أنت هنا:ملف الحج»مقالات»من أخلاق النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع

من أخلاق النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع

  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 8793 مرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لم يحج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ حجَّة واحدة وهي حجَّة الوداع، بيَّن لأمَّته فيها كثيرًا من أحكام الدِّين؛ من عقائد وعبادات وأخلاق وآداب، بَيَّن ذلك بفعله وقوله في هذا المنسك العظيم، ولا شكَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانت أيَّامه وسيرته كلُّها أخلاقًا فاضلة وآدابًا رفيعةً جمَّله الله بها، لكن في أيَّام الحجِّ تتَّضح معالم تلك الأخلاق أكثر؛ إذ أنَّ النَّاس كلَّهم حريصون على لقائه ورؤيته والالتفاف حوله، آخذين عنه منسكه وأفعاله، فتكثر بذلك الجموع حول النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم، فيزداد بذلك صبرًا ورحمةً ورأفةً يعطي كلَّ مسلم حظَّه منه صلى الله عليه وسلم، فلذلك لَمَّا تَسَامَعَ النَّاس بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حاجّ تلك السَّنة تسارعوا للقائه ومصاحبته في هذه الشَّعيرة العظيمة، وحجَّ معه جمع غفير من النَّاس، منهم زوجاته وبناته وعشيرته، قال جابر بن عبد اللهرضي الله عنه: «إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحجَّ، ثمَّ أذّن في النَّاس في العاشرة: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجٌّ هذا العام؛ فقدم المدينة بَشَرٌ كثير»([1]).

وفي رواية: «فلم يبق أحدٌ يقدر أن يأتي راكبًا أو راجلاً إلاَّ قدم، فتدارك النَّاس ليخرجوا معه»([2])،«كلُّهم يلتمس أن يأتَمَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل مثل عمله»([3]).

وقال أيضًا: «نظرت إلى مَدِّ بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به»([4]).

فهذا كلُّه يجعل خيرَ البشريَّة صلى الله عليه وسلم يَستعدُّ للقاء كلّ أنواع النَّاس وأصنافهم وشرائحهم، بل منهم من لم يسبق له رؤياه ولقاءه، ممَّن كان عالي الخُلق وممَّن كان دون ذلك كالأعراب الغلاظ الجفاة، فأكرم الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن كان من أحسن النَّاس خُلُقًا وأدبًا حتَّى في أشدِّ الأوقات وأعسرها.

وسأعرض في هذه الورقات بعض الوقفات الَّتي تنبئ عن شيمه وتبيِّن مزاياه صلى الله عليه وسلمعلى سائر الخلق، متَّبعًا في ذلك أيَّام حجَّته من يوم خروجه من المدينة حتَّى رجوعه إليها، مستنبطًا تلك الأخلاق الفاضلة من سيرته؛ لتكون نِبراسًا ومنهجًا لحجَّاج بيت الله الحرام:

1 ـ الغضب على حُرمات الله لا يتنافى مع الأخلاق الحسنة:

فقد يعتقد البعض أنَّ كلَّ غضب يغضبه الإنسان محرَّم، وبأنَّه دليلٌ على سوء خلقه، ومخالف لهديهصلى الله عليه وسلم ، وهذا ليس بصواب؛ إذ أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله ولا ينتقم لنفسه، وغضبه في ذات الله من كمال تقواه وعبوديته لربِّه.

فعن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربع مضين من ذي الحجة ـ أو خمس ـ، فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت: مَن أغضبَك يا رسول الله! أدخله الله النار، قال: «أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بأَمْرٍ؛ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ ـ قال الحكم: كأنَّهم يتردَّدون أحسب ـ وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ ثُمَّ أحِلُّ كَمَا حَلُّوا»([5]).

فغضبه في هذه الحجَّة لم يكن لشخصه وذاته، بل كان لعدم امتثال بعضِ أصحابه أمرَه على الفور، وهذا من كمال خُلقه صلى الله عليه وسلم ، لذلك قال لهم صلى الله عليه وسلم: «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ للهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، لَوْلاَ هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تحلُّونَ، فَحِلُّوا، فَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَااسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ»، فحللنا وسمعنا وأطعنا»([6]).

2 ـ حسن معاشرته صلى الله عليه وسلم لأهله وصبره على قضاء الله وقدره:

تقدَّم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم اصطحب في هذه الحجَّة أزواجه، ولا شكَّ أنَّ هذا يحتاج إلى مزيد من الرِّعاية وحسن المعاشرة لكلِّ من اصطحبهم معه، وكلُّ واحدة من أزواجه أو بناته تحتاج إلى رعاية خاصَّة، فمنهنَّ من كانت تشتكي المرض كأمِّ سلمة رضي الله عنها حيث أرشدها أن  تركب وتطوف من وراء النَّاس([7]).

ودخل يوم التَّروية على عائشة رضي الله عنها فوجدها تبكي، فهمَّه ذلك وسأل عن سبب بكائها، ثمَّ أزاح عنها الغمَّ والهمَّ، قال جابر: «ثمَّ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها، فوجدها تبكي فقال: «مَا شَأْنُكِ؟» قالت: شأني أنِّي قد حضتُ، وقد حلَّ النَّاس ولم أحْلِلْ، ولم أَطُف بالبيت، والنَّاس يَذهبون إلى الحجِّ الآن، فقال: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بالحَجِّ»، ففعلتْ ووقفت المواقف حتَّى إذا طهَرت طافت بالكعبة والصَّفا والمروة، ثمَّ قال: «قَدْ حللتِ مِنْ حَجِّك وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا»، فقالت: يا رسول الله! إنِّي أجد في نفسي أنِّي لم أطف بالبيت حتَّى حججتُ، قال: «فَاذْهَبْ بهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ»، وذلك ليلة الحَصْبَة»([8]).

وفي رواية أخرى: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً سَهْلاً إذا هويت الشَّيء تابعها عليه، فأرسلها مع عبد الرَّحمن بن أبي بكر فأهلَّت بعمرة من التَّنعيم»([9]).

قال القاضي عياض المالكي: «فيه حسن العشرة مع الأزواج ومساعدتهن، لا سيما فيما هو من باب الطَّاعات، وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الخلق العظيم، وهو معنى قوله: «سهلاً»: أي حسن الخلق ميسرًا مساعدًا، لما وصفه الله تعالى»([10]).

وقالت عائشة بعد أن فرغ من أداء مناسك الحجِّ: «ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلمالمُحَصَّب؛ فدعا عبد الرَّحمن بن أبي بكر فقال: «اخْرُجْ بأُخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بعُمْرَةٍ، ثُمَّ لِتَطُفْ بالبَيْتِ، فَإِنِّي أَنْتَظِرُكُمَا هَا هُنَا» قالت: فخرجنا فأهللتُ، ثمَّ طفت بالبيت وبالصَّفا والمروة، فجئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزله من جوف اللَّيل، فقال: هل فرغتِ؟ قلت: نعم، فأذَّن في أصحابه بالرَّحيل...»([11]).

فلم يعنِّف ولم يغضب ولم يلزق بها سبب التَّأخُّر والتَّأخير، بل عاملها بأحسن ما يُعامل الرَّجل به زوجه، صبَّرها وطمأنها وعوَّضها عن عمرتها عمرةً بعد أعمال الحجِّ، ثمَّ انتظرها حتَّى إذا فرغت من عمرتها نادى بالرَّحيل.

فما نراه اليوم من اشتداد غضب الحجَّاج على نسائهم خاصَّة العجائز إن ألَمَّ بإحداهنَّ أمر من قضاء الله وقدره، كأن تضيع بين الأعداد الهائلة من الحجَّاج، ففور ما ترجع وتلقى زوجها أو أباها أو أخاها تسمع منه الشَّتم واللَّعن والغضب؛ لأنَّها أخَّرته عن بقيَّة رفقته، وهذا مثال واحد وعليه فقِس.

وأمَّا ما وقع في آخر هذه الحجَّة من دعائه صلى الله عليه وسلم على صفيَّة لَمَّا حاضت وقالت: ما أُرَانِي إلاَّ حابستكم، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «عَقْرى حَلْقَى، أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قالت: بلى، قال: «لاَ بَأْسَ انْفِرِي»([12]).

فقوله: «عَقْرَى حَلْقَى»([13])؛ لم يُرد به حقيقة الدُّعاء عليها، بل هي كما قال النَّوويُّ: «هذا على مذهب العرب في الدُّعاء على الشَّيء من غير إرادة وقوعه... ثمَّ اتَّسعت العرب فيها فصارت تطلقها ولا تريد حقيقة ما وضعت له أوَّلاً، ونظيره: تَرِبَتْ يداه، وقاتله الله ما أشجعه، وما أشعره، والله أعلم»([14]).

3 ـ صبره صلى الله عليه وسلم على لقاء الحجيج ورؤيتهم له وردّه على استفتاءاتهم على كثرتهم:

فقد تقدَّم في حديث جابر أنَّ النَّاس خرجوا من كلِّ فجٍّ عميق ليشهدوا حجَّته صلى الله عليه وسلمويفعلوا مثل فعله، وهذا يتطلَّب أن يزاحموه ويلتفُّوا حوله، فكان ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ القائدَ والرَّاعي والمرشد والمعلِّم والأسوة، مع ما في الحجِّ من متاعب ومشاقّ، خاصَّة في تلك الأزمان الَّتي لا تتوفَّر فيها سبل الرَّاحة كما نراها اليوم، مع ذلك صبر عليهم ولم يدفعهم، إنَّما اكتفى بركوب ناقته ليراه الجميع ويأخذوا عنه نسكه، وهذا من معالي أخلاقه وسموِّها.

قال عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما: «إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه النَّاس يقولون: هذا محمَّد! هذا محمَّد! حتَّى خرج العواتق من البيوت، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُضربُ النَّاس بين يديه، فلمَّا كثر عليه ركب...»([15]).

وقال أبو الطُّفيل لابن عبَّاس: «أُراني قد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: فصِفه لي، قال: قلت: رأيته عند المروة على ناقة وقد كثر النَّاس عليه، قال: فقال ابن عبَّاس: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنَّهم كانوا لا يُدَعُّون عنه ولا يُكْهَرون»([16])، وفي لفظ: «وَلا يُكْرَهُونَ».

وعن قدامة بن عبد الله العامري رضي الله عنه قال: «رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النَّحر على ناقة له صهباء، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك»([17]).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: «وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع بمنًى للنَّاس يسألونه، فجاء رجلٌ فقال: يا رسول الله! لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ، ثمَّ جاءه رجلٌ آخر فقال: يا رسول الله! لم أشعر فنحرتُ قبل أن أرمي؟ فقال: اِرْمِ وَلاَ حَرَجَ، قال: فما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلاَّ قال: افعل ولا حرج»([18]).

وهذا يجعلنا ندرك تلك المكانة السَّامية والأخلاق العالية الَّتي يمتاز بها صلى الله عليه وسلم عن سائر الخلق، وهو القائل: «المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ المُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلاَ يَصْبرُ عَلَى أَذَاهُمْ»([19]).

وهذا ما جعل النَّاس يتَّخذونه أسوة، ويُدركون حقَّ الإدراك أنَّه نبيٌّ مرسل من الله، جاء ليتمِّم مكارم ومحاسن الأخلاق، فأحبَّه النَّاس وقدَروه حقَّ قدره.

قال الحارث بن عمرو السّهمي رضي الله عنه: «أَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو بمِنى أو بعَرَفَات وَقَدْ أَطَافَ به النَّاسُ، قال: فَتَجِيءُ الأَعْرَابُ فإذا رأوا وَجْهَهُ قالوا: هَذَا وَجْهٌ مُبَارَكٌ»([20]).

4 ـ عنايته صلى الله عليه وسلم بكبار السِّنِّ والعاجزين عن مزاحمة النَّاس بالتَّرخيص لهم في بعض الأعمال:

العاجز وكبير السِّنِّ تختلف بعض أحكامهما عن بقيَّة الحُجَّاج، لذلك راعى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمرهم في هذا الموسم العظيم الَّذي يكثر فيه التَّزاحم والتَّدافع وغير ذلك ممَّا قد يُلحق الأذى بهؤلاء الضَّعفة، فكان من رحمته صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمَّته أن رخَّص لهم يوم المزدلفة بالدَّفع إلى منًى قبل النَّاس، لئلاَّ يصيبهم التَّعب والنَّصب ومزاحمة من يدفع بعد الانتهاء من الوقوف بالمشعر الحرام.

قالت عائشة رضي الله عنها: «استأذنت سودةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة تدفع قبله، وقبل حَطْمة النَّاس، وكانت امرأة ثبِطة، ـ يقول القاسم: والثَّبطَة الثَّقيلة ـ قال: فأذن لها، فخرجت قبل دفعه، وحبسنا حتَّى أصبحنَا فدفعنا بدفعه»([21]).

وقال ابن عبَّاس: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثِّقَل أو قال في الضَّعَفة من جَمْعٍ بليل»([22]).

5 ـ مداعبته صلى الله عليه وسلم للصِّغار وتعليمهم أمور دينهم وحرصه على ذلك:

ففي هذه الحجَّة بيَّن صلى الله عليه وسلم ما ينبغي أن يكون عليه الدَّاعية والمرشد مع جميع فئاتالمجتمع، من تعليم وترشيد بلطف ومداعبة وحكمة، فعن ابن عبَّاس  رضي الله عنهما قال: «قَدَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أُغَيْلِمَةَ بني عبد المطَّلب على حُمُراتٍ لنا من جَمع؛ فجعل يَلطَحُ أفخاذَنا: ويقول: أُبَيْنِيَّ لاَ تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلعَ الشَّمْسُ»([23]).

و«اللَّطح»: الضَّرب بالكفِّ وليس بالشَّديد.

فعلَّم هؤلاء الصِّغار مناسك الحجِّ وأرشدهم بمداعبتهم وملاطفتهم؛ لأنَّ المقام يدعو إلى ذلك، وكان أرفع النَّاس خلقًا صلوات ربِّي وسلامه عليه.

6 ـ رحمته صلى الله عليه وسلم بالنَّاس ورفقه بهم:

وهو نبيُّ الرَّحمة والمبعوث رحمةً للعالمين، ووصفه ربُّه في كتابه بقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾[التوبة: 128].

وقد تجلَّت مظاهر رحمته ورفقه ورأفته في مواضع عديدة في حجَّته، إذ يسَّر على النَّاس كثيرًا من أعمال الحجِّ، ورفع عنهم الحرج وخفَّف على أصحاب الحاجات كإذنه لعمِّه العبَّاس أن يبيت خارج منًى، وكذا لرعاة الإبل جمع رمي يومين في يوم.

قال ابن القيِّم: «وإذا كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قد رخَّص لأهل السِّقاية وللرِّعاء في البيتوتة؛ فمَن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلُّفه عنه أو كان مريضًا لا تمكنه البيتوتة سقطت عنه بتنبيه النَّصِّ على هؤلاء، والله أعلم»([24]).

ومن رفقه صلى الله عليه وسلم ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلمرأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: ارْكَبْهَا، قال: يا رسول الله! إنَّها بدنة، قال: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ! في الثَّانية أو في الثَّالثة»([25]).

ومن ذلك ـ أيضًا ـ أمر أصحابه بالرِّفق والسَّكينة وعدم مزاحمة الضَّعفة والحرص على عدم إيذاء الغير، فعن سليمان بن عمرو ابن الأَحْوصِ عن أمِّه قالت: «رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَرْمِي الجمْرَةَ من بَطنِ الوادي وهو راكب يكبِّرُ مع كُلِّ حصَاةٍ ورَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ يَسْتُرُهُ، فسألتُ عن الرَّجُلِ، فقالوا: الفَضْلُ بنُ العَبَّاسِ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لاَ يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَإِذَا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ فَارْمُوا بمِثلِ حَصَى الخَذْفِ»([26])، وفي رواية: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ وَالوَقَار...»([27]).

7 ـ تواضعه صلى الله عليه وسلم لجميع فئات النَّاس:

وهذا من حسن خلقه أنَّه يتواضع لكلِّ أحد، للصِّغار والكبار، والنِّساء والرِّجال، وهو المبعوث رحمةً للعالمين، بل أمره ـ تعالى ـ بذلك، فقال عزَّ من قائل: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾[الشعراء: 215].

ومظاهر تواضعه في الحجِّ كثيرة جدًّا، وتقدَّم بعض ذلك في بعض الأحاديث، ومن ذلك ـ أيضًا ـ أنَّه كان يشارك النَّاس في مطعمهم ومشربهم، ولم يكن يخصُّ نفسه بشيء من ذلك دون النَّاس، فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السِّقاية فاستسقى، فقال العبَّاس: يا فضل! اذهب إلى أمِّك فأت رسول الله بشراب من عندها، فقال: اسْقِنِي، قال: يا رسول الله! إنَّهم يجعلون أيديهم فيه! قال: اسْقِنِي، فشرب منه، ثمَّ أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال: اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، ثمَّ قال: لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ، يعني عاتقه وأشار إلى عاتقه»([28]).

قال ابن الملقِّن: «وفيه ـ أي في الحديث ـ استعمال التَّواضع؛ فإنَّهم كانوا يجعلون أيديهم فيه، ولم يُخصَّ بماء، كما أشار العبَّاس تسهيلاً على النَّاس... وفيه من التَّواضع ـ أيضًا ـ قوله: «لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ، يعني: عاتقه»([29]).

ومن صور تواضعه أنَّه أردف أسامة بن زيد رضي الله عنهما وهو من الموالي، فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «أنَّ أسامة كان رِدْف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة، ثمَّ أردف الفضلَ من المزدلفة إلى منى»([30]).

قال ابن الملقِّن: «فيه التَّواضع بالإرداف للرَّجل الكبير والسُّلطان الجليل»([31]).

إلى غير ذلك من روائع الأمثلة في بيان تواضع سيِّد الخلق صلى الله عليه وسلم ورأفته بالنَّاس وحبِّه لهم.

8 ـ وصيَّته صلى الله عليه وسلم لأمَّته بحسن الخلق:

ولم يكتف صلى الله عليه وسلم في هذه الحجَّة أن يُظهر للنَّاس الأخلاق الفاضلة بفعله، بل تعدَّى ذلك إلى قوله، فأوصاهم بهذا الأمر العظيم في مثل تلك الأيَّام المشهودة، فقد سُئل ما برُّ الحجِّ؟ فقال: «إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَطِيبُ الكَلاَمِ»([32]).

وأوصى بطاعة الوالدين، وصلة الأرحام والأقارب، فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: سمعترسول الله صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع وهو يقول: «أُمّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ»([33]).

ووصيَّته بالنِّساء خيرًا وحسن معاشرتهنَّ مشهورة، كما في «صحيح مسلم» في خطبته يوم عرفة: «فَاتَّقُوا اللهَ في النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَان اللهِ»([34]).

وفي رواية: «أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ»([35]).

وقوله لعامَّة أمَّته وحثِّهم في تلك الحجَّة على التَّوادد والتَّحاب، ونهيهم عن التَّفرُّق والاختلاف:«أَلاَ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعبُدَهُ المُصَلُّونَ، وَلَكِنَّهُ في التَّحْرِيشِ بَيْنَكُمْ»([36]).

تلك هي بعض الأخلاق الشَّريفة والوصايا المنيفة الَّتي تحلَّى بها صلى الله عليه وسلم في حجَّته، فكان نِعْمَ المعلِّم والمرشد والأسوة، فحريٌّ بكلِّ حاجٍّ يريد الخير لنفسه والكمال لحجِّه أن يأتسي به في أعماله وأخلاقه، فيرفق بالضَّعيف والكبير، ويعين ذا الحاجة والفقير، ويعلِّم الجاهل والصَّغير، ويُعوِّد لسانه الكلام الحسن الجميل، فيرجع وقد غُفرت ذنوبه، ومُحيت سيِّئاته، ونال الحظَّ الأوفر من قول سيِّد البشر صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»([37])، والحمد لله ربِّ العالمين.


 


([1]) «صحيح مسلم» (1218) وأحمد (14440).

([2]) «سنن النَّسائي» (2761).

([3]) «صحيح مسلم» (1218).

([4]) المصدر السَّابق.

([5]) «صحيح مسلم» (1211).

([6]) «صحيح البخاري» (7367)، و«صحيح مسلم» (1216).

([7]) «صحيح البخاري» (464)، و«صحيح مسلم» (1276).

([8]) «صحيح مسلم» (1213).

([9]) المصدر السَّابق.

([10]) «إكمال المعلم» (4/255).

([11]) «صحيح البخاري» (1560)، و«صحيح مسلم» (1211).

([12]) «صحيح البخاري» (1561)، و«صحيح مسلم» (1211).

([13]) عقرى حلقى: أي عقر الله جسدها وأصابها بوجع في حلقها. [«شرح مسلم» للنووي (8/154)] (التحرير)

([14]) «شرح النَّووي على صحيح مسلم» (8/154).

([15]) «صحيح مسلم» (1264).

([16]) «صحيح مسلم» (1265).

([17]) «سنن النسائي» (3061)،«سنن ابن ماجه» (3035)، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح ابن ماجه» (2479).

([18]) «صحيح البخاري» (1736)، «صحيح مسلم» (1306).

([19]) «سنن ابن ماجه» (4032)، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح ابن ماجه» (3273).

([20]) «سنن أبي داود» (1742)، وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (1/488).

([21]) «صحيح البخاري» (1681)، و«صحيح مسلم» (1290).

([22]) البخاري (1677) مسلم (1293).

([23]) «سنن أبي داود» (1940)، «سنن النسائي» (5/270 ـ 272)، «سنن ابن ماجه» (3025) وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح ابن ماجه» (2469).

([24]) «زاد المعاد» (2/290).

([25]) «صحيح البخاري» (1689)، و«صحيح مسلم» (1322).

([26])«سنن أبي داود» (1966)، وحسَّنه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (2445).

([27]) «المسند» أحمد (23227).

([28]) «صحيح البخاري» (1635).

([29]) «التَّوضيح شرح الجامع الصَّحيح» (11/450).

([30]) «صحيح البخاري» (1544).

([31]) «التَّوضيح» (11/128).

([32]) «مستدرك الحاكم» (1/658)، وصحَّحه الألبانيُّ في «الصَّحيحة» (1264).

([33]) «المعجم الكبير» للطَّبراني (484)، وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (1400).

([34]) «صحيح مسلم» (1218).

([35]) «جامع التِّرمذي» (3087)، وابن ماجه (1851)، وحسَّنه الألباني في «صحيح الجامع» (7880).

([36]) «مسند أحمد» (20695)، وانظر: «صحيح مسلم» (2812).

([37]) «صحيح البخاري» (1521)، و«صحيح مسلم» (1350).