أنت هنا:القرآن وعلومه»التقعيد للوصول إلى الحكم الشرعي للتجويد

التقعيد للوصول إلى الحكم الشرعي للتجويد

  • سمير بن علي زبوجي
تم قراءة المقال 580 مرة

 

لقد اختلف المتأخِّرون في الحكم الشَّرعيِّ للتَّجويد؛ وهذا متوقِّف على الإحاطة بحدوده، الَّتي ستُبسط في هذه السُّطور؛ لأنَّ الحكم على الشَّيء فرع عن تصوُّره.

ومعلوم أنَّ مبادئ أيِّ علم عشرة على الأقلِّ؛ وهي أحد عشر بالنِّسبة لعلم التَّجويد.

* اسمه: علم التَّجويد.

* حدُّه: علم تُعرفُ به القراءة الصَّحيحة للقرآن الكريم وأحكامها.

والقراءة الصَّحيحة هي التَّجويد، وهو قراءة القرآن بلغة العرب، ومن لغة العرب: تفخيم المستعلى(1)، وإدغام المدغم(2)، وإخفاء المخفى(3)، وغيرها من صفات الحروف، وإخراج كلِّ حرف من موضعه من أعضاء النُّطق(4)، والابتداء بمتحرِّك(5)، والوقف على ساكن(6) أو غيره من بعض الحركات من إشمام ورَوْمٍ(7)، والابتداء بكلام مفهوم(8)، والوقف على عبارة لها معنًى صحيح مقصود(9)، وترك التَّكلُّف في كلِّ ذلك(10).

فالتَّجويد: إقامة الحروف وحسن الوقف والابتداء من غير تكلُّف.

وإقامة الحروف: إخراجها من مخرجها وإعطاؤها صفاتها اللازمة والعارضة.

وصفات الحروف اللازمة: هي الَّتي لا تنفكُّ عن الحرف بحال، كالهمس، والاستعلاء، والصَّفير، وغيرها.

وحسن الوقف يشمل: كيفيَّة الوقف على أواخر الكلم، ومواضع الوقف الجائزة.

وحسن الابتداء يشمل: كيفيَّة الابتداء، ومواضع الابتداء الجائزة.

أمَّا أحكام التَّجويد: فهي قواعد وضعها العلماء بالاستقراء وتتبُّع النَّقل الصَّحيح، ـ بسبب فشوِّ اللَّحن ـ، يُلتَزَمُ بها عند قراءة القرآن الكريم.

هذا؛ ويطلق التَّرتيل على التَّجويد تجوُّزًا، وهو أعمُّ منه؛ قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً[المزَّمل:4]؛ فالتَّرتيل مصدر رتَّل بمعنى تلا؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ[البقرة:121]، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ معناه: يتَّبعونه حقَّ الاتِّباع، فأشمل تعريف للتَّرتيل: تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف(11)؛ وتجويد الحروف إقامتها.

وقد جعل بعضهم التَّرتيل مرتبة، وليس كذلك؛ وإنَّما مراتب القراءة ثلاثة(12) نقلا وعقلا، وهي:

ـ التَّحقيق: وهو القراءة ببطء واطمئنان، دون مبالغة إلى حدِّ التَّمطيط.

ـ الحَدْرُ: وهو القراءة بسرعة وخفَّة، دون مبالغة إلى حدِّ الخلط.

ـ التَّدوير: وهو القراءة بالتَّوسُّط بين مرتبتي التَّحقيق والحدر.

وجمعها ابن الجزريِّ في قوله(13): 

وَيُقْرَأُ القُرْآنُ بـالتَّحْقِيقِ مَعْ   حَدْرٍ وَتَدْوِيرٍ وَكُلٌّ مٌتَّبَعْ

مَعْ حُسْنِ صَوْتٍ بِلُحُونِ العَرَبِ   مُرَتَّلا مُجَوَّدًا بِالعَرَبِي

واختار بعضهم التَّحقيق لأصحاب المدِّ الطَّويل، والحدر لأصحاب المدِّ القصير، والتَّدوير لأصحاب المدِّ المتوسِّط، مع جواز المراتب الثَّلاث لجميعهم.

واختُلف أيُّ المراتب أفضل؟ وأعدل الأقوال ما كانت الأخشع للقلب حسب الأشخاص؛ وهو مذهب مالك الإمام(14).

وقد ينكر بعضهم الحدر؛ لما رواه البخاريُّ(15) في باب التَّرتيل في القراءة عن أبي وائل، عن عبد اللَّه قال: «غَدَوْنا على عبد اللَّه، فقال رجل: قرأت المفصَّل(16) البارحة؛ فقال: هذًّا كهذِّ(17) الشِّعر، إنَّا قد سمعنا القراءة(18)، وإنِّي لأحفظ القرناء(19) الَّتي كان يقرأ بهنَّ النَّبيُّ ﷺ، ثماني عشرة سورة من المفصَّل، وسورتين من آل حم».

فليعلم أنَّ الصَّحابةَ كلَّهم رضي الله عنهم مجوِّدون مرتِّلون، وكذلك التَّابعون؛ أمَّا المتأخِّرون فكثير منهم مجوِّدون، وقليل منهم مرتِّلون إلا من رحم ربُّك، بخلاف الأوائل من السَّلف الصَّالح لا يُتصوَّر بينهم مجوِّد غير مرتِّل!!

وأمَّا إنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه القراءة السَّريعة فيُحمل على المبالغة في السُّرعة إلى حدِّ الخلط، وتدخل المراتب الثَّلاثة في التَّجويد كما قدَّمنا، ويطلق على ثلاثتها التَّرتيل تجوُّزًا؛ كيف لا؟! وقد روى البخاريُّ في «صحيحه»(20) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ يخفِّفُ الرَّكعتين اللَّتين قبل صلاة الصُّبح حتَّى إنِّي لأقول هل قرأ بأمِّ الكتاب».

هذا ويطلق قوم التَّرتيل على التَّغنِّي، وليس بصحيح؛ وإنَّما التَّغنِّي: تزيين الصَّوت وتحبيره، روى الدَّارميُّ والحاكم عن البراء ابن عازبٍ رضي الله عنه عن رسول اللَّه ﷺ قال: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فَإِنَّ الصَّوْتَ الحَسَنَ يَزِيدُ القُرْآنَ حُسْنًا» وصحَّحه الألبانيُّ رحمه الله(21)؛ وفي بيان استحباب التَّغنِّي أحاديث صحيحة أخرى.

* موضوعه: القرآن الكريم من حيث أداء لفظه، وحقيقته، وطريق الوصول إليه.

* واضعه: علماء اللُّغة والقراءة؛ وأوَّل تأليف فيه وصل إلينا نظم أبي مزاحم موسى ابن عبد الله الخاقاني(22).

* مسائله: قضاياه الكلِّيَّة، كقولهم: تخفى كلُّ ميم ساكنة بعد باء، نحو: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ[الفِيل:4].

* مدارسه: أربع: مغربيَّة، عراقيَّة، شاميَّة، مصريَّة؛ فأمَّا العراقيَّة فلم يبق أثر لما اختصَّت به(23)؛ وأمَّا المغربيَّة فهي في طريق الانقراض.

* استمداده: من النُّقول الصَّحيحة عن رسول اللَّه ﷺ، وما يوافقه من كلام العرب.

* فضله: من أشرف العلوم الشَّرعيَّة لتعلُّقه بكلام الله سبحانه وتعالى.

* نسبته إلى العلوم الأخرى: التَّباين، بمعنى أنَّه لا يحتاج إلى علوم أخرى، وفيه تفصيل؛ أمَّا التَّجويد فلا يحتاج إلى علم آخر، حيث يتلقَّى الطَّالب مباشرة من فم الشَّيخ؛ إذ التَّجويد أذن وفم(24)؛ وأمَّا أحكام التَّجويد فلابدَّ لها من اللُّغة لفهمها.

* فائدته: صون اللِّسان عن الخطإ والتَّحريف في كلام الله عز وجل، وقال عبد الوهَّاب القرطبيُّ(25) فيما يستفاد بتهذيب الألفاظ وما تكون الثَّمَرة الحاصلة عند تثقيف اللِّسان: «اعلم أنَّ المستفاد بذلك حصول التَّدبُّر لمعاني كتاب اللَّه تعالى، والتَّفكُّر في غوامضه، والتَّبحُّر في مقاصده ومرامزه(26)، وتحقيق مراده ـ جلَّ اسمه ـ من ذلك، فإنَّه تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب[ص:29]؛ وذلك أنَّ الألفاظ إذا أُجلِيَتْ على الأسماع في أحسن معارضها، وأحلى جهات النُّطق بها حسب ما بعث به رسول الله ﷺ بقوله: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ»(27)، كان تلقِّي القلوب لها وإقبال النُّفوس عليها بمقتضى زيادتها في الحلاوة والحُسنِ على ما لم يبلغْ ذلك المبلغَ منها، فيحصلُ حينئذٍ الامتثال لأوامره، والانتهاء عن مناهيه، والرَّغبة في وعده، والرَّهبة من وعيده، والطَّمع في ترغيبه، والانزجار بتخويفه، والتَّصديق بخبره، والحذر من إهماله واستدراجه، إلى غير ذلك من شريف الخلال والإحاطة بمعرفة الحرام والحلال؛ وتلك فائدةٌ جسيمة ونعمة لا يهمل ارتباطها إلا محروم(28)» اهـ.

* الحكم الشَّرعيُّ فيه: ليعلم أوَّلا أنَّ لفظة التَّجويد لم يصطلَح عليها بالمعنى المتقدِّم إلا بعد القرن الرَّابع من الهجرة النَّبويَّة، لهذا لا نجدها مبسوطة في الكتب بذلك المعنى قبل ذلك القرن؛ وإذا تقرَّر ما سبق بسطه في الحدِّ فيتبيَّن أنَّ الحكم الشَّرعيَّ لأحكام التَّجويد حكم سائر علوم الآلة، وهو الوجوب الكفائيُّ.

أمَّا التَّجويد فالصَّحيح أنَّه واجب وجوبًا عينيًّا على كلِّ من أراد أن يقرأ شيئًا من القرآن، لعموم قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً[المزَّمل:4]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ[الزُّمَر:28]، ومن لغة العرب ما قدَّمنا قبل؛ فمن أخلَّ بشيء من ذلك فقد قرأ القرآن بغير لغة العرب؛ وقد اتَّفق الأئمَّة الثَّلاثة ـ وهو القول الأخير لأبي حنيفة ـ أنَّه لا تصحُّ الصَّلاة لمن قرأ القرآن بغير لغة العرب(29).

قال ابن الجزريِّ (ت833هـ):

والأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْمٌ لاَزِمُ    مَـنْ لَـمْ يُـجَـوِّدِ الـقُرَآنَ آثِمُ

لأَنَّـــهُ بِـــهِ الإِلَـــــــــهُ أَنْــــــزَلا    وَهَكَذَا مِنْهُ إِلـَيْنَـا وَصَلا

ففي هذين البيتين بيَّن الحكم الشَّـرعيَّ للتَّجويد؛ وهو عنده واجب؛ وذلك ظاهر من قوله: (حَتْمٌ)، ومن تأكيده بقوله: (لازمٌ)، وكلا اللَّفظين من ألفاظ الوجوب؛ وفي قوله: (منْ لَمْ يُجَوِّدِ القُرَآنَ آثِمُ) بيان لنوع الوجوب؛ وهو: العينيُّ؛ ودليله لهذا الحكم الشَّرعيِّ هو أنَّ اللَّه أنزل القرآن بالتَّجويد، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً[الفرقان:32]، وأمر به ـ جلَّ جلاله ـ في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً[المزَّمل:4]؛ وحيث إنَّ القرآن وصل إلينا كذلك، أي: مجوَّدًا، جيلا عن جيل؛ حيث إنَّ القراءة سنَّة متَّبعة يتلقَّاها الآخر عن الأوَّل(30)، ووصلت إلينا بالتَّواتر؛ ولذا قال النَّاظم:

لأنَّـــهُ بِـــــهِ الإِلَــــهُ أَنْــــزَلاَ    وَهَكَذَا مِنْهُ إِلَيْنَا وَصَلاَ

وهذا استدلال كاف على الوجوب، لا حاجة لدليل آخر معه.

هذا، وقيل: إنَّ ابن الجزريِّ أوَّل من قال بالوجوب العينيِّ، وإنَّما القراءة بالتَّجويد واجبة وجوبًا كفائيًّا؛ وقيل: مستحبَّة شرعًا؛ وقيل: بدعة!! والصَّحيح ما قدَّمنا.

وأمَّا ادِّعاء أنَّ ابن الجزريِّ أوَّل من قال بالوجوب العينيِّ، فخطأ؛ لأنَّ الدَّانيَّ (ت444هـ) قال في «التَّحديد»: «وهذا الحديث(31) أيضًا أصل كبير في وجوب معرفة تجويد الألفاظ وكيفيَّة النُّطق بالحروف على هيئتها وصيغتها، وأنَّ ذلك لازم لكلِّ قرَّاء القرآن أن يطلبوه ويتعلَّموه، وواجب على جميع المتصدِّرين أن يأخذوه ويعلِّموه، اقتداءً برسول الله ﷺ في ما أمر به، واتِّباعًا على ما أكَّده بفعله ليكون سنَّة يتَّبعها القرَّاء، ويقتدي بها العلماء»(32) اهـ.

وأمَّا استدلال بعضهم لاستحباب التَّجويد بحديث جابرٍ رضي الله عنه، حيث قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابيُّ والأعجميٌّ، فقال: «اِقْرَؤُوا فَكُلٌّ حَسَنٌ، وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ القِدْحُ(33)، يَتَعَجَّلُونَهُ وَلا يَتَأَجَّلُونَهُ»(34)، فبعيد! ذلك أنَّ الأعرابيَّ يقرأ قراءةً صحيحة لا غبار عليها، والأعجميُّ قد يلحن لحداثة نطقه بالعربيَّة، فلا يطاوعه لسانه في بعض الأحرف أحيانًا، ولكنَّه يقرأ بالتَّجويد حسب طاقته كما تلقَّى.

وقد يستدلُّ آخرون بما رواه الشَّيخان عن عائشة رضي الله عنها عن رسول اللَّه ﷺ قال: «المَاهِرُ بِالقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ»، ولا حجَّة لهم فيه؛ لأَنَّ الماهر الحاذق الكامل الحفظ، الَّذي لا يتوقَّف، ولا تشقُّ عليه القراءة لجودة حفظه وإتقانه؛ وأمَّا الَّذي يتتعتع فيه فهو الَّذي يتردَّد في تلاوته لضعف حفظه»(35).

أمَّا من قال ببدعيَّة التَّجويد فلا حجَّة له، وكيف يقول: أحكام التَّجويد ليست من لغة العرب؟! وهو يدرس في اللُّغة الإدغام وجميع أبواب التَّجويد ويدرِّسها للطُّلاب!!! فما الفائدة من هذه الدِّراسة(36)؟!

هذا، والقول بالوجوب ليس على الإطلاق كما يظنُّه بعضهم؛ وإنَّما الواجب أن يخرج القارئ الحروف من مخارجها، معطيًا لها جميع صفاتها اللازمة والعارضة قدر الاستطاعة من غير تكلُّف.

أمَّا تحديد مقدار الغنَّة(37) والتزامه في جميع مواضعها فغير واجب، وزيادة المدِّ في المدِّ اللاَّزم(38) والواجب(39) واجبة وجوبًا شرعيًّا، لكن المقدار المحدَّد في كتب المتأخِّرين ليس واجبًا التزامه؛ لأنَّ المتقدِّمين اختلفوا في مقدار المدِّ اللازم، فقدَّره الجمهور طولا، وقدَّره بعضهم توسُّطًا(40)، فالواجب عدم القصر في النَّوعين؛ ونقل صاحب «الإتحاف»(41) عن الرَّمليِّ(42) أنَّ الواقف بالحركة كاملة ـ ولو بالفتح ـ لا إثم عليه.

هذا، والواجب على المؤذِّن أن يقيم حروف ألفاظ الأذان؛ وألا يزيد في مقدار المدِّ عن الحدِّ؛ ولا تجوز الزِّيادة على المقدار الأصليِّ في الألف إلا إذا أتى بعدها همز أو سكون، وكذا تجوز الزِّيادة في الواو اللَّيِّنة في أذان صلاة الفجر عند قوله: الصَّلاة خير من النَّوم، إذ بعدها سكون؛ وأمَّا إذا لم يأت بعدها همز ولا سكون فلا تصحُّ الزِّيادة، وما يفعله بعضهم من الزِّيادة في لفظ الجلالة من قولهم: اللَّه أكبر، فخطأٌ؛ وهو مدُّ تشويه، لا تعظيم له كما زعم بعضهم. 

وأمَّا التَّغنِّي فهو مستحبٌّ؛ وعلى المسلم تزيين قراءته بصوته قدر استطاعته،من غير أن يكلِّف نفسه بتعلّم الأنغام المستفادة من علم الموسيقى، الموسومة بالمقامات الموسيقيَّة، فهذا العمل حرام من أوجه؛ منها: أنَّه يصرف القلب عن الخشوع الَّذي هو صفة المؤمنين، كما أخبر بذلك عنهم الله عز وجل حيث قال: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَاد[الزُّمَر:23]، فترى بعض القرَّاء اليوم يتكلَّفون في جعل القرآن مقاطع، ويشتغلون باختيار المقام المناسب لكلِّ مقطع، فيبتعدون كلَّ البعد عن الغاية الَّتي أنزل لأجلها القرآن، وهي التَّدبُّر؛ كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب[ص:29]؛ وربَّما يخطِّئُ أصحاب المقامات من لا يوافقهم، بل وقد يلزمون الشَّباب إن كانوا ـ أي أصحاب المقامات ـ في مناصب على المسابقات مثلا، وهم ـ أصحاب المقامات ـ بعيدون كلَّ البعدِ عن التَّجويد، وما أطلقنا عليهم وصف القارئ إلاَّ على ما قاله أبو مُزاحم الخاقانيُّ:

فَـمَـا كُـلُّ مَن يَتْلُـو الكِتَابَ يُقِيمُه    ومَا كُلُّ مَنْ فِي النَّاسِ يُقْرِئُهُمْ مُقْرِي

وقد يردُّ قائل القول بوجوب التَّجويد لما نقله بعض العلماء من الإجماع على استحباب التَّرتيل، منهم:

ـ ابن قدامة في «المغني»(43) ما نصُّه: «واتَّفق العلماء على أنَّه تستحبُّ قراءة القرآن بالتَّحزين والتَّرتيل والتَّحسين».

ـ النَّوويُّ في «التِّبيان»(44) ما نصُّه: «وينبغي أن يُرَتِّل قراءته، وقد اتَّفق العلماء رضي الله عنهم على استحباب التَّرتيل، قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً[المزَّمل:4]»، وقوله في «المجموع»(45): «يُستَحَبُّ ترتيل القراءة وتدبُّرها، وهذا مجمع عليه؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً[المزَّمل:4]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ[ص:29].

ـ السَّفَّارينِيُّ في «غذاء الألباب شرح منظومة الآداب»(46)، ما نصُّه: «فالعلماء متَّفقون على استحباب تحسين الصَّوت بالقراءة، وترتيلها ما لم تخرج عن حدِّ القراءة بالتَّمطيط» اهـ.

فالجواب أنَّهم قصدوا بالتَّرتيل التَّحقيق والتَّغنِّي؛ ودليل ذلك أنَّ تمام كلام النَّوويِّ في «التِّبيان»(47): «وثبت عن أمِّ سلمة رضي الله عنها أنَّها نعتت قراءة رسول الله ﷺ: «قراءة مفسِّرة حرفًا حرفًا» رواه أبو داود والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ؛ قال التِّرمذيُّ: «حديث حسن صحيح»، وعن معاوية ابن قرَّة رضي الله عنه عن عبد اللَّه بن مغفَّل رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكَّة على ناقته يقرأ سورة الفتح، فرجَّع في قراءته» رواه البخاريُّ ومسلم، وعن مجاهد أنَّه سئل عن رجلين: قرأ أحدهما البقرة وآل عمران، والآخر البقرة وحدها، وزمنُهما وركوعهما وسجودهما وجلوسهما سواء؟ قال: «الَّذي قرأ البقرة وحدها أفضل»، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: «لأَنْ أقرأَ سورةً أرتِّلها أحَبُّ إليَّ من أن أقرأ القرآن كلَّه».

وقد نهي عن الإفراط في الإسراع، ويسمَّى الهذرمة، فثبت عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه أنَّ رجلا قال له: إنِّي أقرأ المفصَّل في ركعة واحدة، فقال عبد اللَّه بن مسعود: «هذًّا كهذِّ الشِّعر! إنَّ أقوامًا يقرؤُون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع» رواه البخاريُّ ومسلم، وهذا لفظ مسلم في إحدى رواياته.

قال العلماء: «والتَّرتيل مستحبٌّ للتَّدبُّر ولغيره؛ قالوا: يستحبُّ التَّرتيل للعجميِّ الَّذي لا يفهم معناه؛ لأنَّ ذلك أقرب إلى التَّوقير والاحترام، وأشدُّ تأثيرًا في القلب» اهـ.

وقال في «المجموع»(48): «وترتيل القرآن: وصل الحرف والكلمات على ضربٍ من التَّأنِّي؛ وليس من التَّرتيل فصل الحروف، ولا الوقف في غير موضعه» اهـ.

فظاهر من كلام النَّوويِّ أنَّه قصد بالتَّرتيل التَّحقيق، وكذا السَّفَّاريِنيُّ فكلامه ظاهر أيضًا من قوله: «ما لم تخرج عن حدِّ القراءة بالتَّمطيط»، وتمام كلامه رحمه الله: «فإذا انتهى إلى التَّمطيط كان ممنوعًا»، قال: «وقد أومأ الإمام أحمد إلى معنى هذا؛ فقال في رواية أبي الحارث: تعجبني قراءة القرآن السَّهلة، ولا تعجبني هذه الألحان».

وأمَّا ابن قدامة فقد قال في موضع آخر(49): «والتَّرتيل أفضل من قراءة الكثير مع العجلة؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً[المزَّمل:4]».

ـ وخلاصة ما تقدَّم:

حكم التَّجويد: واجب وجوبًا عينيًّا على التَّفصيل المتقدِّم لمن أراد أن يقرأ شيئًا من القرآن الكريم، واللَّه أعلم.

***

وفي الختام، أسأل الله الإخلاص والتَّوفيق والسَّتر والسَّداد.

وصلِّ اللَّهمَّ وبارك على محمَّد نبيِّك المختار، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار، ومن اقتفى آثارهم ما تعاقب اللَّيل والنَّهار.



(1) ينظر: «المعجم الوسيط» (2/ 709).

(2) ينظر: «أسرار العربيَّة» (358).

(3) ينظر: «الكتاب» (4/ 432، و436).

(4) ينظر: «سرُّ الفصاحة» (33).

(5) ينظر: «سرُّ الفصاحة» (33).

(6) ينظر: «سرُّ الفصاحة» (33).

(7) «شرح شافية ابن الحاجب» (2/ 272).

(8) ينظر: «الأصول في النَّحو» (2/ 60).

(9) ينظر: «التَّوقيف على مهمَّات التَّعريف» (170).

(10) «الأصول في النَّحو» (2/ 60).

(11) وينسب هذا التَّعريف لعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

ينظر: «التَّمهيد» (60)، و«النَّشر» (1/ 209)، وهي نسبة لا أصل لها!

(12) «النَّشر» (1/ 205).

(13) «طيبة النَّشر في القراءات العشر» (36).

(14) «فتح المجيد» (28).

(15) «صحيح البخاري» (5043).

(16) مِن سورة (ق) إلى آخر سورة (النَّاس).

(17) الهَذُّ: السُّرْعَةُ.

(18) يعني: قراءة النَّبِيِّ ﷺ.

(19) يعني السُّور الَّتي كان يجمع بينها النَّبيُّ ﷺ في صلاته.

(20) (1171).

(21) ينظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» (771).

(22) أبو مُزاحِم موسى بن عبيد اللَّه بن يحيى ابن خاقان، المعروف بأبي مزاحم الخاقاني، من أهل بغداد العراق؛ ولد سنة (248)، كان حافظًا محدِّثًا عالمًا بالعربيَّة وشاعرًا، وهو أوَّل من صنَّف في التَّجويد، توفِّي سنة (325)، ومن آثاره قصيدة في التَّجويد، وقصيدة في الفقهاء.

(23)  ومن خصائصها: إظهار الميم عند الباء، وتوسط المدِّ اللازم.

(24) قاله شيخنا شيخ قرَّاء دمشق محمد كريّم راجح، نقلا عن شيخه الشَّيخ محمود فائز الدِّيرْعَطَانِيِّ؛ ومعناه حسن الاستماع وحسن الأداء.

(25) عبد الوهَّاب بن محمَّد بن عبد الوهَّاب بن عبد القدُّوس الأْنصاريُّ، المعروف بأبـي القاسم عبد الوَّهَّاب القرطبيِّ، ولد سنة (403)؛ كان خطيبًا بمسجد الجامع بقرطبة، وكان مقرئًا حافظًا حسن الضَّبط عارفًا بطرق القراءات، توفِّي سنة (462)؛ وقيل: (461)؛ ومن آثاره: «الموضِحُ في التَّجويد»، وكتاب «المفتاح في القراءات».

(26) ولعلَّه قصد: مراميه.

(27) رواه أبو داود (1468) والنسائي (1015) وصحَّحه الألباني.

(28) «الموضح فـي التَّجويد» (24).

(29) «فتح المجيد» (16).

(30) صحَّ عن غير واحد من الصَّحابة رضي الله عنهم قال: «اقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ».

(31) يريد حديث أبـيٍّ رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ القُرْآنَ» رواه بهذا اللَّفظ ابن أبي شيبة فـي «مصنَّفه» (7/ 533).

(32) «التَّحديد» (79 ـ 80).

(33) بكسر القاف وسكون الدَّال، وهو عود السَّهْم، أَمَّا القَدَحُ بفتح الحرف الأوَّل والثَّاني فهو إناء.

(34) رواه أبو داود في «سننه» (830)، وأحمد (14855).

ينظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» (259).

(35) قاله النَّووي في «شرح صحيح مسلم» (3/ 344).

(36) ومرَّت الإشارة إلى بعض كتب اللُّغة الَّتي ذكرت هذه الأبواب.

(37) بحركتين، والحركة مقدار النُّطق بحرف متحرِّك.

(38) ما كان بعد أحد أحرف المدِّ السَّاكن ساكنٌ لازمٌ وصلا ووقفًا، نحو: الضَّالِّينَ.

(39) ما اتَّصل حرفه بسببه، نحو: يشاء.

(40) ينظر: «النَّشر» (1/ 317، و318).

(41) «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 313)، لأحمد ابن محمَّد بن أحمد بن عبد الغنيِّ الدِّمْيَاطِي الـمعروف بشهاب الدِّين البَنَّاءِ؛ ولد بِدِمْيَاطِ مَصْرَ؛ تلقَّى العلم على عدَّة شيوخ، منهم الشَّيخ سلطان الـمَزَّاحِي؛ وَجَمَعَ القِرَاءَاتِ مِنْ طريق الطَّيِّبة على أبي الضِّياء النُّور الشَّبْرَامُلْسِيِّ؛ تُوُفِّيَ رحمه الله سنة سبع عشرة ومائة وألف بالمدينة النَّبويَّة.

(42) أحمد بن أحمد بنِ محمَّد بن عبد الله بن زهير الرَّمليُّ الدِّمشقيُّ الشَّافعيُّ المقرئ الشَّاعر؛ ولد (854)، برملةَ فلسطين الشَّام، وبها منشؤه، ثمَّ انتقل إلى دمشق، وحفظ «المنهاج»، و«ألفيَّة النَّحو والحديث»، و«الشَّاطِبِيَّتَيْنِ»، و«الدُّرَّةَ» في القراءات الثَّلاث، وعرض على جماعة؛ توفِّي سنة (923).

(43) (14/ 168).

(44) (71).

(45) (3/ 362، و363).

(46) (1/ 138).

(47) (71، و72).

(48) (3/ 360).

(49) «المغني» (2/ 612).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 27»