أنت هنا:القرآن وعلومه»الخرافة عند الطرقيين

الخرافة عند الطرقيين

  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 874 مرة

 

إنَّ ممَّن أفسد عقيدة المسلمين قومًا اختلقوا الأباطيل وركَّبوا الأحاجيَّ ونشروا الخرافات غلوًّا في المخلوق وترويجًا للشِّرك ودعوةً للطُّرق الضَّالَّة وتشويها لجمال الإسلام وصدًّا عن السُّنَّة الشَّريفة، فـ«اختلَّت العقائد ولابسها هذا الشَّوب من الخرافات والمعتقدات الباطلة فضعفت ثقتنا بالله ووثقنا بما لا يوثق به»(1).

إنَّ الخرافة ـ وهي الحديث المستملح من الكذب، أو الحكاية المختلقة يُتَعجَّب منها ـ سبب لاستفحال الجهل والدَّجل وانتشار الشِّرك والبدع وفشوِّ الفواحش والإلحاد.

قال العلاَّمة محمَّد البشير الإبراهيمي رحمه الله: «وإنَّك لا تبعد إذا قلت: إنَّ لفشوِّ الخرافات وأضاليل الطُّرق بين الأمَّة أثرًا كبيرًا في فشوِّ الإلحاد بين أبنائها المتعلِّمين تعلُّمًا أوروبِّيًّا، الجاهلين بحقائق دينهم؟! لأنَّهم يحملون من الصِّغر فكرة أنَّ هذه الأضاليل الطُّرقيَّة هي الدِّين، وأنَّ أهلها هم حملة الدِّين، فإذا تقدَّم بهم العلم والعقل لم يستسغها منهم علم ولا عقل، فأنكروها حقًّا وعدلا، وأنكروا معها الدِّين ظلمًا وجهلا؟ وهذه إحدى جنايات الطُّرقيَّة على الدِّين، أرأيت أنَّ القضاء على الطُّرقيَّة  قضاء على الإلحاد في بعض معانيه وحسم لبعض أسبابه؟»(2).

وسأنبِّه ـ إن شاء الله ـ في هذه المقالة على بعض ما ينشره المتصوِّفة ويذيعه القبوريُّون والطرقيُّون من حكايات وأحوال عن شيوخهم، وأقوال وأفعال تتعلَّق بالأولياء والصَّالحين، والحقيقة أنَّها خرافات لا يعضُدها دليلٌ شرعيٌّ ولا يؤيِّدها برهان عقليٌّ، ومع ذلك تعتقد ويُعمل بها ويتوارثها جيل عن جيل.

قال العلاَّمة مبارك الميلي رحمه الله في كتابه القيِّم «رسالة الشِّرك ومظاهره»: «الاعتماد في دينهم ـ أي الطُّرقيِّين ـ على الخرافات والمنامات وما يربي هيبتهم في قلوب مريديهم من حكايات، ولا يتَّصلون بالعلماء إلا بمن أعانهم على استعباد الدَّهماء، والرَّدِّ على المرشدين النُّصحاء؛ بتأويل ما هو حجَّة عليهم، وتصحيح الحديث الموضوع إذا كان فيه حجَّة لهم»(3).

وقال: «وتلك عادة المبتدعين من قديم، لا يعنون بمحكم الذِّكر وصحيح الأثر، ولكن بالحكايات المختلقات والأضاليل الملفقات»(4).

لقد أثَّرت الخرافة على عقول الكثير من النَّاس، فآمنوا بأباطيل وخزعبلات ترفضها الفطر السَّليمة وتضحك منها العقول المستقيمة، آمن بها الرِّجال والنِّساء والكبار والصِّغار والجهَّال والمثقَّفون والحكَّام والمحكومون والأساتذة والسِّياسيِّون، بل اعتقدها ـ بكلِّ أسف ـ بعضُ المنتسبين للعلم الشَّرعي.

فاعتقدوا أنَّ النَّفع والضَّرَّ بيد السَّحرة والدَّجَّالين والمشعوذين، وأنَّ الشِّفاء والرِّزق والولد عند من يقال عنهم: إنَّهم أولياء وصالحون، وآمنوا بتأثير التَّمائم والأحجار والأشجار والأبراج، وعلَّقوا آمالهم وأفراحهم ومصالحهم بكلِّ ما سبق، ونسُوا الله مولاهم الحقَّ.

صدَّقوا بأنَّ للأولياء قدرةً على إحياء الموتى والتَّحدُّث معهم والمشي على الماء والعروج إلى السَّماء، وقطعِ المسافات الطَّويلة في لمح البصر أو أقرب، وأنَّهم يجتمعون مع رسول الله ﷺ كلَّ وقت، كما صدَّقوا بالأولياء المجانين(5).

صدَّقوا بوجود ضريح للوليِّ الواحد في أكثر من مكان، قال الميلي: «تجد بناءات كثيرة على مزارات عديدة، كلُّها منسوبة للشَّيخ عبد القادر الجيلاني دفين بغداد رحمه الله، وهو لم يعرف تلك الأمكنة ولا سمع بها، وهذه المزارات الجيلانيَّة تجدها غربي وطن الجزائر أكثر منها في شرقه»(6).

وسمعتُ من بعض العامَّة من يقول جازمًا: إنَّ الشَّيخ ـ وهم يقولون: سيدي ـ عبد القادر الجيلاني صلَّى أربعين سنة في البحر على رجل واحدة، وآخر أوقف القطار برجله، وآخر وُجِّه المِدْفَع إلى قبَّته، فاحترق ما حولها وانهدم، إلا ضريحه فقد بقي شامخًا ولم يُستَطع، والأمثلة كثيرة ومتنوِّعة حسَب الزَّمان والمكان، وعلى فرض وقوع شيء ممَّا ذُكِر فهي أحوال وخوارق شيطانيَّة، سببها الشِّرك والفجور، ومعلوم أنَّ المسيح الدَّجَّال الكافر الأعور أوتي ما هو أشدُّ وأكثر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فما كان سببُهُ الكفرَ والفسُوقَ والعصيانَ فَهُوَ من خَوَارِقِ أَعْدَاءِ الله لا من كَرَامَاتِ أَولِياءِ الله، فمَنْ كانت خوارقه لا تحصل بالصَّلاة والقراءة والذِّكر وقيام اللَّيل والدُّعاء وإنَّما تحصلُ عند الشِّرك، مثلُ دعاءِ الميِّت والغائب أو بالفِسقِ والعصيانِ وأكل المحرَّماتِ... ومثلِ الغناءِ والرَّقص، لاَ سيَّما مع النِّسوةِ الأجانب والمردان،... فهذه أحوالٌ شيطانيَّةٌ، وهو ممَّن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين[الزُّخرُف:36] (7).

وقال الشَّيخ عبد المحسن العبَّاد ـ حفظه الله ـ: «وأمَّا إذا كان الأمرُ الخارقُ للعادة جاء في حكايات هي أشبه بالخرافات، لا سيَّما إذا كانت واضحةً في مُخالفةِ الشَّرعِ، كالاستغاثةِ بغير الله من الأمواتِ والأحياء الغائبين، ويُزعم أنَّها كرامةٌ لِمن ادُّعيت له الولاية ـ والله أعلم بحقيقة الحال ـ فإنَّه لا يُلتفتُ إليه، ولا يُغتَرُّ به»(8).

ومن الغريب ـ أيضًا ـ أنَّهم يؤمنون بقباب ومشاهدَ وهميَّةٍ من صنع الاستعمار الفرنسي، قال الإبراهيمي: «الكثير من هذه القباب إنَّما بناها المعمِّرون الأوربِّيُّون في أطراف مزارعهم الواسعة، بعد ما عرفوا افتتان هؤلاء المجانين بالقباب، واحترامهم لها، وتقديسهم للشَّيخ عبد القادر الجيلاني، فعلوا ذلك لحماية مزارعهم من السَّرقة والإتلاف، فكلُّ معمِّر يَبني قبَّة أو قبَّتين من هذا النَّوع يأمن على مزارعه السَّرقة، ويستغني عن الحرَّاس ونفقات الحراسة، ثمَّ يترك لهؤلاء العميان ـ الَّذين خسروا دينهم ودنياهم ـ إقامة المواسم عليها في كلِّ سنة، وإنفاق النَّفقات الطَّائلة في النُّذور لها وتعاهدها بالتَّبييض والإصلاح، وقد يحضر المعمِّر معهم الزَّردة، ويشاركهم في ذبح القرابين، ليقولوا عنه إنَّه محبٌّ في الأولياء خادم لهم، حتَّى إذا تمكَّن من غرس هذه العقيدة في نفوسهم راغ عليهم نزعًا للأرض من أيديهم، وإجلاء لهم عنها»(9).

ومن أغرب ما سمعت ما ذكر لي شخص من منطقة يسَّر ـ شرقيّ مدينة الجزائر ـ أنَّ عندهم قبرًا يُزار ويُتَبَرَّك به، وتُؤْخَذ إليه العروس قبل دخولها على زوجها، وقال: من المتعارف عليه أنَّ النَّبيَّ ﷺ يأتي إلى هذا المكان.

وهكذا تُختلقُ الحكايات وتُنسجُ الأكاذيب للصَّدِّ عن سبيل الله، ولتقديس الأشخاص وعبادتهم من دون الله ـ جلَّ وعلا ـ، فالله المستعان وإليه المشتكى.

قال الميلي: «ألست ترى في أوساطهم قبابًا تبذل في شيدها الأموال، وتشدُّ لزيارتها الرِّحال؟! أم لست تسمع منهم استغاثات وطلب حاجات من الغائبين والأموات! أم لم تعلم بدور تُنعت بدار الضَّمان تشترى ضمانتها بالأثمان! أم لم تجتمع بذرية نسب للمرابطين إعطاؤها بقوَّة غيبيَّة؟! أم لم تتكرَّر عليك مناظر مكلّفين إباحيِّين يقدَّسون بصفتهم مرابطين أو طرقيِّين؟!»(10).

وقد ذكر في كتابه السَّابق أمثلة ممَّا يعتقده الطرقيُّون ويصدِّقه العامَّة، تُجلِّي لنا سيطرة الخرافات على عقولهم وتغلغلها في قلوبهم، من ذلك:

- الوليُّ عند الطُّرقيِّين والعامَّة وعقيدتهم فيه:

«أمَّا الوليُّ عند النَّاس اليوم؛ فهو إمَّا من انتصب للإِذن بالأوراد الطُّرقيَّة، ولو كان في جهله بدينه مساويًا لحماره، وإمَّا من اشتهر بالكهانة، وسمّوه حسب اصطلاحهم «مرابطًا»، ولو تجاهر بترك الصَّلاة وأعلن شرب المسكرات، وإمَّا من انتمى إلى مشهور بالولاية، ولو كان إباحيًّا لا يحرِّم حرامًا، وحقّ هؤلاء الأولياء على النَّاس الجزم بولايتهم، وعدم التَّوقُّف في دخولهم الجنَّة، ثمَّ الطَّاعة العمياء، ولو في معصية الله، وبذل المال لهم... وبعد، فهم المطلوبون في كلِّ شدَّة، ولكلِّ محتم بهم عدَّة، وهم حماة للأشخاص وللقرى والمدن، كبيرها وصغيرها، حاضرها وباديها؛ فما من قرية بلغت ما بلغت في البداوة أو الحضارة، إلا ولها وليٌّ تنسب إليه، فيقال: سيدي فلان هو مولى البلد الفلاني» (ص179 ـ 180).

ووصلت بهم البلادة والغباوة والتَّخريف في حسن الظَّنِّ بشيوخهم أنَّهم «يدافعون عن منكراتهم بأن شريبهم إنَّما يشرب عسلاً، أو أنَّه يطفئ من نور الولاية الشَّديد غلّته، وبأن زانيهم إنَّما زناه صورة خياليَّة يمتحن بها أهل المرأة ومبلغ عقيدتهم فيه» (ص435).

وهذا ينافي الإيمان والتَّقوى والصَّلاح واتِّباع السُّنَّة؟ قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُون[يونس:62-63].

وذكر قصَّة عن كاهن سكِّير ممَّن يُزْعم أنَّه من المرابطين، أنَّ رجلا طلب منه ولدًا ذكرًا، فأعطاه إيَّاه، وعيَّن له علامة تكون بجسمه عند الوضع، وقال له إن وضع بها، فهو منِّي، وإن خلا منها؛ فهو من الله (ص 194).

انظرـ رحمك الله ـ إلى هذا الشِّرك الصَّريح والكفر البَوَاح، ثمَّ انظر إلى من يصدِّقه ويحسن الظَّنَّ به، فأين هم من قول الله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُور * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير[الشورى:49-50]؟!

ومن فساد العقل وبلادة الذِّهن وتسلُّط الخرافة اعتقادُ الخرافيِّين والعوام أنَّ شيوخهم يعلمون الغيب، ويطَّلعون سرهم ونجواهم، تعالى الله عمَّا يشركون.

«والعوام ينسبون علم الغيب المطلق إلى من اتَّخذوهم أولياء، سواء سمَّاهم الشَّرع أولياء أو كهَّانًا أو سحرة أو مردة أو مجانين، فيخشون في غيبتهم أن يطَّلعوا على ما لا يرضونه منهم، ويشدُّون إليهم الرِّحال استعلامًا عن سرقة، أو استفتاء عن عاقبة حركة، وبوادي القطن ـ قرب ميلة شرقيها ـ كاهن اسمه سيدي مبارك، يأتيه المستطلعون للغيب من مئات الأميال...» (ص210).

وحدَّثه رجلٌ قائلا: «كنت عند باش تارزي شيخ الطَّريقة الرَّحمانيَّة بقسنطينة أُعلِّم القرآن، وكنت فتى تدعوني نفسي إلى غشيان النِّساء، فلم يكن يمنعني إلاَّ خشية الشَّيخ أن يطَّلع عليَّ من طريق الغيب» (ص 210).

وحدَّثه آخر أنَّه سمع اثنين يتنازعان، «فحلف أحدهما للآخر بسيِّده عبد الرَّحمن ابن الحملاوي ـ شيخ من شيوخ الطَّريقة الرَّحمانيَّة ـ ... فتغيَّر وجه المحلوف له، وأنكر على الحالف قائلا: أليس الشَّيخ عالمًا بما يجري الآن بيننا؟ قال محدِّثي: ظننته لأوَّل سماع إنكاره أنَّه ينهاه عن الحلف بالمخلوق؛ فإذا هو يكبره عن الحلف به، ويشركه مع الله في غيبه» (ص211)، سبحان الله! ألم يقرؤوا قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ الله[النمل:65].

- نذر العوام:

ينذرون للأحياء والأموات والجمادات والحيوانات طلبًا لقضاء الحاجات وتفريج الكربات.

 وقد أصبح النَّاس في جاهليتهم الحاضرة ينذرون لمن يعتقدون فيه من الأحياء والأموات والمزارات الأموالَ والثِّياب والحيوانات والشُّموع والبخور والأطعمة وسائرَ المتموّلات، ويعتقدون أنَّ نذرهم سبب يقرِّبهم من رضى المنذور له، وأنَّ لذلك المنذور له دخلا في حصول غرضهم؛ فإن حصل مطلوبُهم ازدادوا تعلُّقًا بمن نذروا له، واشتدَّت خشيتهم منه، وبذلوا أقصى طاقتهم في الاحتفال بالوفاء له (ص210).

 ويرون أنَّ روح الصَّالح فلان هنالك؛ إمَّا لأنَّه دفن هنالك، أو جلس به  (ص362(.

وصدق الله إذ قال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُون[النحل:56].

- وثالثة الأثافي قولهم في ضمان الجنَّة:

قال الميلي: «وكم شيخ نقل عنه ضمان الجنَّة لمن رآه ورأى من رآه إلى ثلاثة أجيال أو سبعة ويوم النَّظرة معروف عند التِّيجانيَّة، وهو أنَّ الشَّيخ أحمد بن سالم(11) جمع أحبابه ـ وهم مريدوه ـ من صحراء وهران وغيرها، ووقف بعين ماضي ـ مسقط رأسه قرب الأغواط ـ على ربوة، ووضع على رأسه قطعة ذهبيَّة كبيرة ليُرى، ونادى في جموعه بضمان الجنَّة لمن رآه إلى سبعة أجيال «(ص438).

انظر إلى هذه الخرافة السَّخيفة، الَّتي لم يجرؤ عليها اليهود والنَّصارى الجنَّة تضمن لمن رأى رجلا إلى سبعة أجيال، والله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون[الأعراف:43]، وقال ﷺ: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ غَالِيَةٌ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ الجَنَّةُ»(12).

تعظيم كلاب الشُّيوخ:

وبلغ الجهل والحمق بالمريدين إلى درجة تعظيم كلاب شيوخهم، «فقد تواتر أنَّ كلاب عبد الرَّحمن بن الحملاوي هامت ذات سنة في عدَّة جهات، فكان النَّاس يكرمونها بالذَّبائح والضّيافات، ولكنَّهم يؤلمونها بانتزاع شعورها تبرُّكًا وزلفى» [«رسالة الشِّرك ومظاهره» (ص441)].

هكذا تلاعب الشَّيطان بهؤلاء القوم، حتَّى وصل حالُهم إلى هذه الدَّركات، وكلُّ ذلك بسبب إعراضهم عن الوحي وإيمانهم بالخرافات، وتحكيمهم للعادات والمنامات وإيثارهم آثارَ الآباء والأجداد، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُون[البقرة:170].

ولقد استغلَّ الاستعمار الفرنسي الصَّليبي هذه الغفلة والبلاهة، وركَّز على الخرافة واستعمل لها الطُّرقيِّين والدَّجَّالين لإفساد عقيدة الجزائريِّين وعبادتهم وأخلاقهم، وانتهاك حرماتهم واستغلال خيراتهم وتقويض أصالتهم ولغتهم وقوَّتهم ووَحدتهم، وإقناعهم أنَّ الجزائر فرنسيَّة، وأنَّ أرض الجزائر هي ملك لفرنسا، والمخالف عدوّ ومشاغب، وظهر «تساندُ الطُّرقيِّين والمعمِّرين في الحملة على المصلحين»(13)، وظفر الطُّرقيُّون بحظوة عالية عند السُّلطات الفرنسيَّة، حيث كانت تجازيهم الجزاء الأوفى على إخلاصهم لها، وتفانيهم في خدمة مصالحها، وجهادهم في تضليل الجزائريِّين وتبليههم وتنويمهم.

قال محمَّد البشير الإبراهيمي رحمه الله: «ثمَّ دخل عامل جديد على مباحث الغربيِّين المتعلِّقة بالإسلام، وهو السِّياسة الاستعماريَّة المبنيَّة على إذلال المسلمين وابتزاز أموالهم واحتجاز خيرات أوطانهم، فكان من أسلحة هذه السِّياسة، بعد الحديد والنَّار وتشويه الإسلام وتقبيحه في نفوس أبنائه الجاهلين به، وتشجيع الخرافات لإفساد عقائده، وإلقاء الشُّبهات في كثير من حقائقه، وتزهيدهم بكلِّ الوسائل في أحكامه حتَّى يهجروها، وإذا زاغت العقائد وهجرت الأحكام وسادت الخرافات فأي سلطان ماديٍّ أو معنوي يبقى للدِّين على نفوس معتنقيه؟»(14).

هذه كلمة مُوجَزة في موضوع يحتاج إلى بسط أكثر وشرح أوفر حتَّى تُكشف الخرافة ويظهر ضررها على الدِّين والعقل والأمَّة، فتُحذَر وتُترك، «فالواجب إذن أن نبدأ بمحاربة تلك البدع والخرافات بطرق حكيمة تقرب من أذواق النَّاس، فإذا ماتت البدع والخرافات وصَفَت الفِطر من ذلك الشَّوب سَهُلَ تلقين العقيدة الصَّحيحة وتلقَّتها النُّفوس بالقبول»(15).

والله الموفِّق والمعين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 



(1) «آثار الإبراهيمي» (1/ 133).

(2) «الآثار» (1/ 195).

(3) (ص441).

(4) «رسالة الشرك» (287).

(5) انظر «رسالة الشِّرك ومظاهره» (ص440)، «الفرقان بين أولياء الرَّحمن وأولياء الشَّيطان» لابن تيمية، ومن العجائب أن يقرَّ سعيد حوى بخزعبلات أبناء الطَّريقة الرِّفاعيَّة، ويفتخر بها قائلا إنَّها «من أعظم فضل الله على هذه الأمَّة» [«تربيتنا الرُّوحيَّة» (217 ـ 218)].

(6) «رسالة الشِّرك» (362).

(7) «مجموع الفتاوى» (11/ 302).

(8) «الرَّدُّ على الرِّفاعي والبوطي» (127).

(9) «الآثار» (1/ 321).

(10) (ص164).

(11) هو التِّجاني الَّذي تُنسب إليه الطَّريقة المعروفة.

(12) رواه التِّرمذي (2450).

(13) «رسالة الشِّرك» (80)، المصلحون هم جمعية العلماء المسلمين وأتباعهم.

(14) «الآثار» (4/ 355).

(15) قاله الإبراهيمي في «الآثار» (1/ 86).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 28»