فمنعه حرم الله عذاب الله، فلمَّا خرج، أصابه ما أصاب قومه، انظر: «قصص الأنبياء» (ص215 ـ 216) ـ ط / ابن خزيمة.

(42) وهو أبو ثمامة عمرو بن مالك، كان يسرق الحجاج بعصًا لها كُلاَّب، وقصَّته رواها مسلم (904).

(43) وقصَّته رواها مسلم (214).

(44) رواه البخاري (1367)، ومسلم (949).

(45) «الأذكار»­­ (ص329 ـ 330)، وانظر: «الفتح» (4 /198).

(46) فتوى رقم (16485) بتاريخ: 14/06/2004، ضمن موقع «نداء الإيمان»/فقه المعاملات.

(47) وانظر: «تاريخ دمشق» لابن عساكر (21 /112).

(48) نفسه (39 /311).

(49) «نيل الأوطار» (4 /163).

(50) «توضيح الأحكام» (3 /279).

(51) «فقه الإسلام» (10 /265).

(52) نفسه.

(53) «توضيح الأحكام» (3/ 279).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 11»