أنت هنا:دراسات وبحوث»الربا والأزمة المالية

الربا والأزمة المالية

  • عثمان عيسي
تم قراءة المقال 2793 مرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

من (مجلة «الإصلاح» العدد 11)

 

امتازت الشَّريعة الإسلاميَّة بتنظيمها الشَّامل والعادل لجميع مناحي الحياة، وهذا في حدِّ ذاته خاصيَّة من خصائصها الفذَّة؛ فراعَت الحقوق، وأطَّرت الواجبات، وحافظت على الكليَّات الخمس: الدِّين، والنَّفس، والعقل، والنَّسل، والمال، ورسمت للنَّاس جميعًا الخطوط الَّتي تضبط علاقاتهم المتنوِّعة، علاقةَ الفرد بربِّه - جلَّ وعلا -، وعلاقتَه بغيره من بني جنسه، وعلاقتَه بما يحيط به، كما حرَّمت - في أصولٍ عامَّةٍ وقواعدَ جامعةٍ - كلَّ ما يُخلُّ بالأبدان والعقول، وما يفسد القلوب والأخلاق، وما يهلك الأموال ويُذهبُ بركتها، - وهذا معلوم مشاهَد -، فجاءت بفضل الله واضحةَ المعالم، بيِّنةَ الحدود، كلُّها عدل ورحمة ومصالح وحكمة.
وإنَّ من المناحي المهمَّة الَّتي أَوْلَتْها الشَّريعةُ الإسلاميَّة العنايةَ الفائقة، جانبَ المعاملات الماليَّة، المندرجة تحت النِّظام الاقتصادي، هذا النِّظام الَّذي جاء بناؤه مُحْكَمًا في الإسلام على قواعدَ متينةٍ رصينة، أساسها المبادئ والقِيمُ الإيمانيَّة والأخلاقيَّة، قيمٌ ابتعد النَّاسُ عن العمل بها، أو أُبْعِدَت عن التَّعامل معها، فنتج الظُّلمُ والتَّعدِّي والجَور، وبَخْسُ الحقوق، وأَكْلُ المال بالباطل، ممَّا أفقد الأممَ أمنَها الاقتصادي والاجتماعي على حدٍّ سواء.

إنَّ الحديث عن الأزمة الماليَّة العالميَّة يكادُ يكون حديثَ الجميع، وهو موضوع ذو شعب كثيرة، تنوء بحمله صفحات يسيرة، في طليعة مجلَّةٍ.

وإنَّما سنذكر - بتوفيق الله - إشاراتٍ وومضاتٍ تكون نبراسًا لمن تيمَّم وجهةَ نظرٍ شرعيَّة في الموضوع.

إنَّ المال عَصَبٌ تُدار به حياةُ النَّاس، فهو زينة الحياة الدُّنيا، قال الله - عزَّ وجلَّ -:﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46]، وسلاحٌ مِن أسلحة الحقِّ والباطل، جُبل النَّاسُ على حبِّه، والافتتان به، قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)﴾ [الفجر]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)﴾ [العاديات]، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]، وعَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَقُولُ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي الْمَالُ» [أحمد، وهو صحيح].

فالمال ساحِرٌ يغرُّ ويغري، ولا يبطل أثرَ هذا السِّحر إلاَّ إيمانٌ راسخ، وتديُّنٌ شامخ، يعود بالمال إلى الأصل الَّذي خُلق من أجله، ويرجعُ به إلى الوظيفة الَّتي من أجلها أُنزل، من إقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة، فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا نَأْتِي النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَيُحَدِّثُنَا، فَقَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: «إِنَّ اللَّهَ - عزَّ وجلَّ - قَالَ: إِنَّا أَنْزَلْنَا الْمَالَ لإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادٍ لأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِ ثَانٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ وَادِيَانِ لأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِمَا ثَالِثٌ، وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» [أحمد، وهو صحيح].

ذلك لأنَّ المالَ مالُ الله - عزَّ وجلَّ -، وضعَه في أيدي النَّاس، وابتلاهم به لينظرَ ما هم عاملون فيه، وهو - جلَّ وعلا - سائلُهم عنه يوم القيامة، فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ» [التِّرمذي، وهو صحيح].

فإذا علم المسلمُ هذا وأيقنَه، زال غرورُه بماله، وزهوُه بما في يديه، خاصَّةً إذا لم يكسبه من حِلِّه أولم يضعْه في محلِّه.

وإنَّ من الكسب المحرَّم بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمَّة، الكسب بالرِّبا، وأكل المال بالباطل، وهو من خصال اليهود، كما قال - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)﴾ [النساء].

وقد وضعَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كلَّ شيء من أمر الجاهليَّة وأبطله، ومن ذلك ربا الجاهليَّة (ربا الدُّيون)، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - مرفوعًا: «أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ ... وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ... » الحديث [رواه مسلم].

والرِّبا من أعظم ما كان في الجاهليَّة من الظُّلم في المعاملات الماليَّة، ولهذا جاء الزَّجر عنه والتَّنفير منه في كتاب الله - جلَّ وعلا - بأسلوب لم يرد في غيره من الذُّنوب والموبقات، قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279)﴾ [البقرة].

فالمرابي متوعَّدٌ بحربٍ من الله ورسوله! ومتوعَّد باللَّعن، ومعه مَن شاركه وأعانه على هذا الذَّنب العظيم، فعَنْ جَابِر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ» [رواه مسلم]، والمُوكِل: هو مُعطيه، وآكلُه: آخذه، فسوَّى بينهما في الإثم لاشتراكهما في فعل ما حرَّم الله ورسولُه - صلَّى الله عليه وسلَّم -.

ولا يخفى على كلِّ ذي لبٍّ مفاسد الزِّنا، وآثاره السَّيّئة على المجتمعات، فمع ما فيه من فساد الدِّين والدُّنيا، كان الرِّبا أعظمَ قبحًا منه وأشدَّ فحشًا.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -:«الرِّبَا سَبْعُونَ حُوبًا أَيْسَرُهَا أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ» [رواه ابن ماجه وهو صحيح].

والحُوب: الإثم.

إنَّ ما سبق بيانه والتَّذكير به من تحريم الرِّبا وأنَّه من كبائر الآثام والذُّنوب، هو معدودٌ من قبيل المعلوم تحريمه من الدِّين بالضَّرورة، ومع ذلك صارت مثلُ هذه النُّصوص القطعيَّة عند طائفة من المسلمين أمورًا محتملةً، وباتت قضيَّة الرِّبا - بِصُوَرِهِ العصريَّة - وغيره من وسائل أكل أموال النَّاس بالباطل، من المسائل الَّتي يمكن الأخذ والردُّ فيها!

إنَّ في هذا نسفًا وإبطالاً لقواعد الدِّين، وتشكيكًا في أحكام شريعة ربِّ العالمين، وتهوينًا للعواقب والآثار النَّاجمة عن ذلك في الدَّارين، نصوص تُلوى أعناقُها، وتُكسر أيديها، وتُعَكَّف أرجلُها لتوافقَ ﴿أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)﴾ [المائدة].

إنَّه ليس من الافتئات في شيء أن نتكلَّم في سياسة المال، ولا يُعدُّ هذا تدخُّلاً في تخصُّص الاقتصاديِّين؛ لأنَّ الكلام منضبطٌ بالشَّرع، ومؤصَّل عليه، وإنَّ محاولة مَنْ يسعى بأقلام مسمومة، إسكاتَ أهل العلم بالشَّرع عن بيان الحقِّ للنَّاس، وإرشادِهم إليه ليُعدُّ قلبًا للموازيين، ومغالطةً للمسلمين، واتِّباعًا لغير سبيل المؤمنين، ولو زَعَمَ مَنْ زَعَمَ منهم أنَّه يريد التَّيسير ورفع الإصر عن النَّاس، بناءً على كذبة صَلْعَاء اختلقوها، وفريةً خرقاء اصطنعوها، مفادُها: «أنَّ لا حياة اقتصاديَّة من غير بنوك ولو كانت ربويَّة!»، فأَعمَلوا العقولَ الطَّريحة مجرَّدةً عن الوحي، وصادَموا بها النُّقول الصَّحيحة الصَّريحة عن الله - عزَّ وجلَّ - ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -، متعلِّلين بحجَّةٍ واهية وهي: الحفاظُ على اقتصاد البلاد، ورفع الحرج والضَّيق عن العباد!

ولا يكاد يخفى بطلانُ هذا القول على مَنْ له مسكةُ عقل، وبقيَّةُ نُهْيَةٍ، فقد بات واضحًا أنَّ هذا الكلامَ ادِّعاءٌ فاضحٌ، لا أساس له من الصِّحَّة، والواقع - نفسُه - يُكذِّبه، ولهذا كان هذا القولُ مستهجنًا لا يباليه أهلُ العلم بالة، فأنَّى للرِّبا أن ينمِّي اقتصادًا، والله - عزَّ وجلَّ - يقول: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)﴾[البقرة].

قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في «تفسيره» (1/ 713): «يخبر الله تعالى أنَّه يمحق الرِّبا، أي: يُذْهِبه، إمَّا بأن يُذهبه بالكليَّة من يد صاحبه، أو يحرمَه بركةَ مالِه فلا ينتفع به، بل يعذِّبه به في الدُّنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة ...» اهـ.

إنَّ النُّموَّ الحقيقيَّ للاقتصاد لا يكون بالتَّعامل بالرِّبا، وتعاطي الفوائد الرِّبويَّة أبدًا، وأكل أموال النَّاس بالباطل، بل هذه الموبقات هي الَّتي تعرقلُ عمليَّةَ النُّموِّ وتعوقُها، وها هي البنوك الرِّبويَّة في بلاد الكفر الَّتي ما قامت الرَّأسماليَّةُ اللِّيبراليَّة إلاَّ على أركانها، قد حوَّلت النُّقودَ الَّتي جعلها اللهُ حَكَمًا للقيمة، وثمنًا للمبيعات، ومعيارًا يُعرف بها تقويم السِّلع، ووسيطًا للتَّبادل التِّجاري، حوَّلتها إلى سِلعة تطلبُ لذاتها، وتُؤجَّر بعَيْنِها، فأخرجتِ النُّقودَ عن وظيفتها الأصليَّة وهي تداولها بين أيدي النَّاس، وعدم اكتنازها، أو تعطيلها، وقد بيَّن الإمام ابنُ القيِّم - رحمه الله - هذا بيانًا شافيًا في معرض كلامه عن الثَّمنيَّة الَّتي في النُّقود، فقال في «إعلام الموقِّعين» (3/ 401 - 402): «فإنَّ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ أثمانُ المبيعات، والثَّمن هو المعيار الَّذي به يُعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثَّمن يرتفع وينخفض كالسِّلع لم يكن لنا ثمنٌ نعتبرُ به المبيعات، بل الجميع سِلَعٌ، وحاجة النَّاس إلى ثمنٍ يعتبرون به المبيعات حاجة ضروريَّة عامَّة، وذلك لا يمكن إلاَّ بسعر تُعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلاَّ بثمن تُقوَّمُ به الأشياء، ويستمرُّ على حالة واحدة، ولا يُقوَّم هو بغيره؛ إذ يصير سلعةً يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات النَّاس ويقع الخلف ويشتدُّ الضَّرر، ... » اهـ.

ومن عَرَفَ كيفَ تعمل البورصات، وما فيها من أنواع الغَرَرِ والمخاطرات، وعلى أيِّ شيء أُسِّست الأسواقُ الماليَّة، وكيف يُوظَّف فيها المالُ، علِمَ صدقَ كلامِ ابن القيِّم - رحمه الله - وعمقَه.

إنَّ الموارد الماليَّة في الشَّريعة الإسلاميَّة يُشترط فيها الحلُّ، فلا يجوز أن يكون مصدرُها من الحرام، فلا تُلتمس إلاَّ بالطُّرق الَّتي أذن بها الله - عزَّ وجلَّ -، وشرعها لنا، وأرشدنا إليها، قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267]، وكذلك الشَّأن بالنِّسبة للنَّفقات (صرف المال وتوزيعه) فيجب - أيضًا - وضعها في محلِّها، قمعًا لنزعات النَّفس إلى الإسراف والتَّبذير، وتحقيقًا للأمن الاقتصادي والاجتماعي معًا، واتقاءً للعقبات والأزمات الماليَّة الخانقة، فمن الحكمة النَّظر في سياسة المال، وبناؤها على دعائم قويَّة متينة، تضمن رواجه، ووضوحه، وحفظه وثباته، وعدله، وتؤطِّره بما يحفظه من الهزَّات، وقد هيَّأ الله - عزَّ وجلَّ - في شريعته السَّمحة من المرونة ما يجعل ترشيد السِّياسة الماليَّة أمرًا مُمْكِنًا غير مستحيل، وحقيقيًّا غيرَ وهميٍّ، على أن لا يكون ذلك ردَّةَ فعل آنية أو ظرفيَّة، وإنَّما وفق خطَّةٍ محكمةٍ منصهرة في قالب التَّشريعات الإسلاميَّة، وقواعدها العامَّة ومقاصدها العظمى.

إنَّ الأزمات الماليَّة تُحلُّ بالعزمات الرَّبَّانيَّة، وانظر إلى نفسِ المؤمنِ المتعامل بالحلال أخذًا وعطاءً كيف تجده مرتاح البال، أثلجَ الصَّدر، قد لاَحَتْ عليه أريحة البِشر والسُّرور، أرضى ربَّه - عزَّ وجلَّ - في تعامله، وزكَّى ماله ونمَّاه بعدم خروجه عن حِمى شريعته، فنعِمَ بالأمن لَمَّا غيرُه فزع، واطمأن لَمَّا سواه جزع.

إنَّ الحقَّ حقٌّ، لا ينبغي أن تَضيقَ منه الصُّدور، أو يقابله أصحابُها بالبَطَرِ والرَّدِّ والنُّفور، فيُعاقبَون في الدُّنيا بالثُّبور، فالمعاصي شأنُها على الأفراد والمجتمعات خطير، وفشوُّّ الرِّبا مُؤذنٌ بعقاب الله وعذابِه، وقد حذَّرنا منه نبيُّنا البشير النَّذير - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: «إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي قَرْيَةٍ فَقَدْ أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِم عَذَابَ اللهِ» [رواه الحاكم، وهو حسن].

إنَّ التَّديُّن المصطَنعَ لا يمنعُ الفسادَ والإفسادَ، ولا يبعثُ على الصَّلاحِ والإصلاحِ، ولا يكون سببًا لأيِّ رُقيٍّ أو تقدُّم أو ازدهار، ولن يُصلح النَّاسَ إلاَّ إيمانٌ مقترن بعمل، واستقامةٌ لا نقص فيها ولا خطل.

ورجاؤُنا في الله - عزَّ وجلَّ - لا يخيِّبه ريبٌ ولا شكٌّ، ولا تعتريه شبهةُ يأس ولا قنوط، رجاءٌ يُذهِب عن الأمَّة كلَّ إحباط وفشل، ويزرع فيها الأخلاق والقِيم، ويرفع عنها خورَ العزائم والهمم، حتَّى ترجع كما كانت خيرَ أمَّة أُخرجت لسائر الأمم.

والله تعالى أعلى وأعلم، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.