أنت هنا:دراسات في السيرة»النبي ﷺ بين كيد عدِّوه ونصر ربِّه عز وجل

النبي ﷺ بين كيد عدِّوه ونصر ربِّه عز وجل

  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 1945 مرة

 

الحمد لله مولِي كلِّ نعمة، وكاشف كلِّ غمَّة، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، نبيُّ الرَّحمة، وسراج الأمَّة، الَّذي امتنَّ الله به على هذه الأمَّة، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي العزم والهمَّة، وبعد:

فإنَّ الله تعالى بعث محمَّدًا ﷺ على فترة من الرُّسل، واصطفاه على جميع الخلق بحمل الرِّسالة وأداء الأمانة، وهيَّأه للصَّبر على ما سيناله من قومه من أذى واحتقار واستنكار، وأعلَمه أنَّه سَيُؤْذَى ويُحرم من البقاء مع أهله وعشيرته، ففي «الصَّحيحين» من حديث عائشة رضي الله عنها في مبعث النَّبيِّ المصطفى ﷺ الطَّويل وفيه: أنَّ خديجة رضي الله عنها أتت به ابن عمِّها وَرَقَة ابنَ نَوْفَل، وكان قد تنصَّر في الجاهليَّة، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية، فلمَّا أخبره ﷺ بالَّذي رآه قال له ورقة: «هذا النَّاموس الَّذي أُنزل على موسىيا ليتني فيها جَذَعًا، يا ليتني أكون حيًّا حين يُخرجك قومك، فقال رسول الله: أَوَمُخْرِجِيَّ هم؟ قال ورقة: نعم لم يأتِ رجلٌ قطُّ بما جئت به إلاَّ عُودي، وإن يُدركني يومُك أنصرك نصرًا مُؤَزَّرًا...» الحديث(1).

وفي رواية: «إلاَّ أُوذي» مكان «عُودي»(2)، وفي أخرى الجمع بينهما: «إلاَّ عودي وأوذي»(3).

فتيقَّن ﷺ أنَّه سَيُؤذى من قِبَل قومه؛ لأنَّها سنَّة الله في أنبيائه إذ لم يأت أحد بمثل ما جاء به إلاَّ آذاه قومه وأنكروا عليه رسالته، فلذلك أنزل الله عليه آيات مبيِّنات فيها تسلية وبيان أنّه سيُصيبه ما أصاب الأنبياء من قبله، فقال عزَّ من قائل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون[الأنعام:112]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا[الفرقان:31]، وقال تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ[آل عمران:184]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون[الذاريات:52-53]، بل أخبره تعالى أنَّه سيُقال له ما قد قيل للرُّسل من قبله من التَّكذيب والافتراء والاستهزاء، فلا يزيده ذلك إلاَّ صبرًا وعزمًا على تبليغ الرِّسالة وأداء الأمانة، قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيم[فُصِّلَت:43]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا[الأنعام:34].

فهذه الآيات وغيرها جاءت مصداق ما أخبر به ورقة بن نوفل، ليكون على أهبة الاستعداد لما سيُلاقيه من قومه من الأذى والتَّكذيب والطَّرد واللَّعن، قال الإمام أبو شامة المقدسي رحمه الله: «وهذه سنَّة الله تعالى في الأنبياء والمرسلين مع قومهم غيرِ الموَفَّقين للإيمان منهم؛ فإنَّهم يُظهرون لهم العداوة والأذى على الجملة، ويشتدُّ عليهم الفطام عمَّا كان آباؤهم عليه، فيُبالغون في أذى نبيِّهم والَّذين آمنوا به، فيضطرُّونهم إلى الخروج عنهم كما جرى لنبيِّنا وأصحابه، ولعلَّ ورقةَ سمع ذلك من أهل الكتاب الَّذين عرف منهم صفة النَّبيِّ محمَّد ﷺ ووقت مبعثه»(4).

وقد تفنَّنت قريش في إيذاء النَّبيِّ ﷺ، فآذوه بأفواههم أوَّل ما صدع بالحقِّ وأبان عيب آلهتهم وسفَّه أحلامهم، فكذَّبوه، ورموه بالشِّعر والسِّحر والكهانة والجنون، ورسول الله ﷺ مُظهرٌ لأمر الله، داعٍ إلى ما جاء به من الهدى والحقِّ، لا يخاف في الله لومةَ لائمٍ، وعزَّاه ربُّه بما أنزل عليه من الآيات الكاشفة زيف آلهتهم الَّتي يعبدون من دون الله، فأبطل الله مزاعمهم، كقوله تعالى  ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُون * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُون * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِين * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُون * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِين * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون[الطور:29-36] إلى غير ذلك من الآيات البيِّنات في هذا المعنى.

ولم يكتف المشركون بتنفير النَّاس عن النَّبيِّ ﷺ وإيذائه باللِّسان فقط، بل لجأوا إلى أذيَّته باليد، وهذا ما فعله أبو جهل وغيره، روى البخاري عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمَّدًا يصلِّي عند الكعبة لأطأنَّ على عُنقه؛ فبلغ النَّبيَّ ﷺ فقال: «لَوْ فَعَلَهُ لأَخَذَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ»(5).

وروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمَّد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللاَّت والعزَّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرنَّ وجهه في التُّراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلِّي زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلاَّ وهو يَنْكُصُ على عقبيه ويتَّقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لخندقًا من نار وهولاً وأجنحةً، فقال رسول الله ﷺ: «لَوْ دَنَا مِنِّي لاَخْتَطَفَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا»، قال: فأنزل الله عز وجل لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرَى * كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَة * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَة * فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة * كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ[العلق:6-19]»(6).

وقد وُضع بين كتفيه الشَّريفتين سلا جزور، وهو اللّفافة الَّتي يكون فيها الولد في بطن النَّاقة، سخريَّةً واستهزاءً به ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: بينما رسول الله ﷺ يصلِّي عند البيت، وأبو جهلٍ وأصحاب له جلوس، وقد نُحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهلٍ: أيُّكم يقوم إلى سلا جزور بني فلانٍ؛ فيأخذه فيضعه في كتفيْ محمَّدٍ إذا سجد، فانبعث أشقى القوم، فأخذه، فلمَّا سجد النَّبيُّ ﷺ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعضٍ، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي مَنَعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ ـ والنَّبيُّ ﷺ ساجد ما يرفع رأسه ـ حتَّى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جُويرية فطرحته عنه، ثمَّ أقبلت عليهم تشتمهم، فلمَّا قضى النَّبيُّ ﷺ صلاته رفع صوته ثمَّ دعا عليهم ـ وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا ـ ثمَّ قال: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ»، ثلاث مرَّاتٍ، فلمَّا سمعوا صوته ذهب عنهم الضَّحك وخافوا دعوته، ثمَّ قال: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ بنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ وَالوَلِيدِ بنِ عُقْبَةَ وَأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ»، وذكر السَّابع ولم أحفظه، فوالَّذي بعث محمَّدًا ﷺ بالحقِّ! لقد رأيت الَّذين سمَّى صَرْعَى يوم بدرٍ، ثمَّ سُحبوا إلى القليب قليب بدرٍ»(7).

وعن عروة بن الزُّبير، قال: قلت لعبد الله ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشدِّ ما صنع المشركون برسول الله ﷺ قال: «بينا رسول الله ﷺ يصلِّي بفناء الكعبة؛ إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ[غافر:28]»(8).

وهذا الاعتداء الآثم الَّذي تناول شخصه ﷺ لم يتوقَّف عند كفَّار مكَّة فقط، بل تجاوز إلى القبائل الَّتي كان يدعوها إلى الإسلام، كأهل ثقيف وغيرهم، والنُّصوص في ذلك كثيرة، بل لَمَّا هاجر إلى المدينة حاول أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين أذيَّته وقتله، فعصمه الله منهم، لِيُكمل به الدِّين، ويُعْلِيَ كلمةَ التَّوحيد، وصدق ﷺ إذ يقول: «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ...» الحديث(9).

فهذه سنَّة الله في خلقه يبتلي أولياءه من الأنبياء والصَّالحين، حتَّى إذا صبروا مكَّنهم ونصرهم على أعدائهم، فكان فيهم أسوة حسنة لمن جاء بعدهم ممَّن يقتفي أثرهم ويدعو بدعوتهم، فالنَّبيُّ ﷺ أسوة للدُّعاة، وسيرته نبراس لهم وضياء، ليعلموا أنَّ الله يختبرهم ويمحِّصهم ويبتليهم بأعداء يؤذونهم في ذواتهم وأعراضهم، لكنَّ العاقبة للمتَّقين، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «وأكمل الخلق عند الله من كمَّل مراتب الجهاد كلِّها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه ورسله، فإنَّه كمَّل مراتب الجهاد، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وشرع في الجهاد من حين بُعث إلى أن توفَّاه الله عز وجل، فإنَّه لَمَّا نزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر * وَرَبَّكَ فَكَبِّر * وَثِيَابَكَ فَطَهِّر[المدَّثر:1-4] شمَّر عن ساق الدَّعوة وقام في ذات الله أتمَّ قيام، ودعا إلى الله ليلاً ونهارًا وسرًّا وجهارًا، ولَمَّا نزل عليه:﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ[الحِجر:94]، فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومةُ لائمٍ، فدعا إلى الله: الصَّغيرَ والكبير، والحرَّ والعبد، والذَّكر والأنثى، والأحمر والأسود، والجنَّ والإنس.

 ولَمَّا صدع بأمر الله وصرَّح لقومه بالدَّعوة وناداهم بسبِّ آلهتهم وعَيبِ دينهم؛ اشتدَّ أذاهم له ولِمَن استجاب له من أصحابه، ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى، وهذه سنَّة الله عز وجل في خلقه؛ كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ[فُصِّلَت:43]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ[الأنعام:112]، وقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون[الذاريات:52-53].

 فعزَّى ـ سبحانه ـ نبيَّه بذلك وأنَّ له أسوة بمَن تقدَّمه من المرسلين، وعزَّى أتباعه بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيب[البقرة:214]، وقوله: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين *أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُون * مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم * وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِين * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله فَإِذَا أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الله وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِين * وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِين[العنكبوت:1-11].

فليتأمَّلِ العبدُ سياق هذه الآيات وما تضمَّنته من العبر وكنوزِ الحِكَم؛ فإنَّ النَّاس إذا أرسل إليهم الرُّسل بين أمرين: إمَّا أن يقول أحدهم: آمنَّا، وإمَّا ألاَّ يقول ذلك، بل يستمرُّ على السَّيِّئات والكفر، فمن قال: آمنَّا، امتحنه ربُّه وابتلاه وفتنه، والفتنة: الابتلاء والاختبار ليتبيَّن الصَّادقُ من الكاذب، ومن لم يقل: آمنَّا، فلا يحسب أنَّه يعجز الله ويفوته ويسبقه؛ فإنَّه إنَّما يطوي المراحل في يديه.

وكـيـف يَـفِـرُّ الـمرء عنـه بذنبـه

إذا كان تطوى في يديه المراحل

فمن آمن بالرُّسل وأطاعهم؛ عاداه أعداؤهم وآذوه، فابتلي بما يؤلمه.

وإن لم يؤمن بهم، ولم يطعهم عُوقِبَ في الدُّنيا والآخرة، فحصل له ما يؤلمه، وكان هذا المؤلم له أعظم ألَمًا وأدوم من ألم اتِّباعهم، فلابدَّ من حصول الألم لكلِّ نفس آمنت أو رَغِبَتْ عن الإيمان، لكنَّ الْمؤمنَ يحصل له الألم في الدُّنيا ابتداءً ثمَّ تكون له العاقبة في الدُّنيا والآخرة، والمعرض عن الإيمان تحصل له اللَّذَّة ابتداءً ثمَّ يصير إلى الألم الدَّائم.

وسُئل الشَّافعي :: أيُّما أفضل للرَّجل أن يُمَكَّنَ أو يُبتلى؟

فقال: لا يمكَّنُ حتَّى يُبْتَلَى، والله تعالى ابْتَلَى أولي العزم من الرُّسل، فلمَّا صبروا؛ مَكَّنَهم.

فلا يظنُّ أحدٌ أنَّه يخلص من الألم البتَّة، وإنَّما يتفاوت أهل الآلام في العقول، فأعقلهم من باع ألَمًا مستمرًّا عظيمًا بألم منقطع يسير، وأشقاهم من باع الألم المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمرِّ»(10).

ويقول الإمام محمَّد البشير الإبراهيمي رحمه الله: «لسنا نجهل هذا من سنن الله، فلمْ نَشُكَّ لحظةً منذ وضعنا قدَمنا في طريق الإصلاح الدِّيني ورفعنا الصَّوت بالدَّعوة إليه في أنَّ الله سيديل للحقِّ من الباطل، وأنَّه يبتلي أولياءه بالأذى والمحنة؛ ليمحِّصهم ويكمِّل إعدادهم للعظائم، ولم نزل على يقين تتجدَّد شواهده أنَّ في المصائب الَّتي تصيبنا في سبيل الإصلاح شحذًا لهممنا وإرهافًا لعزائمنا وتثبيتًا لأقدامنا، وإلفاتًا للغافلين عنَّا إلى موقعنا من الأمَّة وموقفنا من أعدائها، وقد أَلِفْنَا هذه المكائد الَّتي تُنصب لنا حتَّى ما نُبَالي بها، وأصبح حظُّنا من «الكشف» أن نعلم من أوائلها أواخرَها، ومن مقدِّماتها نتائجَها، وإنَّنا لنبتهج بالمصيبة تصيبنا في سبيل الإصلاح أضعاف ما يبتهج غيرُنا بالطَّيِّبات والمسارِّ، ونعدُّ كبيرَها مهما أعضل وآذى صغيرًا هيِّنًا، وخفيَّها مهما أفظع وبَغَت ظاهرًا جليًّا، ونأسى لإغبابها عنَّا كما يأسى الممحِل للجدب، ونرتقب إلْمامها بساحتنا كما يرتقب غيرُنا النِّعم والخيرات، لعلمنا أنَّ المعاني التي تتركها في نفوسنا هي المعاني الَّتي نَصْبُو إليها، وأنَّ تمرُّسنا بها بابٌ من أبواب الرُّجولة وسبيل من سبلها» اهـ(11).

فهذه عبر من سيرته ﷺ وما لاقاه من قومه من الأذى والمحاربة والتَّشويه، وليس أحد أكرم على الله منه، وقد لاقى ما لاقى، وما ذلك إلاَّ ليمكِّنه ربُّه، ويكون أسوة حسنة لمن جاء بعده من دعاة الحقِّ في الصَّبر على مشاقِّ الدَّعوة وتحمُّل تبعاتها، والله مُتِمٌّ نوره ولو كره الكافرون، والحمد لله ربِّ العالمين.



(1) «صحيح البخاري» (3)، و«صحيح مسلم» (160).

(2) «صحيح البخاري» (4953).

(3) «مسند الطَّيالسي» (1570) وغيره.

(4) «شرح الحديث المقتفى» (ص165).

(5) «صحيح البخاري» (4953).

(6) «صحيح مسلم» (2797).

(7) «صحيح مسلم» (1794).

(8) «صحيح البخاري» (4815).

(9) «جامع التِّرمذي» (2472).

(10) «زاد المعاد» (2 /58).

(11) «آثار الإبراهيمي» (1 /276).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 11»