أنت هنا:الحديث وعلومه»تخريج دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالطائف

تخريج دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالطائف

  • د. كمال قالمي
تم قراءة المقال 599 مرة

 

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبي بعده،،،

وبعد، فقد طلب منِّي أحدُ الفضلاء تخريج دعاء يكثر تداوله على منابر الخطباء وألسنة الوعَّاظ، وهو المعروف عند أهل العلم بدعاء الطَّائف، فأجبته إلى طلبه، مستعينًا بالله وحده.

* نصُّ الدُّعاء:

عن عبد الله بن جعفرٍ قال لمَّا توفِّيَ أبو طالبٍ خرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائفِ ماشِيًا على قدميْهِ فدعاهم إلى الإسلام فلم يُجِيبُوهُ فَانْصَرَفَ فأتَى ظِلَّ شَجَرَةٍ فصلَّى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟! إِلَى عَدُوٍّ يَتَجَهَّمُنِي(1)!، أَوْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي! إِنْ لَمْ تَكُنْ غَضْبَانَ عَلَيَّ فَلا أُبَالِي غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ أَوْ تُحِلَّ عَلَيَّ سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبَى(2) حَتَّى تَرْضَى وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِك».

* التَّخريج:

الحديث أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (14/ 139) رقم (14764)، وفي كتابه «الدعاء» رقم (1036)، وابن عدي في كتابه «الكامل في الضعفاء» (6/ 111) ترجمة (محمد بن إسحاق) كلاهما عن القاسم بن اللَّيث أبي صالح الرَّاسبي، ثنا محمَّد بن عثمان أبو صفوان الثَّقفي، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا أبي، عن محمَّد بن إسحاق، عن هشام ابن عروة ، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: «فذكره».

ومن طريق الطَّبراني أخرجه قوَّام السُّنة أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني في كتابه «الحجة في بيان المحجة» رقم (462)، وضياء الدين محمد بن عبدالواحد المقدسي في كتابه «الأحاديث المختارة» (9/ 180 ـ 181).

ومن طريق ابن عدي أخرجه ابن عساكر الدمشقي في «تاريخ دمشق» (49/ 152).

قال ابن عدي عقبه: وهذا حديث أبي صالح الراسبي لم نسمع أنَّ أحدًا حدَّث بهذا الحديث غيره ولم نكتبه إلاَّ عنه.

قلت: لم يتفرَّد به أبو صالح الرّاسبي، بل توبع عليه.

فقد أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» رقم (1851)، وأبو بكر المراغي في «مشيخته» (ص394 ـ 395) من طريق أحمد بن سليمان الطبراني، ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا علي بن المديني، ثنا وهب بن جرير، به، مثله.

ومحمد بن جعفر هو أبو بكر الدمياطي المعروف بابن الإمام، ثقة، له ترجمة في «تاريخ بغداد» (2/ 498 ـ 500).

وعزاه الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/ 37) للطبراني وقال: «فيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة وبقية رجاله ثقات».

وضعَّف إسناده العلامة الألباني في «السلسلة الضعيفة» (6/ 487) وأعلَّه بعنعنة ابن إسحاق.

وجاء في «فتاوى اللجنة الدائمة» (المجموعة الثانية: 3/ 208): «هذا الحديث ضعيف من جهة إسناده». توقيع: سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد .

ومِن أهل العلم مَن ذهب إلى تصحيحه أو تحسينه أو الاحتجاج به.

فتخريج الحافظ المقدسي له في كتابه الموسوم «الأحاديث المختارة» مصير منه إلى تصحيحه أو تحسينه على أقلِّ الأحوال؛ لأنَّه قال في مقدّمته المقتضبة (1/ 69 ـ 70): «فهذه أحاديث اخترتها مما ليس في البخاري ومسلم إلا أنني ربما ذكرت ما أورده البخاري معلِّقًا، وربَّما ذكرنا أحاديث بأسانيد جياد لها علَّة فنذكر بيان علَّتِها حتَّى يعرف ذلك».

وهذا الحديث ذكره ولم يبيِّن علَّته.

وكذا مشَّى حاله وحسَّن إسناده شيخنا د. الأعظمي في كتابه «الجامع الكامل» (8/ 93) فقال: «إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وهو وإن لم يصرّح؛ فإنَّ الأئمة قبلوه في المغازي والسير ما لم يقبلوا منه في الأحكام.

وإنَّما تلقَّى أهلُ العلم هذا الدُّعاء المسمَّى بدعاء الطَّائف بدون إنكار على ابن إسحاق، فقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في عدَّة مواضع في «مجموع فتاويه» مستدلًّا به بأنَّ الشَّكوى إلى الخالق لا تنافي الصَّبر الجميل، انظر (10/ 184، 666). وقال تلميذه الحافظ ابن القيم في «زاده» (3/ 31): «فانصرف راجعاً من الطَّائف إلى مكَّة محزوناً، وفي مرجعه ذلك دعى بالدُّعاء المشهور دعاء الطَّائف» ثم ذكر الدعاء بدون أن يعلِّق عليه بشيء» اهـ.

قلت: وينظر أيضًا كتاب «الجواب الصَّحيح لمن بدل دين المسيح» لشيخ الإسلام (1/ 390 ـ ط. دار العاصمة)، وكتاب «الروح» (ص720 ـ 721 ط. دار عالم الفوائد)، وكتاب «عدَّة الصَّابرين» (ص22، 24، 63،  ط. دار عالم الفوائد 93) كلاهما للعلَّامة ابن القيِّم.

واستحسنه أيضاً الحافظ ابن كثير عند تفسيره سورة الأحقاف الآية (29) (7/ 290 ـ ط. دار طيبة) حيث أشار إلى رواية ابن إسحاق المذكورة في «سيرته»، فقال: «وذكر محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن محمد بن كعب القرظي قصَّة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائف ودعائه إيَّاهم إلى الله عز وجل، وإبائهم عليه. فذكر القصَّة بطولها، وأورد ذلك الدُّعاء الحسن: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي» إلى آخره».

قلت: والأظهر أنه يريد بالحَسَن الحُسن اللُّغوي لا الاصطلاحي يعني لجمال ألفاظه وعذوبة كلماته؛ بدليل أنَّ الرِّواية التي ساقها مرسلة وليست موصولة.

وقوله: «عن يزيد بن رومان» هو مولى آل الزبير بن العوَّام، تابعي مدني ثقة. له ترجمة في «تهذيب الكمال» (32/ 122).

هكذا وقع اسم أبيه في أكثر من طبعة من «التَّفسير»! وأحسبه تحريفاً والصَّواب أنَّه يزيد بن زياد ويقال: ابن أبي زياد المدني، قال التِّرمذي: روى عنه مالك بن أنس وغير واحد، ووثَّقه النَّسائي، والذَّهبي، وابن حجر. له ترجمة في «تهذيب الكمال» (32/ 132 ـ 133).

ويؤيِّد ذلك ما جاء في كتابه «البداية والنِّهاية» (4/ 337 ـ 338) قال: «قال ابن إسحاق، فحدَّثني يزيد بن أبي زياد، عن محمَّد بن كعب القرظي، قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائف وعمد إلى نفر من ثقيف هم سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف. وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلَّمهم لما جاءهم له من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه...» فأورد القصَّة بتمامها، إلى قوله: «فلمَّا اطمأنَّ قال: ـ فيما ذُكر  لي ـ «اللَّهمَّ إليك أشكو ضعف قوَّتي وهواني على النَّاس يا أرحم الرَّاحمين...» الدُّعاء.

ثمَّ قال ابن كثير: هكذا أورد ابنُ إسحاق في كتابه «السِّيرة» هذا الدُّعاء من غير إسناد، بل ذكره معلَّقًا بصيغة البلاغ، فقال: «فيما ذُكر لي». وقد روى الحافظ ابنُ عساكر في ترجمة القاسم بن اللَّيث الرَّسْعنيّ ـ شيخ النَّسائي والطَّبراني وغير واحد ـ بسنده من حديثه...» ثمَّ ذكر الحديث الموصول السَّابق، ولم يتكلَّم عليه بشيء.

وقصَّة خروج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائف مع ذكر الدُّعاء المشار إليه وردت في «سيرة ابن هشام» (2/ 268) بتمامها.

وكذا ذكرها الذَّهبي في «تاريخ الإسلام ـ السِّيرة النبوية» (2/ 285).

ومعلوم أنَّ ابن هشام هذَّب سيرة ابن إسحاق واختصرها حتَّى اشتهرت عنه وارتبطت باسمه، وهو إنَّما يرويها من طريق زياد بن عبدالله البكّائي.

والبكّائي وإن ضعَّفه بعضهم إلَّا أنَّهم اتَّفقوا على توثيقه في ابن إسحاق وأنَّه من أثبت النَّاس عنه في كتابه «المغازي».

قال يحيى بن آدم، عن عبد الله بن إدريس: «ما أحد أثبت في ابن إسحاق من زياد البكائي؛ لأنَّه أملى عليه إملاء مرتين».

وقال صالح بن محمَّد الحافظ (المعروف بجزرة): «ليس كتاب «المغازي» عند أحد أصحّ منه عند زياد البكائي، وزياد في نفسه ضعيف، ولكن هو من أثبت النَّاس في هذا الكتاب، وذلك أنَّه باع داره وخرج يدور مع ابن إسحاق حتَّى سمع منه الكتاب».

وقال أبو داود: سمعت يحيى بن معِين يقول : «زياد البكائي في ابن إسحاق ثقة، كأنَّه يضعِّفه في غيره». تراجع هذه الأقوال وغيرها في «تهذيب الكمال» (9/ 487 ـ 490).

ولخَّص حاله الحافظ ابن حجر العسقلاني في «التَّقريب» بقوله: «صدوق ثبت في المغازي وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين».

وبهذا يتبيَّن أنَّ للحديث علَّةً أخرى غير العنعنة، وهي الاختلاف فيه على محمَّد بن إسحاق نفسه فرواه عنه جرير بن حازم موصولًا، ورواه عنه زياد البكَّائي عنه معلّقًا.

ولم ينفرد البكّائي بهذه الرِّواية المعلّقة، بل توبع عليها.

قال ابن جرير الطَّبري في «تاريخه» (2/ 344 ـ 345): «ولما هلك أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائف يلتمس عن ثقيف النَّصرة والمنعة له من قومه، وذُكر أنَّه خرج إليهم وحده، فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا ابن إسحاق، قال: حدثَّني يزيد بن زياد، عن محمَّد بن كعب القرظي قال: «لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف...» إلى أن قال: «فلمَّا اطمأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال ـ فيما ذُكر لي ـ: اللهمَّ إليك أشكو ضعف قوَّتي...» فذكره بمثل رواية البكّائي.

وسلمة هو ابن الفضل الملقَّب بالأبرش وهو أيضاً أحد رواة السِّيرة والمغازي عن ابن إسحاق.

قال ابن سعد في «طبقاته الكبرى» (7/ 381) في ترجمته: «هو صاحب محمد بن إسحاق روى عنه المغازي والمبتدأ»‎‎‎.

وروى ابن أبي حاتم في «الجرح والتَّعديل» (4/ 169) عن الحسين بن الحسن الرَّازي، أنَّه قال: «سألت يحيى بن معين عن سلمة الأبرش الرَّازي، فقال: ثقة، كتبنا عنه، كان كيِّسًا؛ مغازيه أتم ليس في الكتب أتمّ من كتابه»‎‎‎‎. وقال عنه الذَّهبي في «السِّير» (9/ 50): «كان قويًّا في المغازي».

والحاصل أنَّ ابن إسحاق اختلف عليه في هذا الحديث، فرواه عنه جرير بن حازم موصولًا، وخالفه زياد البكّائي وسلمة الأبرش فروياه عن ابن إسحاق معلَّقًا.

ولا ريب في تقديم روايتهما وترجيحها على رواية جرير؛ وذلك لأنَّ زيادًا البكّائي وسلمة الأبرش لهما مزيد عناية واختصاص بسيرة ابن إسحاق، بل لو خالفه واحدٌ منهما لقدّمت روايته عليه، فكيف إذا اجتمعا؟!

ثمَّ لو كان الحديث موصولًا عند ابن إسحاق لاعتمده في «سيرته»، وإلَّا كيف يعمد إلى المنقطعات والبلاغات ويترك المسندات والموصولات؟!

وهذه العلَّة ـ في نظري ـ أقوى من تعليله بعنعنة ابن إسحاق فحسب؛ ولذلك لم يلتفت إليها الضَّياء المقدسي رحمه الله وغيره ممَّن احتجَّ بالحديث.

وبهذا يتبيَّن أيضًا أهميَّة جمع الطُّرق واستقصائها، كما قال علي بن المديني رحمه الله: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبيَّن خطأه».

وفي هذا المعنى يروي الخطيب البغدادي في كتابه «الجامع لإخلاق الراوي وآداب السَّامع» (2/ 191) رقم (1576) بسنده عن الميموني قال: «تعجَّب إليَّ أبو عبد الله ـ يعني: الإمام أحمد بن حنبل ـ ممَّن يكتب الإسناد، ويدع المنقطعَ، ثمَّ قال: وربَّما كان المنقطع أقوى إسنادًا وأكبر. قلتُ: بَيِّنه لي؛ كيف؟ قال: تكتب الإسناد متَّصلًا، وهو ضعيف؛ ويكون المنقطعُ أقوى إسنادًا منه؛ وهو يرفعه ثمَّ يسنده، وقد كتبه هو على أنَّه مُتَّصل، وهو يزعم أنَّه لا يكتب إلَّا ما جاء عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال الميموني: معناه: لو كتب الإسنادين جميعاً، عرف المتّصل من المنقطع؛ يعني: ضعف ذا وقوَّة ذا» اهـ.

وهذا مسلك معروف في نقد الأحاديث وإعلالها عند الأئمَّة؛ فإنَّهم كثيرًا ما يعلُّون الأحاديث المسندة بالمراسيل والمنقطعات، والأحاديث المرفوعة بالموقوفات، كما هو مبثوث في كتب التَّخريج والعلل.

هذا ما تيسَّر جمعه وكتابته ، والله تعالى أعلم.

وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.



(1) أي يَلْقاني بالغِلْظة والوجه الكريه. «النهاية في غريب الحديث» (1/ 497).

(2) العُتْبَى اسم على فُعْلى يوضع موضع الإِعْتاب، وهو الرُّجوعُ عن الذَّنب والإِساءة إلى ما يُرْضِي العاتِبَ. «لسان العرب » (1/ 578).