أنت هنا:القرآن وعلومه»البيان في أخطاء الاستشهاد بآي القرآن (3)

البيان في أخطاء الاستشهاد بآي القرآن (3)

  • عز الدين رمضاني
تم قراءة المقال 377 مرة

 

لا شكَّ أنَّ الاستدلال أو الاستشهاد بآي القرآن الكريم يحتاج إلى درايةٍ تامَّة بعلوم التَّفسير، ودقَّة في الفهم والاستنباط، وتجرُّد من الهوى والرَّأي المذموم، وإلاَّ نتج عند فَقْدِ هذه المذكورات الزَّيغُ والانحرافُ عن مراد الله في فهمِ كتابه الَّذي أنزله لعباده بأحسن بيان وأبلغ معنى؛ ليسعدوا به عِلْمًا وعملاً، وفهمًا وتدبُّرًا.

ومِنْ هنا جاءت فكرة جمع الآيات المسْتَشْهَد بها في غير ما وَرَدَتْ مِنْ أجله، ودون مراعاةِ مساقاتها الكاملة، أو قصر معانيها على تفسير مرجوحٍ، وما إلى ذلك ممَّا سبق التَّنبيه إليه في مقدِّمة هذا البحث(1).

وهذا الَّذي بين يدي القارئ اللَّبيب تكملةٌ لموضوع «البيان في أخطاء الاستشهاد بآي القرآن» نواصل معه ما تبقَّى من الآيات الَّتي هي محلُّ الاستشهاد أو الاستدلال، منبِّهين على أوجه الخطأ ومواضع الإشكال قَدْرَ الإمكان، ومِنَ الله نستمدُّ العون، وعليه التُّكلان.

الآية الثَّالثة:
وهي بعض آية من آخر آية «الدَّيْن» من سورة البقرة:

﴿وَاتَّقُواْ الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله[البقرة:282]

™    ˜

¹ وجه الخطأ:

الاستشهاد بالآية للدّلالة على أنَّ العلم ثمرةُ التَّقوى.

هذه الآية ممَّا اشتهر على ألسنة المتصوَِّفة الاستدلال بها على ما سبق، يغطُّون بها تقاعسهم وإعراضهم عن الاشتغال بعلوم الشَّريعة من الفقه وغيره، زاعمين أنَّ ما يأتونه في طريقتهم من الرِّياضة وتلاوة الأوراد والأحزاب تُثمر لهم العلومَ الإلهيَّة وغيرها بدون تعلُّم(2).

يقول أبو حيَّان في «البحر المحيط» (2 /371): «وكثيرًا ما يتمثَّل بهذه بعض المتطوِّعة من الصُّوفيَّة الَّذين يتجافون عن الاشتغال بعلوم الشَّريعة من الفقه وغيره، إذا ذكر له العلم والاشتغال به قالوا: قال الله: ﴿وَاتَّقُواْ الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله، ومن أين تعرف التَّقوى، وهل تعرف إلاَّ بالعلم؟!».

¹ والاستشهاد بهذه الآية على أنَّ التَّقوى تكون سببًا للعلم مردودٌ بجملةِ أمورٍ، منها:

الأوَّل: من جهة اللُّغة؛ «وذلك أنَّ العطف ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله على قوله: ﴿وَاتَّقُواْ الله يُنافي أن يكون جزاءً له ومرتَّبًا عليه؛ لأنَّ العطف يقتضي المغايرة، ولو أراد الله هذا لجعل العطف بالفاء، أي قال: «واتَّقوا الله فيعلِّمكم الله»، أو وصل الفعل بلام التَّعليل، ولقال: «واتقوا الله ليعلمكم الله»(3).

ومن جعل الواو في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله بمثابة التَّعليل، أي على معنى «ليعلِّمكم» فليس بصحيح.

يقول صاحب «التَّحرير والتَّنوير» (3 /118): «وفي عطفه على الأمر بالتَّقوى إيماء إلى أنَّ التَّقوى سبب إفاضة العلوم، حتَّى قيل: إنَّ الواو فيه للتَّعليل، أي ليعلِّمكم، وجعله بعضهم من معاني الواو وليس بصحيح».

ثمَّ إنَّه إن أُريد ذلك المعنى وهو أنَّ التَّقوى سببٌ للعلم، فإنَّ لفظ هذه الآية لا يسمح به؛ لأنَّه لو كان كذلك لاقتضى جَزْم: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله.

يقول ابن جزي في «التَّسهيل لعلوم التَّنزيل» (1 /132) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله: «إخبار على وجه الامتنان، وقيل: معناه الوعد بأنَّ مَنِ اتَّقى علَّمه الله وألهمه، وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يعطيه؛ لأنَّه لو كان كذلك لجزم ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله في جواب ﴿وَاتَّقُواْ الله.

الثَّاني: ـ من جهة المعنى ـ إنَّ المعنى الَّذي أراده الصُّوفيَّة ومن قلَّدهم من الآية هو «عبارة عن جعل المسبّب سببًا والفرع أصلاً والنَّتيجة مقدِّمة، ـ وهذا قَلْبٌ للأصول والمقدِّمات ـ فإنَّ المعروف المعقول أنَّ العلم هو الَّذي يُثمر التَّقوى، فلا تقوى بلا علم، فالعلم هو الأصل الأوَّل، وعليه المعوَّل، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء[فاطر:28]، وكما قال سبحانه لنبيِّه ﷺ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ[محمد:19]»(4).

الثَّالث: إنَّ الأسلوب الَّذي سيقت به الآية ليس أسلوب طلب وجواب، وبالتَّالي فهو لا يعين على هذا الَّذي ذكروه من المعنى ـ وأنَّها وعد لِمَن اتَّقى الله بأن يعلِّمه الله ـ، ولذلك جاء بالواو بين الجملتين للفصل بينهما.

يقول ابن القيم رحمه الله: «وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله فليس من هذا الباب، بل هما جملتان مستقلَّتان: طلبيَّة وهي الأمر بالتَّقوى، وخبريَّة وهي قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله، أي: والله يعلِّمكم ما تتَّقون، وليست جوابًا للأمر بالتَّقوى، ولو أُريد بها الجزاء لأتى بها مجزومةً مجرَّدةً عن الواو، فكان يقول: «واتَّقوا الله يُعَلِّمْكُمْ» أو «إن تتَّقوه يعلِّمكم» كما قال: ﴿إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً[الأنفال:29]، فتدبره»(5).

ويقول محمَّد الجوعي في كتابه «قواعد وفوائد لفقه كتاب الله تعالى» (ص76): «لا يظهر من هذه الآية الدّلالة على أنَّ العلم ثمرة التَّقوى؛ لأنَّه لم يُرتِّب العلم على التَّقوى، فيقول «واتَّقوا الله يعلِّمكم الله»، فيكون أسلوب طلب وجواب، وإنَّما جاء بالواو بين الجملتين.

الرَّابع: إنَّ بعض المفسِّرين المحقِّقين لم يجعلوا معاني الجمل الثَّلاث الَّتي ذُكرت في الآية: ﴿وَاتَّقُواْ الله، ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله، ﴿وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم بمعنًى واحد، بل ذكروا أنَّ كلَّ جملة مستقلَّة بنفسها في المعنى.

قال محمَّد بن جرير في «تفسيره» (5 /121): «القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاتَّقُواْ اللهوَيُعَلِّمُكُمُ الله وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم يعني ـ جلَّ ثناؤه ـ بقوله: ﴿وَاتَّقُواْ الله وخافوا الله أيُّها المتداينون في الكُتَّاب والشُّهود أنْ تضارُّوهم، وفي غير ذلك من حدوده أن تضيِّعوها.

ويعني بقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله: ويبيِّن اللهُ لكم الواجبَ لكم وعليكم فاعملوا به، ﴿وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم يعني من أعمالكم وغيرها يحصيها عليكم فيجازيكم بها».

وقال أبو حيَّان في «البحر المحيط» (1 /371): «وليست في معنى واحد؛ فالأولى حثٌّ على التَّقوى، والثَّانية تُذكِّر بالنِّعم، والثَّالثة تتضمَّن الوعد والوعيد».

وقال البيضاوي في «أنوار التَّنزيل» (1 /271): «﴿وَاتَّقُواْ الله في مخالفة أمره ونهيه، ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله أحكامه المتضمّنة لمصالحكم، ﴿وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم كرَّر لفظة الله في الجمل الثَّلاث لاستقلالها، فإنَّ الأولى حثٌّ على التَّقوى، والثَّانية وَعْدٌ بإنعامه، والثَّالثة تعظيمٌ لشأنه».

وقال محمَّد الطَّاهر بن عاشور في «التَّحرير والتَّنوير» (3 /118) في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ الله: «أمرٌ بالتَّقوى؛ لأنَّها ملاك الخير، وبها يكون ترك الفسوق، وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله تذكير بنعمة الإسلام الَّذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشَّريعة...».

الخامس: أنَّ «العلم ثمرة التَّقوى» معنى صحيح يستفاد من أدلَّة أخرى وليس من هذه الآية.

يقول الشَّيخ ابن عثيمين رحمه الله في «تفسير سورة البقرة» (3 /410): «لأنَّ تعليم الله لنا حاصل مع التَّقوى وعدمها، وإنْ كان العلم يزداد بتقوى الله؛ لكن هذا يؤخذ من أدلَّة أخرى».

¹ وللعلم فإنَّ بعض المفسِّرين كابن كثير رحمه الله اقتصر في تفسير الآية على المعنى الَّذي لا تعطيه الآية، وجعله نفس المعنى الَّذي دلَّت عليه آيات أخرى، وأمَّا غيره فذكره بغير صيغة الجزم الَّتي تدلُّ على اعتباره، وإنَّما ذكروه بما ينبئ عن توهينه وعدم رجحانه(6).

ومن الآيات الدَّالَّة على صحَّة عبارة: «العلم ثمرة التَّقوى» قوله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ...[الأنفال:29]، فالفرقان في هذه الآية العلم الَّذي يفرَّق به بين الحقِّ والباطل(7)، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيم[الحديد:28]، فقوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، يعني عِلْمًا وهدًى تفرِّقون به بين الحقِّ والباطل(8).

فالاستشهاد بهاتين الآيتين أولى لبيان أنَّ «العلم ثمرة التَّقوى» وليست آية البقرة، الَّتي إن جاز الاستشهاد بها على هذا الَّذي ذُكِر؛ فإن ذلك من باب ما يتضمَّنه العطف من معنى الاقتران والتَّلازم في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله، وليس من العطف الَّذي يقتضي أنَّ الأوَّل سبب الثَّاني، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (9):

«وقد شاع فى لسان العامة أن قوله: ﴿وَاتَّقُواْ الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله من الباب الأوَّل، حيث يستدلُّون بذلك على أنَّ التَّقوى سبب تعليم الله؛ وأكثر الفضلاء يطعنون فى هذه الدّلالة؛ لأنَّه لم يربط الفعل الثَّانى بالأوَّل ربطَ الجزاء بالشَّرط، فلم يقل: «واتَّقوا الله ويعلمكم»(10)، ولا قال: «فيعلمكم»، وإنَّما أتى بواو العطف، وليس من العطف ما يقتضي أنَّ الأوَّل سبب الثَّانى، وقد يُقال: العطف قد يتضمَّن معنى الاقتران والتَّلازم، كما يُقال: «زرنى وأزورك»، و«سلِّم علينا ونسلِّم عليك»، ونحو ذلك ممَّا يقتضي اقتران الفعلين والتَّعاوض من الطَّرفين، كما لو قال لسيِّده: «أعتقني ولك عليَّ ألف» أو قالت المرأة لزوجها: «طلِّقني ولك ألف» أو «اخلعني ولك ألف»، فإنَّ ذلك بمنزلة قولها: «بألف» أو «عليَّ ألف».

وكذلك أيضًا لو قال: «أنت حرٌّ وعليك ألف» أو «أنت طالق وعليك ألف»؛ فإنَّه كقوله: «عليَّ ألف» أو «بألف» عند جمهور الفقهاء، والفرق بينهما قول شاذٌّ، ويقول أحد المتعاوضين للآخر: «أعطيك هذا وآخذ هذا»، ونحو ذلك من العبارات، فيقول الآخر: «نعم»؛ وإن لم يكن أحدهما هو السَّبب للآخر دون العكس، فقوله: ﴿وَاتَّقُواْ الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله قد يكون من هذا الباب، فكلٌّ مِنْ تعليم الرَّبِّ وتقوى العبد يقارب الآخر ويلازمه ويقتضيه، فمتى علَّمه الله العلم النَّافع اقترن به التَّقوى بحسب ذلك، ومتى اتَّقاه زاده من العلم وهلمَّ جرًّا» اهـ.



(1) راجع العدد الثَّالث من مجلَّتنا (ص6).

(2) «تفسير المنار» (3 /128)، وانظر: «بيان تلبيس الجهميَّة» (1 /256).

(3) راجع «تفسير المنار» (3 /128)، و«صفوة الآثار والمفاهيم» (3 /563).

(4) راجع «تفسير المنار» (3 /128)، و«صفوة الآثار والمفاهيم» (3 /563).

(5) «مفتاح دار السعادة» (1 /178).

(6) انظر: «البحر المحيط» (1 /371)، «التَّسهيل لعلوم التَّنزيل» (1 /132)،«تيسير الكريم الرَّحمن» (1 /224).

(7) «أضواء البيان» (2 /260).

(8) «أضواء البيان» (1 /261).

(9) «مجموع الفتاوى» (18 /177 ـ 178).

(10) هكذا في الأصل، ولعلَّ الصَّواب بدون ذكر الواو.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 12»