أنت هنا:دراسات في السيرة»تأملات في الخطب النبوية

تأملات في الخطب النبوية

  • عبد الغني عوسات
تم قراءة المقال 175 مرة

 

الحمد لله الَّذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهرَه على الدِّين كلِّه، ولو كره المشركون من الخَلْقِ.

والصَّلاة والسَّلام على خطيب الأنبياء وقدوة الأئمَّة والخطباء، والأمَّة جمعاء، بعثه الله رحمةً للعالمين، وجعله هدًى للنَّاس أجمعين، فجعل سِيرَتَه مصدرًا لِمَن أراد حسن السِّيرة من البشر، ومرجعًا عند الاختلاف في الفِكر والنَّظر في الدَّعوة والخَطابة والذِّكر والأثر، أمَّا بعد:

فإنَّ سيرة رسول الله ﷺ عامرةٌ بالدُّروس والعبر، ووافرة بالغرر والدُّرر، وظاهرة مع تقادم الزَّمان والعصر، وفاخرة بمسيرة من جعله الله أسوة للبشر، قال تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا[الأحزاب:21].

فلابدَّ ـ إذن ـ مِنْ حُسْنِ التَّأمُّل والتَّدبُّر في فصولها، والفهم عند استقرائها واستجلاء عِظاتها، وعدم التَّقدُّم والتَّأخُّر عن أصولها.

لقد بعث الله تعالى رسوله ﷺ على حين فترة من الرُّسل وقلَّة العلم وفشوِّ الجهل والضَّلال، وفضَّله الله بحَمْلِ رسالة الإسلام، وجعله تاليًا لخير الكلام، ومزكِّيًا للأنام، ومعلِّمًا إيَّاهم الكتاب والحكمة بإحكام، وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين، كيف لا؟! وهو ﷺ الَّذي قال فيه ربُّه سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا[الأحزاب:45-46]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين[آل عمران:164]، فلقد أدَّاها أكمل الأداء وبلَّغها في أوضح صور البيان والإبداء، وذلك من الابتداء إلى الانتهاء، هذا ما شهد له به أصحابه الأمناء، وجاء مِصداقًا لشهادة الله في السَّماء، قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُوم[الذاريات:54].

ولقد كانت سيرته الدَّعوية ومسيرته التَّعليميَّة حافلةً بأنفع المقالات، ووافية لأجمل المناسبات، وذلك لما بذله ﷺ في وعظ النَّاس وإرشادهم، وتزكيتهم وإصلاحهم من جهد، من غير أن يشقَّ عليهم، بل إنَّه كان حريصًا عليهم ـ رحمةً ولطفًا ورأفةً ورفقًا ـ قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم[التوبة:128].

وتمثَّل أصحابه ـ الدُّعاة ـ من بعده هذا الخلق الكريم، والتزموه في دعوتهم، فعن أبي وائل رحمه الله قال: «كان عبد الله  ـ ابن مسعود ـ رضي الله عنه يذكِّر النَّاس في كلِّ خميس، فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الرَّحمن! وَدِدْتُ أنَّك ذكَّرتنا كلَّ يوم، قال: أمَا إنَّه يمنعني من ذلك أنِّي أكره أن أُمِلَّكُمْ، وإنِّي أتخوَّلكم بموعظتي كما كان النَّبيُّ ﷺ يتخوَّلنا بالموعظة مخافةَ السَّآمة علينا»(1)، فكانت دعوتُه حافلةً بالوسائل والطُّرق الشَّرعيَّة الهديَّة، وحاويةً للحاجات والمقاصد السَّنيَّة، على اختلاف العوامل الزَّمانيَّة والمكانيَّة، وهذا ما يدعو إلى الوقوف على هديه ﷺ في دعوته بغيةَ التَّأمُّل في طريقته الخطابيَّة وخطبه الرِّساليَّة الَّتي التزمها في سيرته ومسيرته الدَّعوية ـ تعتبر الخطبة من أنفع وأنجع وسائل البيان والإعلام والاجتماع والاتِّصال بالجماهير، وهي في الإسلام لها خصائصها ومقوِّماتها وضوابطها ومقاصدها(2)، فهي ليست فقط وسيلة دعويَّة، بل هي شعيرة تعبديَّة، قد أولاها الشَّارع عناية ورعاية، كخطبة الجمعة والعيدين وغيرهما، كما دلَّت على ذلك النُّصوص روايةً ودرايةً.

وكان ﷺ يبذل في خطبته جهده ليتعلَّمَ منه كلُّ من يراه ويسمعه، إذ كان ناطقًا فيها بلسان القال والحال.

فقد كان ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتدَّ غضبه، حتَّى كأنَّه مُنْذِرُ جيش، يقول: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ».

ويقول: «أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»(3).

وكان يعلِّم النَّاس فيها دينَهم، ويبيِّن لهم ما ينفعهم علمه ولا يسعهم جهله، وما لا ينبغي أن يفوتهم ذكره، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان كلام رسول الله ﷺ كلامًا فصلاً يفهمه كلُّ مَنْ سمعه»(4).

وعنها رضي الله عنها قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يَسْرُدُ سَرْدَكم هذا، ولكنَّه كان يتكلَّم بكلام بَيْنَهُ فَصْلٌ يحفظُه مَنْ جلَس إليه»(5).

وكانت ﷺ خطبه حقًّا خطبًا جامعةً مانعةً ونافعةً ماتعةً، حيث كانت في بيانها تامَّة، وفي أثرها هامَّة، وفي مقصدها عامَّة، قال ابن القيِّم رحمه الله: «وكان يُعَلِّمُ أصحابَه في خُطبته قواعِدَ الإِسلام، وشرائعَه، ويأمرهم، وينهاهم في خطبته إذا عَرَض له أمر، أو نهي، كما أمر الدَّاخلَ وهو يخطبُ أن يُصليَ ركعتين.

ونهى المتخطِّي رِقابَ النَّاس عن ذلك، وأمره بالجلوس، وكان يقطعُ خطبته للحاجة تعْرِضُ، أو السُّؤالِ مِنْ أَحَدٍ من أصحابه، فيُجيبه، ثمَّ يعود إلى خُطبته، فيتمُّها»(6).

عن أبي رفاعة تميم بن أسيد رضي الله عنه قال: «انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ يخْطُبُ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ لا يَدْرِي مَا دِينُهُ؛ قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا»(7).

«وكان مدار خطبه على حَمْدِ الله، والثَّناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله، ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنَّة والنَّار والمعاد، والأمر بالتَّقوى، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه، وكان يخطب في كلِّ وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم»(8).

«وكان يقصر خطبته ويطيلها أحيانًا بحسب حاجة النَّاس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الرَّاتبة، وكان يخطب النِّساء على حدة في الأعياد ويحرِّضهنَّ على الصَّدقة(9).

فتلكم هي الخطبة الشَّرعيَّة الَّتي دلَّت عليها وجرت السِّيرة النَّبويَّة بصورة قوليَّة وفعليَّة ومبدئيَّة ومقصديَّة.

قال صدِّيق حسن خان رحمه الله: «...ثمَّ اعلم أنَّ الخطبة المشروعة، هي ما كان يعتاده النَّبيُّ ﷺ من ترغيب النَّاس وترهيبه، فهذا في الحقيقة روح الخطبة الَّذي لأجلها شُرعت»(10).

فكانت خطبه ﷺ قائمة ولا تزال دائمة ـ على مدار الأيَّام والأعوام ـ كالجمع والأعياد والحجِّ، وكذا منها ما هو منوط بالأحوال والأهوال الَّتي تعتري الأنام؛ كالاستسقاء والكسوف.

* خطبة الجمعة:

فأمَّا خطبة الجمعة الَّتي يتجدَّد إلقاؤها كلَّ أسبوع، وتسعى لحضورها الجموع، ويتأكَّد لزوم الإنصات إليها وعدم الاشتغال عنها، حتَّى لا يفوت ما فيها من الخير والذِّكر المجموع، فقد كان النَّبيُّ ﷺ يأمرهم بالدُّنوِّ منه، ويأمرهم بالإنصات، ويخبرهم أنَّ الرَّجل إذا قال لصاحبه: «أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَا»(11).

وكان من هدي النَّبيِّ ﷺ في الجمعة قصر الخطبة وإطالة الصَّلاة وإكثار الذِّكر والقصد في الكلمات الجوامع، فكانت خطبه جامعة مانعة يراعي فيها أحوال النَّاس وحاجات الخلق ونحو ذلك من الحقِّ.

فقد كان يقطعها للحاجة تعرض أو السُّؤال من أحدٍ من أصحابه يسْردُ، أو يرى منهم ذا فاقة أو حاجة فيأمرهم بالصَّدقة.

* خطبة العيدين:

وفي العيدين أمر النَّبيُّ ﷺ أن يخرج النَّاس بكثرة؛ ليشهدوا الخير ويحضروا الذِّكر، يرجون البركة والبرَّ، فعن أمِّ عطيَّة رضي الله عنها قالت: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ أَنْ نُخْرِجَ في العِيدَيْنِ العَوَاتِق وذواتِ الخُدُور، وأَمَرَ الحُيَّضَ أن يَعْتَزِلْنَ مُصلَّى المسلمين، فيكبِّرْنَ بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطُهْرَتَه»(12).

وكان ﷺ يخطب فيها النَّاس ويأمرهم بتقوى الله ويحثُّهم على طاعته ويَعِظُهم بما يدفعهم إلى الجنَّة ويمنعهم من النَّار.

عن جابر رضي الله عنه قال: «شهدت مع النَّبيِّ ﷺ يوم العيد، فبدأ بالصَّلاة قبل الخطبة، بلا أذان ولا إقامة، ثمَّ قام مُتَوَكِّئًا على بلال، فأمر بتقوى الله تعالى، وحثَّ على طاعته، ووعظ النَّاس، وذكرَّهم، ثمَّ مضى حتَّى أتى النِّساء فوعظهنَّ وذكَّرهنَّ، وقال: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنََّ أَكْثَركُنَّ حَطَب جَهَنَّمَ»، فقامت امرأة من سِطَة النِّساء سَفْعَاء الخَدَّيْنِ، فقالت: لِمَ يا رسول الله؟! فقال: لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ»، قال: فجعلن يتصدَّقن من حُلِيِّهنَّ يلقين في ثوب بلال من أقرطتهنَّ وخواتمهنَّ»(13).

* خطبة عرفة:

وفي موسم الحجِّ الَّذي يأتيه النَّاس من كلِّ حدبٍ وَصَوْبٍ يَأْتونَ مِنْ كُلِّ فجٍّ عميقٍ ليشهدوا منافع لهم، ومن منافعه ما يشهدونه يوم عرفة الَّذي يجب على كلِّ حاجٍّ وجوده فيه، أين كان للرَّسول ﷺ مناسبةٌ لإمتاع الحاضرين وإسماع الشَّاهدين، كلمات نيِّرات وتوجيهات بيِّنات لا تزال قائمةً وقائدةً، وشاهدةً وإليها الأمَّة عائدة مذاكرة ومراجعة، كما فيها من توجيهات جامعة للقلوب والأذهان ولو تباعد الزَّمان والمكان، وكان ممَّا جاء في خطبته المشهورة والمأثورة حيث خطب النَّاس فقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكم حَرَامٌٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْ مَوْضٌوعٌ، وَدِمَاء الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبيعَةَ بْنِ الحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضعًا في بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْل، وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّل رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاس ابْنِ عَبْدِالمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللهَ في النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانِ اللهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْر مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بهِ كِتَابَ اللهِ وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بإِصبعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَينكتها إلى النَّاس: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثلاث مرَّات»(14).

فما أروعها من كلمات! وما أجمعها من توجيهات! وما أنفعها من إرشادات! وما أدفعها للضَّلالات!

* خطبة النَّحر:

وكذلك خطب النَّبيُّ ﷺ أصحابه يوم النَّحر، يعلِّم النَّاس فيها مناسكهم من النَّحر والإفاضة والرَّمي، فأسمعهم ما ينفعهم من الذِّكر، وممَّا جاء من قوله ووعظه، قال جابر رضي الله عنه: خطبنا ﷺ يوم النَّحر، فقال: «أَيُّ يَوْمٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ فقالوا: يومنا هذا، قال: فَأَيُّ شَهْرٍ أَعْظَم حُرْمَةً؟ قالوا: شهرنا هذا، قال: فأيُّ بَلَدٍ أَعْظَم حُرْمَةً؟ قالوا: بلدنا هذا؟ قال: فإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا، هَلْ بَلَّغْتُ؟ قالوا: نعم، قال: اللَّهُمَّ اشْهَدْ»(15).

فيا له من بيانٍ جامع بين حُرمة الزَّمان والمكان النَّافع للإنسان في العرفان الدَّافع إلى إخلاص العبادة للواحد الدَّيَّان.

* خطبة الاستسقاء:

وكذلك خطب النَّبيُّ ﷺ بعد صلاة الاستسقاء، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «خَرَجَ النَّبيُّ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلاً، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلاً، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي في العِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ»(16)، «أَيْ بَلْ كَانَ جُلّ خُطْبَته الدُّعَاء وَالاسْتِغْفَار وَالتَّضَرُّع» كما قال السِّندي في «حاشيته على ابن ماجه».

* خطبة الكسوف:

وكذلك خطب النَّبيُّ ﷺ بعد ما صلَّى صلاة الكسوف، وذلك لَمَّا خسفت الشَّمس في عصره فبعدما توضَّأ وأمر فنودي: إنَّ الصَّلاة جامعة وقام فأطال القيام في صلاته، وبعد انصرافه منها قام فخطب النَّاس فوعظهم ورهَّبهم من المعاصي وزجرهم عنها، وكان ممَّا جاء في خطبته بعدما حمد الله وأثنى عليه قوله ﷺ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لاَ يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا وَادْعُوا اللهَ، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِن أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِي أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللهِ! لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمْ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ»(17).

كانت خطبته ﷺ دعوةً وأسوةً، وينبغي التَّمسُّك بها بصدقٍ وقوَّةٍ؛ لِمَا في ذلك من اقتداءٍ بالسُّنَّة واهتداء للأمَّة، فالخير كلُّه في اتِّباع هديه، والشَّرُّ كلُّه في ابتداعِ مَنْ بعده، قال الشافعي رحمه الله: «أخبرنا عبد المجيد عن ابن جُريج قال: قلت لعطاء: ما الَّذي أرى النَّاس يدعون به في الخطبة يومئذ؛ أَبَلَغَك عن النَّبيِّ ﷺ أو عمَّن بعد النَّبيِّ ﷺ؟

فقال: لا إنَّما أُحْدِثَ، إنَّما كانت الخطبة تذكيرًا»(18).

وسبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاَّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

 



(1) رواه البخاري (70)، ومسلم (2821).

(2) قال العزُّ بن عبد السَّلام رحمه الله: «ولا ينبغي للخطيب أن يذكر في الخطبة إلاَّ ما كان يوافق مقاصدها من الثَّناء والدُّعاء والتَّرغيب والتَّرهيب بذكر الوعد والوعيد وكلِّ ما يحثُّ على طاعةٍ أو يزجر عن معصية وكذلك تلاوة القرآن». [«فتاوى العزِّ بن عبد السَّلام» (ص77)].

(3) رواه مسلم (867)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهنم

(4) رواه أحمد (6/ 138)، وأبو داود (4839)، وحسَّنه الألباني في «الصحيحة» (2097).

(5) رواه البخاري (3378)، ومسلم (2493)، والترمذي (3375)، واللَّفظ له.

(6) «زاد المعاد» (1/ 170 ـ 171).

(7) رواه مسلم (876).

(8) «زاد المعاد» (1/ 179).

(9) «زاد المعاد» (1/ 179).

(10) «الرَّوضة النَّديَّة» (1/ 345).

(11) البخاري (934) ومسلم (851).

(12) أخرجه البخاري (937) ومسلم (2093) وغيرهما.

(13) مسلم (110).

(14) انظر حديث حجة النَّبيِّ ﷺ من رواية جابر في «صحيح مسلم» (1218).

(15) رواه أحمد (15033).

(16)رواه أبو داود (1165)، والنسائي (1521)، والترمذي (558)، وابن ماجه (1266) وأحمد (1/ 230)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

(17) أخرجه البخاري (2/ 423، 427، 437، 440)، ومسلم (3/ 27، 28) وغيرهما.

(18) «الأم» (1/ 203).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 13»