أنت هنا:دراسات في السيرة»سر الانتصارات في شهر رمضان

سر الانتصارات في شهر رمضان

  • ياسين طايبي
تم قراءة المقال 537 مرة

 

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وَعَلى آلِه وصحبه وَمَنْ وَالاَهُ، أمَّا بَعْدُ:

فإِنَّ شهر رَمَضَان، شهر كريم مُبَارك، تَتَضَوَّعُ فِيه البركَات، وتترَنَّحُ فيهِ الخيرات، وتتباهَى فيه الانتصارات، وتتفاخَرُ فيهِ الفتوحات؛ انطلاقًا من سيِّدة الغَزوات، غزوة بَدْر الكُبرى، الَّتي كانَتْ في رمَضَان في سنة (2هـ) وَعُبورًا على فتح مكَّة العظيم، الَّذي تمَّ في رمضان سنة (8هـ)، وعُروجًا على وقعَة البُويب الَّتي حدثت   في رمضان سنة (13هـ)، وجنوحًا إلى معركة القادسيَّة الَّتي التهَبتْ في رمضان سنة (14هـ) أو (15هـ)، وَذهابًا إلى معركة الزُّلاَّقة  بالأندلسِ الَّتي اشتَعلَتْ في رمضان سنة (479هـ) ورجوعًا إلى حرب عين جالوت الَّتي كانت في العشر الأواخرِ من رمضان سنة (658هـ) والتفاتًا إلى معركة شقْحَب، وكانت في رمضان سنة (702هـ).

كلُّ هذه الحروب القاتلة، والمعارك الفاصلة، والملاحم القاهِرة، والانتصارات الباهرَة، وقعت في شهر رمضان المبارك!!

فقلتُ في نفسي: لم يقع ذلك كذلكَ سدى، ولاَ هملاً.

إنَّما وقع ذلك من أجل حكمةٍ وسرٍّ؛ فوجدتني أتلمَّسُ من وراء ذلك سرًّا دفينًا، وأتحسَّسُ سببًا للانتصار مبينًا، فانقدَحَ في ذهني، وَلاحَ في نفسي  أنَّ أسباب النَّصر، وأركان الظَّفر، وشرائط العزِّ، ودعائم الفوز، تتوفَّر في شهر رمضان المبارك أكثر من غيره من الأزمنة.

وأجدني مضطرًّا هُنَا لأبيِّن علاقة هذه الأسباب والأركان، بشهر رمضان من جهةٍ، وارتباطها بالنَّصر والظَّفَر من جهةٍ أخرى.

فها هي ـ أخي ـ تأتيك سِِراعًا، رَافلةً في الحسن تِبَاعًا:

السَّبب الأوَّلُ ـ الاعتصام بالتَّقوى:

فقد جعل اللهُ ـ سبحانه وتعالى ـ التَّقوى غايةً مشرقَةً مشعَّةً، تنير للصَّائمين طريقهم، وتضيء  لهمُ سبيلهُمْ فقال  تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون[البقرة:183].

فالتَّقوى هي الغاية المنشودة، والنِّهاية المقصودة، الَّتي يتنافسُ فيها الصَّائمون، الَّذين هم بحقيقة الصِّيام وروحِهِ متَّصفونَ.

فهذه العلَّة الغائية للصِّيام، الَّتي هي التَّقوى سبب عظيم من أسباب النَّصر، وركن كبير من أركان الظَّفر.

ومن عجيب المناسبات القرآنيَّة الَّتي أبداها بعض من أهل العلم(1): المناسبة بين أوَّل سورة البقرة، وآخرهَا؛ فأوَّلها: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين[البقرة:1-2]، وآخرها: ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين[البقرة:286].

فمطلعها حديث عن المتَّقينَ، وخاتَمتها حديث عن النَّصْرِ المبين، وبين التَّقوى والصَّبر كما بين السَّبب والمسَبَّب، والمقدّمة والنَّتيجة، فمن أراد نتيجة النَّصر والظَّفر، فعليه بمقدّمة التَّقوى، ولهذا الحكم نظائر كثيرة في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ الله وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِين[البقرة:194]، وقال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين[الأعراف:128]، والآيات في هذا  المعنى كثيرة.

والتَّقوى في أدقِّ معانيها، هي فعل المأمور، وتركُ المحظورِ، وهو العمل الصَّالح الَّذي أمرَ به المؤمن، من أجل ذا بوَّبَ الإمام البخاري رحمه الله بابًا عجيبًا في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير، فقال في ترجمة حديث رقمه (2808).

بابٌ عملٌ  صَالحٌ قبل القتال، وقال أبو الدَّرداء: إنَّما تقاتلون بأعمالكُمْ.

فالتَّقوى هي الرُّكن الرَّكين، والأسُّ الثَّمين، لكلِّ من أراد الانتصار والظَّفر، وإلاَّ فَلاَ يتَعنَّ.

السَّبب الثَّاني ـ التَّمسُّك بالقرآن:

لا يخفى على مسلم العلاقة الوثيقة، والرَّابطة العميقة بين القرآن، وشهر رَمَضَان، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ[البقرة:185]، فشهر رَمَضَان هو الوعاء الزَّماني لتنزُّل القرآن الكريم.

من أجلِ ذلك اهتمَّ السَّلف الصَّالح بالقرآن، في شهر رَمَضَان، وأقوالهُمْ في ذلك مسموعة، وأحوالهم مَع القرآن معلومة، وأوبتهم إليه في رمضان معروفة.

هذه الرَّجعة الصَّادقة منهم إلى القرآن، وهذه الحالة النَّاطقة منهم بالقرآن، وهذا الاهتمام العجيب، والحرص  الشديد على القرآن الكريم إيمانًا به، وتلاوةً، وسماعًا، وتدبرًا، وتأمُّلاً، وعملاً، وتحاكمًا إليه، واستشفاءً به، وتداويًا(2)، يتمثَّل في كلِّ ذلك، سبب رئيس من أسباب النَّصْر.

واعتبر ذلك مثلاً في معركة اليمامة، الَّتي استشهد فيها ثلة من قراء القرآن، كما قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: «أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بنُ الخطَّاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: إنَّ عمر أتاني فقال: إنَّ القتل قد استحَرَّ(3)يوم اليمامة بقراء القرآن» الحديث رواه البخاري (4986).

فكان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يعلمون عظمة القرآن في الانتصار، فكانت وصيَّتهم في هذه المعركة وصيَّةً غريبة هي قولهم: «يا أصحاب سورة البقرة بطل السِّحرُ اليومَ».

وقال الصَّحابة لسالم مولى أبي حذيفة ـ وهو من قراء القرآن ـ أتخشى أن نؤتى مِن قبلكَ فقال: «بئس حامل القرآن أنَا إذًا».

وكان أبو حذيفة رضي الله عنه يقول: «يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفِعالِ»(4).

كلُّ هذه الكلمات منهم تؤكِّد أنَّ صاحب القرآن، الَّذي يصاحبه علمًا وعملاً، هو جديرٌ بالنَّصر، وحقيقٌ بالظَّفر.

السَّبب الثَّالثُ ـ خلق الصَّبر:

يسمَّى شهر رمضان، بشهر الصَّبر، وذلك لأنَّ منع النَّفس عن ملذَّاتها، وكفَّها عن شهواتها، وحبسها عن مألوفاتها، يحتاج إلى صبرٍ، وأيُّ صبرٍ!

وبين الصَّوم والصَّبر مناسبة في اللَّفظ والمعنى، قال إمام المفسِّرين أبو جعفر محمَّد ابن جرير الطَّبري رحمه الله: «والصَّوم بعض معاني الصَّبر عندنا»(5).

وقد سمى النَّبي ﷺ رمضان: «شهر الصبر»(6).

فرمضان هو المدرسة الكبيرة، الَّتي  تخرِّج الصَّابرين.

والصَّبرُ هو العدَّة الحقيقيَّة، والزَّاد الأصيل للنَّصْرِ، ولذلك سألَ الصَّبرَ من الله عز وجل كلُّ من قَاتَل من المؤمنين في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين[البقرة:250].

ولقد روى الإمام أحْمَدُ (1/ 293) بسند صحيح، عن ابن عبَّاس رضي الله عنه عن  النَّبيِّ ﷺ قال: «...وأنَّ النَّصر مع الصَّبر، وأنَّ الفرج مَعَ الكَربِ، وأنَّ مع العسر يسرًا» فالنَّصر قرين  الصَّبر لا محالة.

ولقد قال عمرُ رضي الله عنه لأشياخ من بني عبس:  بمَ قاتلتم النَّاس؟ قالوا: بالصَّبر لم نلق قومًا إلاَّ  صبرنَا لهم كما صبروا لنا(7).

فالصَّبرَ الصَّبرَ يا من أراد المجد والظَّفر، وقصد الملك والنَّصر.

دببتُ للمجد والسَّاعون قد بلغوا جهدَ النُّفوس وألـقـوا دونه الأزرَا
وكابدوا المجد حتَّى ملَّ أكثرهم وعانق المجد من أوفى ومن صبرَا
لا تحسبِ المجد تمرًا أنت آكله لن تبلغ المجد حتَّى تلعق الصَبِرَا(8)


السَّبب الرَّابع ـ نعمة الاجتماع والتَّآلف:

شهر رمضان، شهرُ تظهر فيه وَحدة المسلمين، ويلوح فيه اجتماع المؤمنين، فيصومون على هلال واحدٍ، ويفطرون على هلال واحدٍ، سحورهم واحدٌ، وإفطارهم واحدٌ، ويجتمعون لصلاة التَّراويح على إمام واحدٍ...

فعوامل الاجتماع والتَّآلف في شهر رمضان كثيرةٌ جدًّا بحيث تجمعنا ولا تفرِّقنا وتعصمنا ولا تشتِّتنا، فأعظم بها من نعمة، وأكرم بها من منَّةٍ، وأكبر بها من ركيزة من ركائز الانتصار العظيمة.

وما قصَّةُ الأب الرَّحيم بأولاده عنَّا ببعيد، عندما قال لهم ناصحًا، مذكِّرًا بنعمة الاتِّفاق، محذِّرا من نقمة الافتراق: 

كونوا جميعًا يا بنيَّ إذا اعترى خـــطــبٌ ولا تــتــفــرَّقــوا آحــادًا
تأبى الرِّماح إذا اجتمعن تكسُّرا وإذا افترقـن تكـسَّرت أفـرادًا


السَّبب الخامس ـ منَّة الدُّعاء:

إنَّ واسطة عِقد آيات الصِّيام في سورة البقرة، هي آية الدُّعاء.

قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون[البقرة:186].

فالدُّعاء له منزلة عظيمة في شهر رمضان، ومن ذلك أنَّ القنوت يستحبُّ في النِّصف الثَّاني من رمضان، دعاءً للمسلمين، ولعنًا للكافرين، وفضل الدُّعاء في ليلة القدر معروفٌ معلومٌ.

والدُّعاء هو السَّبب الخفيُّ الواصل، والرُّكن المستتر النَّافذ من أسباب النَّصر وأركانه، ففي «صحيح مسلم» (1763) من حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنه قال: حَدَّثَني عُمَر بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَاسْتَقْبَلَ نَبيُّ اللَّهِ ﷺ القِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ برَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِى، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ في الأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ برَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبيَّ اللَّهِ! كَفَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِين[الأنفال:9]، فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بالمَلاَئِكَةِ...» الحديث.

وفي ترجمة الإمام الرَّبَّاني القدوة، أبي بكر محمَّد بن واسع الأزدي (ت123هـ) من «السير» للذَّهبي (6/ 121): «قال الأصمعي لما صافَّ قتيبةُ بنُ مسلم للترك، وهاله أمرُهم، سأل عن محمَّد بن واسع، فقيل: هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه، يُبصبصُ بأصبعه نحوَ السَّماء، قال: تلك الأصبعُ أحبُّ إليَّ من مئة ألف سيف شهيرٍ وشابٍّ طرير».

هذا؛ وإنَّ التَّأمُّل في آيتين من سورة الأنفال، يجمع لك هذه الأسباب الخمس؛ بل قد يزيد عليها، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُون * وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِين[الأنفال:45-46].

فقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ الله كَثِيرًا يدخل فيه التَّمسُّك بالقرآن، والاعتصام بالدُّعاء.

وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ تنبيه علي تقوى الله عز وجل.

وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ظاهرٌ في الأمر بالاتِّفاق والنَّهي عن الشِّقاق.

وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِين أمرٌ بـ «ملاك ذلك كلّه، وقوامه، وأساسه، وهو الصَّبر»، كما قال ابن القيِّم ـ رحمة الله  عليه ـ(9).

نذكِّر بأسباب النَّصر، وشرائط الظَّفر، عسى أن تُشحذ الهمم، وتُذكى العزائم، وتشرئبَّ الأعناق، وتتطلَّع النُّفوس لهذه الغاية القريبة البعيدة في آنٍ واحد، ألا وهي النَّصر، في زمنٍ أقلّ ما يقال فيه إنَّه زمن الذُّلِّ والهوان، والضّعة والانهزام، والتَّفرُّق والانقسام، قال في مثله أبو عبد الله القرطبي المفسِّر الإمام (ت 671): «وفي قولهم  رضي الله عنه: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ[البقرة:249] الآية، تحريض على القتال، واستشعار للصَّبر، واقتداءٌ بمن صدق ربَّه.

قلت: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؛ لكن الأعمال القبيحة، والنِّيَّات الفاسدة، منعت من ذلك حتَّى ينكسر العدد الكبير منَّا قدَّام اليسير من العدوِّ، كما شاهدناه غير مرَّة، وذلك بما كسبت أيدينا! وفي البخاري: وقال أبو الدرداء: «إنَّما تقاتلون بأعمالكم».

وفيه مسنَدٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «هَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إِلاَّ بضُعَفَائِكُمْ».

فالأعمال فاسدة، والضُّعفاء مهملون، والصَّبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتَّقوى زائلة!

قال الله تعالى:﴿اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ الله[آل عمران:200]، وقال:﴿وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُواْ[المائدة:23]، وقال:﴿إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون[النحل:128]، وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ[الحج:40]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُون[الأنفال:45].

فهذه أسباب النَّصر وشروطه، وهي معدومة عندنا، غير موجودة فينا، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون على ما أصابنا وحلَّ بنا! بل لم يبق من الإسلام إلاَّ ذكره، ولا من الدِّين إلاَّ رسمه، لظهور الفساد، ولكثرة الطُّغيان، وقلَّة الرَّشاد، حتَّى استولى العدوُّ شرقًا وغربًا برًّا وبحرًا، وعمَّت الفتن، وعظمت المحن، ولا عاصم إلاَّ من رحم !»(10).

نعم، لا عاصم إلاَّ من رحم، ولا ناصر إلاَّ الله، فنسأله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يعيد في أمَّة القرآن، انتصارات رمضان، وفتوحات رمضان، وما ذلك على الله بعزيز: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين[ص:88].

 



(1) انظر كتاب «من كل سورة فائدة» للشيخ عبد المالك رمضاني(ص 36).

(2) لبيان أنواع هجر القرآن، ينظر كتاب «الفوائد» لابن القيم (ص 118، 119).

(3) أي اشتدَّ وكثر، وهو استفعل من الحرِّ؛ لأنَّ المكروه غالبًا يضاف إلى الحرِّ، قاله ابن حجر في «الفتح» (9/ 16).

(4) تجد أقوالهم هذه رضي الله عنه في «البداية والنهاية» لابن كثير (9/ 468 ـ طبعة التركي).

(5) «تفسير الطَّبري» (1/ 617 ـ طبعة التُّركي).

(6) أخرجه أحمد (10673)، وهو صحيح.

(7) «جامع العلوم والحكم» لابن رجب (1/ 488).

(8) «ديوان الحماسة مع شرح المرزوقي» (2/ 1511).

(9) «الفروسية» (ص 506)، وله كلامٌ رقراقٌ على هذه الآية في هذا الكتاب ينبغي الوقوف عليه.

(10) «تفسير القرطبي» (4/ 245).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 16»