أنت هنا:الحديث وعلومه»حديث في الألفة

حديث في الألفة

  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 772 مرة

  

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله قال:

«إنَّالمُؤْمِنَ يَأْلَفُ، وَلاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤْلَفُ».

أخرجه الحاكم (1/ 73) وقال: «صحيح على شرط الشَّيخين، ولا أعلم له علة»؛ وتعقبَّه الذَّهبي بأن فيه انقطاعا؛ ووصله أحمد في «المسند» (9187)، وأبو الشيخ في «الأمثال» (180)، والبزار في «المسند» (8919)، والبيهقي في «الكبرى» (10/ 236)، والخطيب في «تاريخه» (8/ 288)، وصححه الشيخ الألباني في «الصحيحة» (1/ 710).

وجاء الحديث أيضًا عن:

ـ جابر رضي الله عنه مرفوعا: «المؤْمِنُ مَأْلُوفٌ، وَلا خَيْرَ فِيمَنْ لا يَأْلَفُ ولا يُؤْلَفُ، وَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ نَفَعَ النَّاسَ» أخرجه النقاش في «فوائد العراقيين» (99)، والقضاعي في «الشهاب» (129)، والبيهقي في «الشعب» (7658)، والطبراني في «الأوسط» (5787)، وحسَّن إسناده الألباني في «الصَّحيحة» (426)، وجاء أيضا عن:

ـ سهل بن سعد رضي الله عنه مرفوعا: «المُؤْمِنُ مَأْلَفَةٌ، وَلاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤْلَفُ» أخرجه أحمد (22891)، وأبو الشيخ في «الأمثال» (179)، والبيهقي في «الشعب» (7252)، والطبراني في «الكبير» (6/ 131)، وإسناده ضعيف لأجل مصعب ابن ثابت، وجاء من طريق:

ـ ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: «المؤمنُ يؤلَفُ، ولا خير فيمن لا يَألَفُ ولا يُؤلَف» أخرجه تمام في «فوائده» (944)، وابن عساكر في «تاريخه» (5/ 432)؛ وورد موقوفا؛ أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (35686 ـ عوامة)، والبيهقي في «الشعب» (7768)، والطبراني في «الكبير» (9/ 200)، قال الهيثمي: «وفيه المسعودي، وقد اختلط؛ وبقية رجاله رجال الصحيح»؛ ورجَّح الدارقطنيُّ الموقوفَ على سواه، كما في «العلل» (8/ 183).

وممَّا ذُكر شاهدًا لهذا الحديث:  

حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا: «أكملُ المؤمنين إيمانا أحاسنهم أخلاقا، الموطَّئون أكنافًا، الَّذين يألَفُون ويُؤلَفُون، وليس منَّا مَنْ لا يألَفُ ولا يُؤْلَف» أخرجه الطبراني في «الأوسط» (4422)، وفي «الصغير» (605)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 28)، وقد صحَّحه الألباني في «الصَّحيحة» (751).

 إنَّ من أسمى الروابط التي عقدها الإسلام رابطة الأخوَّة في الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[الحُجُرات:10]، فجاء بصيغة القصر المفيدة للحصر؛ ليدلَّ على أنَّ معنى الأخوَّة بينهم معلوم مقرَّر؛ تضمَّن تقريرَه نصوصُ الوحي، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ[الحشر:10]؛ وقوله ﷺ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ»، وقوله ﷺ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، ونحوها، وكلُّها في ترسيخ هذه الرَّابطة المتينة أخوَّة الإسلام.

ومن أوَّل أعماله ﷺ لَمَّا هاجر إلى المدينة أن آخى بين المهاجرين والأنصار؛ لتزيد ألفتهم، ويقوى تناصرهم، فلُحْمَة المجتمع المسلم أخوَّة الإسلام؛ قال ﷺ في أبي بكر رضي الله عنه: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُهُ خَلِيلاً، ولَكِنْ أُخُوَّةُ الإسْلاَم أَفْضَلُ»(1).

فلا غرو أن يطالب المسلم بحفظ هذه الأخوة من أن يعتريها شيء من الوهن والخلل، وأن يحفظها كما يحفظ بدنه من كل ما يوهنه ويضعفه، وأُمِر باجتناب كل ما يقطع أوصالها، ويفكك أواصرها كالتَّحاسد والتَّدابر والتَّقاطع والتَّباغض والظلم والبغي والغيبة والنَّميمة ونحوها.

وإنَّ حديث الباب يرشد إلى وصف يجدر بالمسلم أن يتحلى به ليكون عونا له على تمتين الصِّلة بإخوانه، وإرساء جسور المحبَّة والتَّواصل بينه وبينهم، ليهنأ بذلك عيشُه، وتَطِيب حياتُه، ويسعَد معه من حوله، وهو أن يكون ألِفًا يألَفُ النَّاسَ ويألفُونَه، يأنسُ بهم ويأنسُونَ به؛ فلا يرى منه مُجالِسُه إلاَّ حُسْنَ الأخلاق، وسهولةَ الطِّباع، ولِينَ الجانب، وانشراحَ الصَّدر، وبشاشةَ الوجه، والتَّودُّدَ والمحبَّةَ، لا يملُّ من طول المكث معه، ويتحسَّر لفراقه.

والأُلْفَةُ: اسمٌ من الائْتِلافِ؛ وهي الأنسُ والالتئَامُ والاجتِماعُ، وتأَلَّفَ القومُ بمعنَى اجْتمعُوا وتحَابُّوا، وألَّفْتُ بينهم تَأْلِيفًا.

فخلاصة تعريف الأُلفة من كتب اللُّغة والمعاجم: أنَّها اجتماع مع التئام ومحبة.

فالأُلفَة تعني أن يكون في كلِّ واحد من الشَّخصين ميلٌ لصاحبه، ورغبةٌ في مؤاخاته.

وإنَّنا بأمسِّ الحاجة لمثل هذه الأُلفة، فنحن من آدم، وآدم عليه السلام أبو البشر وأوَّل إنسان مخلوق اسمه مأخوذ من الأُدْم: وهو الألفة والاتِّفاق؛ يقال: «أدَمَ أو آدَمَ اللهُ بينهما» ـ أي أصلَح وألَّف ـ؛ وفي الحديث: «انظرْ إليها فإنَّه أحرى أن يُؤْدَمَ بينكُما»، يعني أن تكون بينكما المحبَّة والاتِّفاق(2).

فالنَّاس تختلف آراؤهم وأذواقهم وطبائعهم، وتتنوَّع أخلاقهم ونفوسهم، فمنهم أصحاب النُّفوس الشَّريفة، ومنهم أصحاب النُّفوس الوضيعة، ومنهم أهل الودِّ والوفاء والكرم، ومنهم أهل البغض واللُّؤم والحسد، ومنهم الهادئ الثَّابت، ومنهم المتلوِّن المتغيِّر  العَزوف(3)، ومنهم المِجْذَام(4) ومنهم المذَّاع(5)، وهكذا...

فأفضلُ مُعينٍ على العيش مع هذه الأنفس المتباينة والطَّبائع المختلفة أن تتألَّفها؛ ليصفُوَ العيشُ، ويزولَ الكدَر، وتسودَ الرَّاحة، وصدَقَ من قال: «القلوبُ كالطَّير في الأُلفَةِ إذَا أنِستْ».

ولهذا قال ﷺ: «لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤْلَفُ»؛ لأنَّ صلاح حال الإنسان مع غيره بهذه الألفة الجامعة الَّتي تجعل القلوب إليه منعطفة، وشرورهم عنه مندفعة.

قال الماوردي عن هذه الأُلفة الجامعة: «فلأَنَّ الإنْسَانَ مَقْصُودٌ بالأَذِيَّةِ، مَحْسُودٌ بالنِّعْمَةِ؛ فَإذَا لَمْ يَكُنْ ألِفًا مَأْلُوفًا تَخَطَّفَتْهُ أَيْدِي حَاسِدِيهِ، وتَحَكَّمَتْ فيه أَهْوَاءُ أَعَادِيهِ، فَلَمْ تَسْلَمْ لَهُ نِعْمَةٌ، ولَمْ تَصْفُ لَهُ مُدَّةٌ.

فإذا كانَ ألِفًا مَأْلُوفًا انتصَرَ بالأُلْفةِ على أَعَاديهِ، وامْتَنَعَ مِنْ حَاسِديهِ، فسَلِمَتْ نِعمَتُهُ منْهُمْ، وصَفَتْ مُدَّتُهُ عَنْهُمْ، وإنْ كَانَ صَفْوُ الزَّمَانِ عَسِرًا، وسِلْمُهُ خَطَرًا»(6).

وإنَّ هذه الأُلفة المنشودة أضحت بين كثير من أهل الإسلام مفقودة، وحلَّ محلَّها الجفاء والغلظة، والفظاظة والتَّنافر، وسادت الوحشة بين أفراد المجتمع الواحد، وبين أفراد الحيِّ الواحد، وبين المصلِّين في المسجد الواحد، وأحيانًا بين الجيران ذوي القربى في المسكن الواحد، وأحيانًا أخرى بين أفراد الأسرة الواحدة تحت السَّقف الواحد، وتشتدُّ الوحشة وتنعَدِمُ الألفة في بعض الأوقات لتصل إلى حدِّ التَّقاتل، والتَّشاجر والتَّناحر، وإنَّ الَّذي جرَّ إلى هذه النُّفرةِ المستعصية، والجَفوةِ المقيتَةِ ضعفُ الإيمان وقلَّةُ العلم بالدِّين وتركُ العملِ بكثيرٍ من أحكامه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء[المائدة:14]؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فَمَتَى تَرَكَ النَّاسُ بَعْضَ مَا أَمَرَهُمْ الله بهِ وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ العَدَاوَةُ والبَغْضَاءُ»(7).

قال المناوي: «والأُلفة سببُ للاعتصام بالله وبحبله، وبه يحصُل الإجماع بين المسلمين، وبضدِّه تحصل النُّفرة بينهم»(8).

ثمَّ إنَّ لفظ حديث الباب يدلُّ على أنَّ الَّذي يألَف ويُؤلف هو من تحقَّق بوصف الإيمان.

وخيرُ أنموذج على هذا الائتلاف المطلوب والاتِّفاق المرجوِّ جيل الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم الَّذين آمنوا بالنَّبيِّ ﷺ، واجتمعوا على الإسلام، وتآلفت قلوبهم على الإيمان، فكانوا كالشَّخص الواحد، بعد أن كانت الضَّغائن والأحقاد تملأ صدورَهم ـ أي بين الأوس والخزرج ـ لسنين عديدة، وإلى ذلك الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون[آل عمران:103]، فامتنَّ الله تعالى عليهم بهذه الألفة الَّتي لا يعادلها مال الدُّنيا، قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «النِّعمُ تُكفَر، والرَّحِم تُقطَع، ولم نَر مثلَ تقارُب القلُوب»(9).

وإنَّ هذه الألفة توفيقٌ من الله ـ جلَّ وعلا ـ وحده، إذ لا يقدر على تقليب القلوب إلاَّ خالقُها قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى الله مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِين * قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِين[الأنعام:63].

وإنْ كان التَّأليف بين القلوب من الله إلاَّ أنَّه بأسبابه، فالمسلم الَّذي يألف ويُؤْلَف، يؤلِّف الله به بين المتفرِّقين والمختلفين، ويأتلفون حوله، قال النَّبيُّ ﷺ في خطبته بعد تقسيم غنائم حُنين: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللهُ بي، وكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بي، وعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بي»(10).

فوجبَ أن ندرك عظمَ أمر هذه الألفة وضرورةَ التَّحلِّي بها، فهي واجبٌ من الواجبات قال القاضي عياض: «والألفة إحدى فرائض الإسلام، وأركان الشَّريعة، ونظام شمل الدِّين»(11)؛ والَّذي يُشِيعُ هذه الألفةَ بين النَّاس أسبابٌ كثيرةٌ، أذكر جملة منها، تكون كالمنبِّه لما وراءها:

q فأوَّل أسبابها: التَّشاكل والتَّجانس والتَّوافق والتَّقارب، قال النَّبي ﷺ: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ،فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»(12).

قال ابن القيم: «وأنت إذا تأمَّلت الوجود لا تكاد تجد اثنين يتحابَّان إلاَّ وبينهما مشاكلة أو اتِّفاق في فعل أو حال أو مقصد؛ فإذا تباينت المقاصد والأوصاف والأفعال والطَّرائق لم يكن هناك إلاَّ النُّفرة والبعد بين القلوب؛ ويكفي في هذا الحديث الصَّحيح عن رسول الله ﷺ: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بالحُمَّى وَالسَّهَرِ»(13).

قال ابن حبَّان رحمه الله: «سبب ائتلاف النَّاس وافتراقهم ـ بعد القضاء السَّابق ـ هو تعارف الرّوحين؛ وتناكر الرّوحين، فإذا تعارف الرّوحان وجدت الألفة بين نفسيهما، وإذا تناكر الرّوحان وجدت الفرقة بين جسميهما»(14).

فأعظم أسباب الائتلاف التَّشاكل والتَّجانس، ومن الحِكَم السَّائرة قولهم: «الأَضدَادُ لا تتَّفِقُ، والأَشكالُ لا تفْتَرِقُ»؛ لذلك كلِّه حثَّ الإسلام على مصاحبة الأخيار، ومجالسة الأبرار، ومشابهة الكرام، وتجنُّب صحبة الأشرار والفجَّار، ومخالفة الكفَّار.

q ومن أسباب الألفة: التَّودُّد وإظهار المحبَّة وإخبار المحبوب بذلك قال النَّبيُّ ﷺ: «إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ في اللهِ فَلْيُعْلِمْهُ فَإِنَّهُ أَبْقَى في الأُلْفَةِ وَأَثْبَتُ في المَوَدَّةِ»(15).

وثبت أنَّ أبَا سَالِم الجَيْشَاني أَتَى أَبَا أُمَيَّةَ في منزلِهِ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ إنَّهُ سَمعَ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: «إذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ فَلْيَأْتِهِ في مَنْزِلِهِ، فَلْيُخْبرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ لله عز وجل»؛ وَقَدْ أَحْبَبْتُكَ فَجِئْتُكَ في مَنْزِلِكَ(16).

قال البَغوي رحمه الله: «ومعنى الإعلام: هو الحثُّ على التَّودُّد والتَّآلف، وذلك أنَّه إذا أخبره استمال بذلك قلبَه، واجتلبَ به ودَّه»(17).

وفي هذه المصارحة بالحبِّ زيادة بالغة في الألفة، و لها أثر طيِّبٌ في قبول النُّصح والتَّوجيه، لذلك قدَّمها النَّبيُّ ﷺ بين يدي وصيَّته لمعاذ لمَّا قال له وقد أخذ بيده: «يَا مُعَاذُ! والله؛ إنِّي لأُحِبُّكَ، والله؛ إنِّي لأُحِبُّكَ، قال: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لاَ تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»(18).

q ومن أسبابها: إفشاء السَّلام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لا تَدْخُلُون الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أوَلاَ أدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؛ أفْشُوا السَّلامَ بينكم»(19).

فإفشاء السَّلام يزيلُ العداوة، ويقطعُ الخصومة، ويَسُلُّ سخائمَ الصُّدور، ويورث الحبَّ؛ وكم يجمُل بالمسلِّم أن يُسبل على سلامه بَسْمةً على شفتيه مع طلاقة الوجه، ثمَّ أن يسأل عن حال المسلَّم عليه وحالِ من يعِزُّ عليه؛ فكلُّ ذلك أدعى للألفة، وبقاء المودَّة، وتوثيق عرى الإخاء.

q ومن أسبابها: التَّفقُّد والزِّيارة، فعن معاذ ابن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تبارك وتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتي لِلْمُتَحابين في، والمُتَجَالِسينَ في، والمُتَزَاوِرِينَ في، والمُتَبَاذِلِينَ في»(20).

فالزِّيارة من أعظم ما يوطِّد العلاقة، ويُنمي المودَّة ويشيع المحبَّة بين المتزاورين، بخاصَّة إذا كانت مجرَّدة لله y لا يُراد بها غيرَ وجهه الكريم، لذلك رتَّب الله عليها الأجر العظيم، والثَّواب الجزيل.

q ومن أسبابها: مواساة المصابين من المؤمنين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ اَلدُّنْيَا, نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْم القِيَامَةِ, ومَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ, يَسَّرَ الله عَلَيْهِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ, ومَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا, سَتَرَهُ الله في اَلدُّنْيَا والآخِرَةِ, والله في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ»(21).

قال ابن القيِّم في «الفوائد» (ص250): «المواساة للمؤمنين أنواعٌ: مواساة بالمال، ومواساة بالجاه، ومواساة بالبدن والخدمة، ومواساة بالنَّصيحة والإرشاد، ومواساة بالدُّعاء والاستغفار لهم، ومواساة بالتَّوجُّع لهم، وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة، فكلَّما ضعُفَ الإيمانُ ضعفت المواساة، وكلَّما قويَ قويت، وكان رسولُ الله ﷺ أعظمَ النَّاس مواساةً لأصحابه بذلك كلِّه، فلأتباعه من المواساة بحسب اتِّباعهم له».

فمن أعظم أعمال البرِّ الَّتي تربط الوشائج، وتقوِّي الأواصر، تفريج هموم الإخوان، وإزالة غمومهم، وتنفيس مصائبهم، والسَّعي لقضاء حوائجهم، وتسليتهم عند المصاب.

q ومن أسبابها: المداراة، قال المهلّب: «المداراة أصل الأُلفة، واستمالة النُّفوس من أجلِّ ما جَبَل الله عليه خلقَه وطبعَهم من اختلاف الأخلاق»(22)؛ ولا يخفى على ـ القارئ الكريم ـ حَدِيث عَائِشَة رضي الله عنها: أنَّ رجلاً اسْتَأذَنَ عَلَى النبيّ ﷺ، فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ، بِئسَ أخُو العَشِيرَةِ»؛ ثمَّ لما دخل ألانَ له الكلام؛ قالَ ابن بَطَّال: «المداراةُ منْ أَخْلاق المؤمِنِينَ، وهي خَفْض الجَنَاح لِلنَّاسِ، ولِين الكَلِمَة، وتَرْك الإغْلاظ لَهُمْ في القوْل، وذَلكَ مِنْ أَقْوَى أَسْبَاب الأُلْفَة وسلِّ السَّخيمة»(23)

وفَرقٌ بين المداهَنة والمدارَاة؛ فالمداهنة «فسَّرها العلمَاء بأنَّها مُعَاشرة الفاسِق وإظهار الرِّضا بمَا هُو فيهِ منْ غيْر إنْكارٍ عليهِ؛ والمدَارَاةُ: هي الرِّفق بالجاهِل في التَّعليم، وبالفاسِقِ في النَّهي عن فِعْله، وتَرْك الإغْلاظ عليْه حيثُ لا يظْهر ما هُوَ فيهِ، والإنْكار عليهِ بلُطْفِ القَوْل والفِعْل، ولا سيمَا إذا احتِيجَ إلى تأَلُّفه، ونحو ذلكَ»(24).

q ومن أسبابها: حفظ السِّرِّ، فالمرء مجبول على حبِّ من يحفظ عليه أسراره، ولا يهتك عليه أستاره، ومن عثر على من هذا وصفُه فقد عَثر على كنزٍ لا يساوَم، وكما قيل قديمًا: «قلوب الأحرار قبورُ الأسرار»، وللأسف أضحى اليوم حفظ السِّرِّ من الحقوق المهدَرَة، بل بلغت الوقاحة ببعضهم أنَّه يحفظ سرَّ أخيه طالما جمعتهما صحبةٌ، وأمَّا إذا تقطَّع حبلُ الوصال بينهما أفشى سرَّه وأذاع خبيئته، وليس هذا من المروءة في شيء، بل هو لؤمٌ مستقبَحٌ، لا يبقى معه للألفَة أثرٌ.  

q ومن أسبابها ترك الجدال والمراء واللِّجاج، وهنا يجب التَّنبيه إلى أنَّه ليس من الحفاظ على الألفة أن نترك الرَّاجح ونعمل بالمرجوح أو نتجنَّب النِّقاش العلمي الرَّصين؛ لأنَّ الخلافَ يتعذَّر رفعُه في الأمَّة، «وما زالت الصَّحابة يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفُون» كما قال القرطبي في «تفسيره» (4/ 159)؛ لكن المذموم هو التَّشنُّج والتَّصلُّب والتَّمادي في المراء والجدال المفسد لكلِّ أُلفة قال ﷺ: «اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ»(25) ؛ قال الآجري: «وعند الحكماء: أنَّ المراء أكثره يغيِّر قلوب الإخوان، ويورث التَّفرقة بعد الألفة، والوحشة بعد الأنس»(26).

q ومن أسبابها: تجنُّب كثرة المزاح؛ وإن كان لا يخلي المرءُ حياتَه من شيءٍ من المزاح ليأنس به إلى مصاحِبه، ويتودَّد به إلى مخالطِه، شريطةَ أن يكونَ قصدًا وحقًّا؛ لأنَّ العقلاء والحكماء اتَّفقوا على أنَّ كثرة المزاح تخدشُ الحقوق، وتدعو إلى القطيعة والعقوق.

q ومن أسبابها: ترك كثرة العتاب؛ فليس من الحفاظ على الألفة ترك العتاب بالكليَّة،لأنَّ من طبع البشر وقوعَهم في الخطأ والزَّلل وذلك موجبٌ للعتاب والمؤاخذة وإظهار عدمِ الرِّضا، فلو لم تعاتب صديقك وصاحبك مرَّةً بعد مرَّةٍ لكان دليلا على عدم اكتراثِك واهتمامِك به، وقد قيل: «من لم يعاتب علَى الزَّلَّة، فليس بحافظٍ للخُلّة»، لكنَّ المذمومَ هو كثرةُ العتَابِ والمبالغة فيه؛ فعلى المرء أن يتوسَّط في هذا الباب فلا يبني صحبته لأخيه على المسامحة وحدها، كما لا يبنيها على المشاحة وحدها، فالعتاب في وقته، والتَّجاوز والعفو في حينه، قال بعضُ الحكماء: «لا تُكثِرَنَّ مُعَاتَبَةَ إخْوَانِك، فَيَهُونَ عَلَيْهِمْ سَخَطُك».

واعلم أنَّ من رام أن يكون جميع من حوله معه متَّفقون فقد طلب مستحيلاً، فإنَّ إخوانك على طبقاتٍ متنوِّعة، وصفاتٍ مختلفة، ولكلِّ واحدٍ منهم ما يختصُّ به، فيصلُحُ في باب ولا يصلحُ في باب آخر، وهكذا...؛ فلا يمكن أن تجد أحدًا منهم يستعان به في كلِّ حالٍ، كما يستحيل أن تجده لا يصلح في أيِّ حال، فهذا التَّمايز يوجب عليك أن تنزِّلَ كلاًّ منهم منزلتَه، وتضعه في موضعه بحسب أحواله، وما استقرَّت عليه خصاله وخلاله، فبهذا التَّنوُّع والاختلاف يكون الائتلاف؛ وليكن شعارك في التَّعامل مع الجميع أن تحبَّ لهم الخير والهدى كما تحبُّه لنفسك، وأن لا تُقابلهم إلاَّ بما تحبُّ أن يُقابلوك به امتثالاً لقوله ﷺ: «فمَنْ أحبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عن النَّارِ ويُدخَلَ الجنَّة فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، وليأتِ إلى النَّاسِ الَّذي يحبُّ أنْ يُؤْتَى إليه»(27)؛ قال النَّوويُّ: «هذا من جوامع كلِمِه ﷺ، وبديعِ حِكَمِه؛ وهذه قاعدةٌ مهمَّةٌ؛ فينبغي الاعتناءُ بها، وأنَّ الإنسانَ يلزَمُ أن لا يفعَلَ مع النَّاس إلاَّ ما يحبُّ أن يفعلُوه معَه»(28).

فانظر ـ أخي القارئ ـ أينَ أنتَ من هذه القاعدة النَّبويَّة العظيمة في التَّعامل، وعضَّ عليها بنواجذك، واعلم أنَّها من أعظم أسباب إشاعة الألفة ونشر المودَّة، ولا تغفل عمَّا تقدَّم من الأسباب، لتكون مألفةً تتألَّفُ عليك القلوب؛ فإنَّه لا خير فيمن لا يألَف ولا يُؤلَف.



(1) أخرجه البخاري (3657).

(2) «مختار الصحاح» (ص: 10).

(3) الَّذي لا يثبت على صحبة أحد لملله.

(4) هو الَّذي يواد صاحبه فإذا أحسَّ ما يسوؤه أسرع إلى القطيعة والمصارمة.

(5) هو الرَّجل الَّذي لا وفاء له ولا يحفظ أحدًا بالغيب.

(6) «أدب الدُّنيا والدِّين» (ص183).

(7) «مجموع الفتاوى» (3/ 421).

(8) «فيض القدير» (6/ 253).

(9) «الأدب المفرد» (262)، وهو صحيح.

(10) أخرجه البخاري (4330).

(11) النووي في «شرح مسلم» (2/ 11).

(12) أخرجه مسلم (2638) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(13) «روضة المحبين» (ص74).

(14) «روضة العقلاء» (ص108).

(15) أخرجه وكيع في «الزُّهد» (337) عن علي بن الحسين مرسلاً؛ وابن أبي الدُّنيا في «الإخوان» (69) عن مجاهد مرسلاً أيضًا، وحسَّنه الألباني بمجموع طرقه في «الصَّحيحة» (1199).

(16) أخرجه أحمد (21514)، وهو صحيح.

(17) «شرح السُّنة» (21514).

(18) رواه أَبُو داود (1522)، والنسائي في «الكبرى» (9937) بإسناد صحيح.

(19) رواه مسلم (54).

(20) رواه مالك في «الموطأ» بإسناد صحيح.

(21) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (2699).

(22) «شرح ابن بطال على البخاري» (7/ 295).

(23) «شرح ابن بطال على البخاري»  (9/ 305).

(24) «فتح الباري» (10/ 528).

(25) البخاري (4773)، ومسلم (2667).

(26) «أخلاق العلماء» (ص59).

(27) روه مسلم (1844).

(28) «شرح مسلم» (12/ 233).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 15»