أنت هنا:دراسات وبحوث»يحيى بن يحيى الليثي وروايته للموطأ

يحيى بن يحيى الليثي وروايته للموطأ

  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 5864 مرة

 

 

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده، وبعد:

فإنَّ من أعظم الكتب التي صُنِّفت في القرن الثَّاني الهجري «موطَّأ» إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي (ت179هـ)، وقد أخذه عنه أزيد من سبعين رجلًا، ولم يشتهر من هذه الرِّوايات إلَّا القليل، ثمَّ لم يَبْقَ منها إلى يومنا هذا إلَّا النَّزر اليسير، وهو ما يُوازي عُشر العدد الذي أخذ عن مالك «الموطَّأ».

ومن تلك الرِّوايات المشهورة الَّتي انتشرت في الآفاق، بل صار المُعوَّل عليها اليوم في الشَّرق والغرب بحيث إذا أُطلق لفظ «الموطَّأ» لم يُصرف في الغالب إلَّا لتلك الرِّواية، وهي رواية الإمام يحيى بن يحيى اللَّيثي الأندلسي.

وفي هذا المقال تعريفٌ بتلك الرِّواية وصاحبها، وبَنَيْتُ ذلك كلَّه على الاختصار، عسى الله أن ينفع كاتبها وقارئها، إنَّه ولِيُّ ذلك والقادر عليه.

* التَّعريف بصاحب الرِّواية:

هو الإمام يحيى بن يحيى بن كثير بن وَسْلاس، وقيل: وَسْلاسن بن شَمْلَل بن مَنْقايا المصمودي القرطبي أبو محمَّد اللَّيثي، أصله من البَرْبَر تولَّى بني ليث فنُسب إليهم، صاحب الرِّواية المشهورة عن مالك، ولد سنة (152هـ)، وتوفي سنة (233هـ)، وقيل: (234هـ).

* ثناء العلماء عليه:

قال ابن الفرضي: «قدم الأندلسَ بعلم كثير، فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه وقوله».

وقال أيضًا: «كان إمامَ وقته، واحدَ بلده، وكان رجلًا عاقلًا»(1).

وقال أحمد بن خالد: «لم يُعط أحد من أهل العلم بالأندلس منذ دخلها الإسلام من الحظوة، وعظم القدر، وجلالة الذِّكر ما أُعطيه يحيى ابن يحيى، وسمع منه مشايخ الأندلس في وقته»(2).

وقال أيضًا: «كان يحيى ـ رحمه الله ـ من العقلاء... وكان عالمًا فاضلًا»(3).

وقال محمَّد بن عمر بن لبابة: «عاقلُ الأندلس من العلماء يحيى بن يحيى، وفقيهُها عيسى بن دينار، وعالمُها عبد الملك بن حبيب»(4).

وقال ابن عبد البرِّ: «كان إمامَ أهل بلده، والمُقتدَى به فيهم، والمنظورَ إليه والمُعوَّلَ عليه، وكان ثقةً عاقلًا، حسنَ الهَدي والسَّمت، كان يُشبَّه في سَمْتِه بسَمت مالك بن أنس رحمه الله، ولم يكن له بصرٌ بالحديث»(5).

وقال الحميدي: «إليه انتهت الرِّياسةُ بالفقه بالأندلس، وبه انتشر مذهبُ مالك هناك»(6).

وقال الخليلي: «ثقة»(7).

وأخبار يحيى كثيرة، وذكر جملةً منها محمَّد بن حارث الخشني في كتابه «أخبار الفقهاء والمحدِّثين»، ثمَّ قال في آخر ترجمته: «وأخبارُ يحيى بن يحيى كثيرة غزيرةٌ، لو ذهبتُ إلى تقصِّيها واستيعابها لطال بها الكتاب طولًا يخرج عن حَدِّ ما بُني عليه من معرفة العلماء»(8).

* سماعه للموطَّأ:

طلب يحيى بن يحيى اللَّيثي العلمَ بالأندلس عند زياد بن عبد الرَّحمن شبطون، راوِيةِ مالك بن أنس، ثمَّ رحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع من مالك بن أنس «الموطَّأ»، غير أبواب من كتاب الاعتكاف، شكَّ في سماعها، فأثبت روايتَه فيها من زياد بن عبد الرَّحمن شبطون.

ثمَّ التقى يحيى بعبد الرَّحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك، فسمع منه المسائل التي دوَّنها ابن القاسم عن مالك، فنشط يحيى للرُّجوع إلى مالك ليسمع منه تلك المسائل، فرحل إليه رحلةً ثانيةً، فَأَلْفَى مالكًا عليلًا، فأقام عنده إلى أن توفي رحمه الله، وحضر جنازته(9).

وقال القاضي عياض: «كان لقاؤه لمالك سنة تسع وسبعين (أي ومائة)، السَّنة التي مات فيها مالك»(10).

وعليه يكون يحيى بن يحيى سمع «الموطَّأ» من مالك في أواخر حياته رحمه الله، وقد كتب الله لروايته القبول، وعكف عليها العلماء شرحًا لمعانيها وفقهها، وتعريفًا برجالها وأسانيدها، وغير ذلك ممَّا صُنِّف حول «الموطَّأ»، وعوَّل عليها كثيرٌ من علماء المسلمين في دراستهم لموطَّأ مالك، خاصة المغاربة منهم، كابن عبد البرِّ والباجي وابن الحذاء وابن العربي، وغيرهم، فصارت روايته أشهر الرِّوايات، وأصبحت في وقتنا المعتمدة عند الإطلاق.

وكان يحيى بن يحيى في روايته قد فوَّت أبوابًا من كتاب الاعتكاف، وهذا هو المشهور، وذكر ابن ناصر الدِّين عن هبة الله بن الأكفاني أنَّه ذكر في كتابه  «تسمية رواة الموطَّأ عن مالك» أنَّه بقي عليه كتاب أو كتابان.

قال ابن ناصر الدِّين: «وذكر غير ابن الأكفاني أنَّ يحيى اللَّيثي شكَّ في أيُّوب (كذا، والصواب: أبواب) من كتاب الاعتكاف، وهي خروج المعتكف إلى العيد، وباب: قضاء الاعتكاف، وباب: النكاح في الاعتكاف، هل سمع ذلك من مالك أم لا؟ فأخذه عن زياد بن عبد الرَّحمن شبطون عن مالك»(11).

* لطيفة:

قال أحمد بن خالد، المعروف بابن الجَبَّابِ: «وقع في باب من تلك الأبواب غلط من إسناد حديث رواه يحيى بن يحيى عن زياد بن عبد الرَّحمن عن مالك بن أنس عن الزُّهري، ورواه أصحاب مالك كلُّهم عن يحيى بن سعيد عن عمرة.

قال أحمد: فأردتُ أن أتثبَّت وأعرف إن كان الغَلَط من زياد بن عبد الرَّحمن أو من يحيى بن يحيى، فسألت بعض آل زياد فأخرج إليَّ الكتاب الَّذي رواه زياد عن مالك، فوجدت الورقة التي فيها تلك الأبواب قد نُزعت من كتاب زياد، فتأوَّلتُ أنَّ زيادًا فعل ذلك إعظامًا ليحيى بن يحيى لئلَّا يشركه أحدٌ في روايته عنه»(12).

* منزلته في الرِّواية عن مالك:

تقدَّم قول ابن عبد البرِّ رحمه الله: «ولم يكن له بَصَرٌ بالحديث».

قال الذَّهبي: «نعم، ما كان من فرسان هذا الشَّأن، بل كان متوسِّطًا فيه رحمه الله»(13).

قلت: فَلِذَا أُخذ عليه في روايته للموطَّأ أوهامٌ نبَّه عليها كثيرٌ من العلماء كابن عبد البرِّ، وابن الحذاء، وأبي العباس الدَّاني، وغيرهم.

وقال محمَّد بن حارث الخشني: «وذكر بعضُ النَّاس أنَّه كان ليحيى بن يحيى في «موطَّأ مالك بن أنس» رحمه الله، وفي غيره تصحيف، فأمَّا إبراهيم ابن محمَّد بن باز(14) فكان يُكثر على يحيى في ذلك ويقول: «غلط يحيى في «الموطَّأ» في نحو من ثلاثمائة موضع»، فذُكر ذلك لأحمد بن خالد فقال: لا ولا، هذا كلُّه الَّذي صحَّ من ذلك نحو ثلاثين موضعًا.

قال محمد (أي الخشني): قال لي يعلى بن سعيد: حصَّل محمَّد بن وضَّاح ذلك الغلط كلّه فأصاب ستَّة وثلاثين موضعًا.

قال محمَّد: وقرأت تلك المواضع كلّها في كتاب محمَّد بن عبد الملك بن أيمن، وإنَّما هي في الإسناد ليس في متون الأحاديث» اهـ.

ثم ذكرها محمَّد بن حارث الخشني حديثًا حديثًا، وتكلَّم على غلط يحيى ووهمه، وبعضها ممَّا توبع عليه يحيى(15).

وبالرغم من تلك الأوهام كان يحيى اللَّيثي من أحسن أصحاب مالك نقلًا لموطَّئه، قال ابن عبد البرِّ: «ولعمري لقد حصَّلت نقله عن مالك، وألفيته من أحسن أصحابه نقلًا، ومن أشدِّهم تخلُّصًا في المواضع التي اختلف فيها رواة «الموطَّأ»، إلَّا أنَّ له وهمًا وتصحيفًا في مواضع فيها سماجة»(16).

وقال أيضًا: «وأُخذ عليه في روايته في «الموطَّأ»، وحديث اللَّيث وغيره أوهام نُقلت، وكُلِّم فيها فلم يغيِّر ما في كتابه، واتَّبعه الرُّواة عنه، وقد عرفها النَّاس، وبيَّنوا صوابها، وأمَّا ابن وضَّاح فإنَّه أصلحها ورواها النَّاس عنه على الإصلاح»(17).

هذه مكانة يحيى اللَّيثي في الرِّواية عن مالك، فروايته رواية متقنة إلَّا في مواضع نبَّه عليها العلماء.

* الرواة عن يحيى بن يحيى اللَّيثي:

أخذ «الموطَّأ» عن يحيى بن يحيى اللَّيثي أكثر من واحد، واشتهرت رواية رجلين، وهما: ابنه عبيد الله، وكان آخر من أخذ عن يحيى اللَّيثي، والثَّاني: محمَّد بن وضَّاح، وروى عن يحيى غيرهما(18)، إلَّا أنَّ روايتهما أشهر وعليهما عوَّل كلُّ من سمع «الموطَّأ» من بعدهما(19).

فأمَّا عبيد الله:

فهو مُسنِد قرطبة عبيد الله بن يحي بن يحي بن كثير أبو مروان اللَّيثي مولاهم الأندلسي، ولد سنة (210هـ)، وقيل: (217هـ)، وتوفي ـ رحمه الله ـ في رمضان سنة (299هـ)، وقيل: (298 هـ).

قال محمَّد بن حارث الخُشَني: «كان عاقلًا وقورًا، وافرَ الحرمة، عظيمَ الجاه، بعيدَ الاسم، تامَّ المروءة، عزيزَ النَّفس، غَزِيرَ المعروف، نهَّاضًا بالأثقال، مُشَاوَرًا في الأحكام»(20).

وقال ابن الفرضي: «روى عن أبيه علمًا كثيرًا، ولم يسمع بالأندلس من غيره... وكان رجلًا عاقلًا كريمًا، عظيمَ المال والجاه، مقدَّمًا في المشاورة في الأحكام، مقدَّمًا برئاسة البلد غير مدافَع»(21).

وكان عبيد الله يروي عن أبيه «الموطَّأ» لفظًا، لا يغيِّر شيئًا من حروفه، وبهذا امتازت روايته على رواية ابن وضَّاح.

وأمَّا ابن وضَّاح:

فهو محمَّد بن وضَّاح بن بَزِيع ـ بالباء الموحَّدة والزَّاي ثمَّ ياء فعين مهملة ـ مولى الإمام عبد الرَّحمن بن معاوية، القرطبي أبو عبد الله.

قال محمَّد بن حارث الخشني: «قال لي أحمد بن عبادة: كان ابن وضَّاح منتجبًا (كذا بالجيم، ولعله منتخِبًا) للرِّجال لا يأخذ شيئًا من روايته إلَّا عن الثِّقة، وأدخل الأندلس عِلمًا عظيمًا، وسمع منه من أهلها بشَرٌ كثير، قال محمَّد: كان ابنُ وضَّاح شيخَ الأندلس»(22).

قال ابن الفرضي: «كان عالمًا بالحديث، بصيرًا بطرقه، متكلِّمًا على عللِه، كثيرَ الحكاية عن العبَّاد، وَرِعًا زاهدًا فقيرًا متعفِّفًا...»(23).

وكان ابنُ وضَّاح ـ رحمه الله تعالى ـ ممَّن يغيِّر في رواية يحيى اللَّيثي، ويصلح الخطأ ـ في نظره ـ بحسب معرفته، أو اعتمادًا على الرِّوايات الأخرى عن مالك.

وتقدَّم قول ابن عبد البرِّ: «وأمَّا ابن وضَّاح فإنَّه أصلحها ورواها النَّاس عنه على الإصلاح».

قلت: إصلاحه لرواية يحيى كان موفَّقا في بعض المواطن دون بعض، وقد كَرِهَ العلماء التَّصحيح دون تنبيه، وكان من شأن الحذَّاق التَّنبيه على الوهم بالتَّضبيب لا بإصلاحه وحذف ما سواه.

قال القاضي عياض: «الَّذي استمرَّ عليه عملُ أكثر الأشياخ نقل الرِّواية كما وصلت إليهم وسمعوها، ولا يغيِّرونها من كتبهم، حتَّى أطردوا ذلك في كلمات من القرآن استمرَّت الرِّواية في الكتب عليها بخلاف التِّلاوة المجمع عليها، ولم يجئ في الشَّاذِّ من ذلك في «الموطَّأ» و«الصَّحيحين» وغيرها حماية للباب؛ لكن أهل المعرفة منهم ينبِّهون على خطئها عند السَّماع والقراءة وفي حواشي الكتب، ويقرؤون ما في الأصول على ما بلغهم.

ومنهم من يجسر على الإصلاح، وكان أجرأَهم على هذا من المتأخِّرين القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوَقَّشي، فإنَّه لكثرة مطالعته وتفنُّنه، كان في الأدب واللُّغة وأخبار النَّاس وأسماء الرِّجال وأنسابهم وثقوب فهمه وحدَّة ذهنه، جَسَرَ على الإصلاح كثيرًا، وربَّما نبَّه على وجه الصَّواب؛ لكنَّه ربَّما وهم وغلط في أشياء من ذلك، وتحكَّم فيها بما ظهر له أو بما رآه في حديث آخر، وربَّما كان الَّذي أصلحه صوابًا، وربَّما غلط فيه وأصلح الصَّواب بالخطأ، وقد وقفنا له من ذلك في «الصَّحيحين» و«السِّير» وغيرها على أشياء كثيرة، وكذلك لغيره ممَّن سلك هذا المسلك.

وحماية باب الإصلاح والتَّغيير أولى؛ لئلَّا يجسر على ذلك من لا يحسن، ويتسلَّط عليه من لا يعلم، وطريق الأشياخ أسلم مع التَّبيين، فيذكر اللَّفظ عند السَّماع كما وقع، وينبِّه عليه، ويذكر وجه الصَّواب، إمَّا من جهة العربية، أو النَّقل، أو وروده كذلك في حديث آخر، أو يقرؤه على الصَّواب، ثمَّ يقول: وقع عند شيخنا أو في روايتنا كذا، أو من طريق فلان كذا، وهو أولى؛ لئلَّا يقول على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ما لم يقل»(24).

وقال القاضي أيضًا في مقدمة كتابه «مشارق الأنوار»: «كثر في المصنَّفات والكتبِ التَّغييرُ والفسادُ، وشمل ذلك كثيرًا من المتون والإسناد، وشاع التَّحريف، وذاع التَّصحيف، وتعدَّى ذلك منثور الرِّوايات إلى مجموعها، وعمَّ أصول الدَّواوين مع فروعها، حتَّى اعتنى صبابة أهل الإتقان والعلم ـ وقليل ما هم ـ بإقامة أودها، ومعاناة رمدها، فلم يستمر على الكافة تغييرها جملة لما أخبر ـ عليه السَّلام ـ عن عدول خلف هذه الأمَّة، وتكلَّم الأكياس والنُّقَّاد من الرِّواة في ذلك بمقدار ما أوتوه، فمن بين غال ومُقَصِّر، ومشكور عليم، ومتكلِّف هَجوم، فمنهم من جسر على إصلاح ما خالف الصَّواب عنده، وغيَّر الرِّواية بمنتهى علمه وقدر إدراكه، وربَّما كان غلطه في ذلك أشدّ من استدراكه؛ لأنَّه متى فتح هذا الباب لم يوثق بعد بتحمُّل رواية، ولا أنِس إلى الاعتداد بسماع، مع أنَّه قد لا يُسلّم له ما رآه، ولا يُوافق على ما أتاه، إذ فوق كلِّ ذي علم عليم... فأمَّا الجسارة فخسارة، فكثيرًا ما رأينا من نبَّه بالخطأ على الصَّواب فعكس الباب، ومن ذهب مذهب الإصلاح والتَّغيير فقد سلك كلَّ مسلك في الخطأ، ودَلاَّه رأيه بغرور، وقد وقفت على عجائب في الوجهين، وسننبِّه من ذلك على ما توافيه العبر، وتحقق من تحقيقه أنَّ الصَّواب مع من وقف وأحجم، لا مع من صمم وجسر، وتتأمَّل في هذه الفصول ما تكلَّمنا عليه وتكلَّم عليه الأشياخ فيما أصلحه أبو عبد الله بن وضَّاح في «الموطَّأ» على رواية يحيى بن يحيى فيمن تقدَّم»(25).

فابن وضَّاح ـ رحمه الله ـ كان مِمَّن جسر على رواية يحيى اللَّيثي، وأصلح ما ظنَّه خطأ، فوقع فيما أنكره العلماء، والأمثلة فيما أصلحه وكان الصَّواب في تركه كثيرة.

لذا قال مؤرِّخ الأندلس المحدِّث أحمد بن محمَّد بن عبد البرِّ(26): «وله خطأٌ كثيرٌ محفوظٌ عنه، وأشياء كان يغلط فيها»(27).

وقال محمَّد بن حارث الخشني: «لم يشك النَّاس أنَّ محمَّد بن وضَّاح كان غايةً في الصِّدق والثِّقة، غير أنَّه حُفظت عليه زلَّات، كان محمَّد بن قاسم يعددها عليه، فحضرت محمَّد بن أحمد الأشبيلي وقد استفرغ في ملامة محمَّد بن قاسم من أجل ما كان يذكر في ابن وضَّاح، فسكت محمَّد بن قاسم عمَّا كان يصف من ذلك»(28).

وذكر ابن عبد البرِّ حديث عروة بن الزُّبير وقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لعبد الرَّحمن بن عوف: «كَيْفَ صَنَعْتَ يَا أَبَا مُحَمَّد فِي اسْتِلاَمِ الرُّكْنِ»، وزاد فيه ابن وضَّاح «الرُّكن الأسود»، وزعم أنَّ يحيى سقط له «الأسود»، قال ابن عبد البرِّ: «وقد صنع ابن وضَّاح مثل هذا أيضًا في «موطَّأ يحيى» في قول مالك: سمعت بعض أهل العلم يستحبُّ إذا رفع الَّذي يطوف بالبيت يده عن الرُّكن اليماني أنْ يضعها على فِيه، فأمر ابن وضَّاح بطرح اليماني من رواية يحيى، وهذا مِمَّا تَسَوَّرَ فيه على رواية يحيى، وهي أصوب من رواية يحيى (كذا)، ومن تابعه في هذا الموضع، وكذلك روى ابن وهب، وابن القاسم، وابن بكير، وأبو مصعب وجماعة في هذا الموضع عن مالك: أنَّه سمع بعض أهل العلم يستحبُّ إذا رفع الَّذي يطوف بالبيت يده من الرُّكن اليماني أن يضعها على فيه، زاد ابن وهب: من غير تقبيل، وقالوا كلُّهم: الرُّكن اليماني، والعجب من ابن وضَّاح ـ وقد روى «موطَّأ ابن القاسم»، وفيه اليماني ـ كيف أنكره.

وقد روى القعنبي عن مالك في ذلك قال: سمعت بعض أهل العلم يستحبُّون إذا رفع الَّذي يطوف بالبيت يده عن الرُّكن الأسود أن يضعها على فيه؛ هكذا قال القعنبي: الرُّكن الأسود، وأظنُّ ابن وضَّاح إنَّما أنكر «اليماني» في رواية يحيى؛ لأنَّه رأى رواية القعنبي، أو من تابع القعنبي على قوله: «الأسود»، فمن هنا أنكر «اليماني»، على أنَّ ابن وضَّاح لم يروِ رواية القعنبي، وروى «موطَّأ ابن القاسم» و«موطأ ابن وهب»، وفيهما جميعًا «اليماني»، كما روى يحيى، وهي بأيدي أهل بلدنا في الشُّهرة كرواية يحيى، ولكنَّ الغلط لا يسلم منه أحد، وأمَّا إدخاله في حديث عبد الرَّحمن بن عوف: «الأسود»، فكذلك رواه أكثر رواة «الموطَّأ»، فابن وضَّاح في هذا معذور؛ ولكنَّه لم يكن ينبغي له أن يزيد في رواية الرَّجل، ولا يردَّها إلى رواية غيره»(29).

ومع هذا التَّنبيه من ابن عبد البرِّ فقد تبع بن وضَّاح في بعض ذلك فأخطأ كخطئِه، ومثال ذلك ما ذكره الدَّاني في «أطراف الموطَّأ» في مرسل الزُّبير بن عبد الرَّحمن بن الزَّبير، قال: «قيَّد ابن وضَّاح: الزَّبير بفتح الزَّاي في الاسمين معًا، والجدّ والد عبد الرَّحمن لا خلاف أنَّه كذلك، وأما الزُّبير بن عبد الرَّحمن راوي الحديث فهو عند يحيى بن يحيى بضمِّ الزَّاي، وهكذا قيَّده ابنه عبيد الله، وكذا هو في رواية ابن بكير عن مالك، وهو قول البخاري، وصوَّبه الدارقطني، وغيره.

وقال محمَّد بن يحيى الحذَّاء في كتاب «التَّعريف برجال الموطَّأ»(30) له: «عبد الرَّحمن بن الزُّبير الأوَّل ـ يعني بالذكر ـ بضمِّ الزَّاي، والثَّاني بالفتح، هكذا رويناه، وهكذا قاله لي عبد الغنيِّ بن سعيد، وقال لي: هكذا قال لي عليّ بن عمر الدَّارقطني، وهكذا نقله البخاريُّ في «التَّاريخ»».

قال الشَّيخ أبو العبَّاس رضي الله عنه: «وزعم أبو عمر بن عبد البرِّ أنَّهما معًا بفتح الزَّاي، تابع ابن وضَّاح في ذلك، وغيَّرَا رواية يحيى بن يحيى على طريق الإصلاح بزعمهما، ولم يأتيا بشيء» اهـ(31).

وبناء على هذا، فإنَّ أصحَّ الرِّوايات عن يحيى ابن يحيى رواية ابنه عبيد الله، فهي أسلم من رواية ابن وضَّاح، فقد يغيِّر ابن وضَّاح، ويخطئ في تغييره، ويأتي من بعده فينسب الوهم فيه إلى يحيى أو مالك.

* المطبوع من رواية يحيى اللَّيثي:

طُبع كتاب «الموطَّأ» برواية يحيى اللَّيثي عدَّة طبعات، بالأسانيد، ومجرَّدة عن الأسانيد، وبعضها مع شروحات الأئمَّة كـ «التَّمهيد»، و«المنتقى»، و«تنوير الحوالك»، وغيرها.

ومن أبرز تلك الطَّبعات الَّتي انتشرت بين العلماء وطلاَّب العلم في المشرق والمغرب، طبعة بتحقيق: محمَّد فؤاد عبد الباقي، وقد طُبعت عدَّة مرَّات، وهي طبعة غير دقيقة، انتهج محقِّقها منهجًا غريبًا في ضبط هذه الرِّواية، فذكر المحقِّق في مقدِّمة الكتاب طريقته في التَّحقيق قال:

«جمعت بين يديَّ من نسخ «الموطَّأ» النُّسخ الآتية:

ثم ذكر ستَّةَ نسخٍ كلَّها مطبوعة، وآخرها المطبوعة بشرح الزّرقاني، ثمَّ قال:

«فكنت أقارن نصوص بعضها ببعض، فما اتَّفق الجميع عليه، وأيقنت أنَّه الصَّواب أثبته، وما اختُلف فيه رجَّحت الجانب الذي به «شرح الزّرقاني»، والنُّسخة المطبوعة في الهند عام (1307هـ) بعد أن أرجع إلى معاجم اللُّغة وكتب الحديث والرِّجال، فخلصتْ لي من هذه النُّسخ جميعها نسخة ما آلوت جهدًا أن تكون أصحَّ ما أخرجته المطابع الإسلامية في العالم الإسلامي»(32).

قلت: ومن كلامه هذا يتبيَّن ما يلي:

1 ـ أنَّه لم يعتمد على أيِّ نسخة مخطوطة للموطَّأ مع توافرها وكثرتها.

وهذا العمل جعله يُسقط من طبعته بعض الأحاديث التي قد تكون سقطت من الأصول التي اعتمدها، مثاله حديث يحيى بن سعيد المرسل: «أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كُفِّن في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة»، وهو ثابت في نسخة المحمودية (ل: 37/ب) لموطأ مالك برواية يحيى الليثي، وسقط أيضًا من «شرح الزّرقاني على الموطَّأ»!

وقد أضاف إلى رواية يحيى بعض الأحاديث الَّتي لم يرْوِها يحيى عن مالك، مثاله: حديث مالك، عن طلحة بن عبد الملك الأَيْلي، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة أمِّ المؤمنين، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلاَ يَعْصِهِ»(33).

وكذا ثبت الحديث في «تنوير الحوالك» و«شرح الزّرقاني»، والصَّواب أنَّه ليس عند يحيى بن يحيى، فقد خلت منه نسختَا المحمودية، ونسخة شستربيتي.

وقال ابن عبد البرِّ: «ليس عند يحيى عن مالك، وقد رواه القعنبي وأبو مصعب وابن بكير، والتنيسي، وابن وهب، وابن القاسم، وجماعة الرُّواة للموطَّأ، فكرهنا أن نخلي كتابنا من ذكره؛ لأنَّه أصل من أصول الفقه، وما أظنَّه سقط عن أحد من الرُّواة إلَّا عن يحيى ابن يحيى، فإنِّي رأيته لأكثرهم، والله أعلم»(34).

وقال أيضًا: «لم يفُت يحيى بن يحيى في «الموطَّأ» حديثٌ من أحاديث الأحكام ممَّا رواه غيره في «الموطَّأ» إلَّا حديث طلحة بن عبد الملك هذا، وسائر ما رواه غيره من الأحاديث في «الموطَّأ» إنَّما هي أحاديث من أحاديث الجامع ونحوه، ليست في أحكام، وأكثرها أو كلُّها معلولة، مختلف فيها عن مالك، وقد توبع يحيى، تابعه جماعة من رواة «الموطَّأ» على سقوط كلّ ما أسقط من تلك الأحاديث من «الموطَّأ»، إلَّا حديث طلحة هذا وحده، وما عداه فقد تابعه على سقوطه من «الموطَّأ» قوم، وخالفه آخرون، وقد ذكرنا ذلك في آخر هذا الباب، ويحيى آخرهم عرضًا، وما سقط من روايته فعن اختيار مالك وتمحيصه، والله أعلم»(35).

وأورده الدَّاني في «أطراف الموطَّأ» في قسم الزِّيادات على رواية يحيى، وقال: «عند ابن القاسم، وابن بكير، والقعنبي، ومطرف، ويحيى النَّيسابوريِّ، وعامَّة الرُّواة.

وعند يحيى بن يحيى صاحبنا منه ذكر المعصية خاصَّة مرسلًا، ذكر ذلك مالك وفسَّره، ولم يكمله هناك، ولا أسند الطَّرف المذكور منه»(36).

وقال ابن خلفون: «وهذا الحديث سقط من «موطَّأ يحيى بن يحيى الأندلسي»، وهو عند سائرِ رواة «الموطَّأ»»(37).

فهذا الحديث ـ بلا شكٍّ ـ أسقطه يحيى من روايته، وثبت عند سائر الرُّواة، ولا يوجد في النُّسخ الخطِّيَّة التي بين أيدينا، ومن العجب أن يعتمِد محقِّق «عوالي مالك» لأبي أحمد الحاكم: محمَّد الحاج النَّاصر على طبعة دار الفكر ببيروت لموطَّأ مالك برواية يحيى، ويستدرك على حافظ المغرب ابن عبد البرِّ هذا الحديث بكلام لا يُخاطَب بمثله طالب علمٍ، فكيف بحافظ المغرب، فقال ـ هداه الله ـ: «من غرائب ابن عبد البرِّ قوله في «التَّمهيد» ـ ثمَّ أورد كلامَه المتقدِّم ـ ثمَّ قال: لا يحزُنك يا أبا عَمرو (كذا والصواب عُمر) أنَّك لم تجده في «موطَّأ يحيى»، فهو فيه تحت رقم: (1031)، ك: النُّذور والأيمان، ب: 4 ـ ما لا يجوز من النُّذور في معصية الله، (ص296)، ولم يشد (كذا) عن غيره من رواة «الموطَّأ»، ومن عجبٍ أنَّك لم تجده عنده، وكان الأولى أن تتَّهم نسختَك من «الموطَّأ» أو حفظك له، أو مَن رويتَه عنهم، وتحاول استقراء البحث قبل أن تقع في هذه الأعجوبة، ولكن لكل جواد كبوة» اهـ.

أقول: من هو أولى بهذا المقال، آبن عبد البرِّ أم محمَّد النَّاصر، أنسختُك أولى وأتقن أم نسخة حافظ المغرب ومَن تبعه من أئمَّتِنا الأعلام!! ومَن هم أهل الاستقراء إن لم يكن ابن عبد البرِّ ومن تبعه من الأئمَّة؟! وهو يُخطِّأ أمثال هؤلاء بما في طبعة لا يُدرى كيف طُبعت، وما هي الأصول التي اعتمدت في طباعة دار الفكر!! نترك الجواب للقارئ.

ثمَّ أعود لِما تضمَّنه كلام محمَّد فؤاد عبد الباقي في مقدِّمة تحقيقه، فأقول:

2 ـ لم يبيِّن ما هي الرِّواية المعتمدة، هل هي رواية ابن وضَّاح، أم هي رواية عبيد الله عن أبيه، وبينهما من الفروق ما تقدَّم، فهو تارة يوافق عبيد الله، وتارة ابنَ وضَّاح، وتارة يخالفهما!

3 ـ أنَّه يصحِّح بالرُّجوع إلى كتب التَّراجم والحديث وغيرها، فبالتَّالي يصلح الخطأ الذي وقع فيه يحيى بن يحيى مثلًا، وتصير روايتُه تابعةً لرواية غيره عن مالك، فينتفي ما يذكره العلماء عنه من الأخطاء التي وقع فيها؛ لذا لا يكاد يوجد في هذه الطَّبعة ما يذكره العلماء من الأخطاء التي وقع فيها يحيى إلَّا نادرًا، ولو أصلح المحقِّق ذلك وبيَّن لَهَانَ الأمرُ، لكنَّه يصلح ويسكت، وقد تقدَّم في كلام أهل العلم نقض هذه الطريقة.

في آخر كلامه ما يبيِّن أنَّ نسخته هذه ملفَّقة من عدَّة نسخٍ ومصحَّحة من عدَّة كتب، فلم تعُد لها صلة بنسخة يحيى اللَّيثي، لذلك وقع المحقِّق في أخطاء جسيمة كوصل ما يرسله يحيى، ورفع ما يوقِفه، وأمثلة ذلك كثيرة، منها:

1 ـ وقع في «الموطَّأ» ـ رواية يحيى بن يحيى ـ (2 /358/رقم 9): عن نافع عن ابن عمر: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك، ونهى عن قتل النِّساء والصِّبيان»، كذا هو في المطبوع موصولًا.

وهذا خطأ؛ لأنَّ رواية يحيى لهذا الحديث عن مالك عن نافع مرسلة لم يذكر فيها ابن عمر، وانظر: نسخة المحمودية (ل: 56/ب).

وقال ابن عبد البرِّ: «هكذا رواه يحيى عن مالك عن نافع مرسلًا» [«التَّمهيد» (16 /135)].

والحديث أورده أبو العبَّاس الدَّاني في «أطراف الموطَّأ» في مرسل نافع (4 /596).

2 ـ وقع في «الموطَّأ» (1 /336/رقم 244) عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولى عبد الله بن عبَّاس، عن ابن عبَّاس: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بامرأة وهي في محفّتها، فقيل لها: هذا رسول الله، فأخذت بضبعي صبيٍّ، فقالت: ألهذا حجٌّ يا رسول الله؟ قال: «نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ»، كذا ورد الحديث موصولًا في الطَّبعة.

وورد في نسختي المحموديَّة (ل: 75/ب)، و(ل: 106/أ)، ونسخة شستربتي (ل: 22/ب)، عن كريب مولى عبد الله بن عبَّاس: «أنَّ رسول الله...»، مرسلًا.

وذكره أبو العباس الدَّاني في «أطراف الموطَّأ» في مرسل كريب (4 /562).

وأمثلة هذا الباب كثيرة، نكتفي بما أوردته.

وعلى هذه الطَّبعة عدَّةُ ملحوظات سوى ما تقدَّم، منها:

1 ـ السَّقْطُ والتَّصحيفُ، وأمثلتُه كثيرةٌ.

2 ـ ذِكر الكتب والتَّبويب، وقد انتهج المحقِّق في ذلك نهجًا غريبًا، حيث غيَّر تبويبات مالك وذِكر كتبه، وكما قيل: «فقهُ البخاري في تبويبه»، فكيف بمالك شيخ شيوخ البخاري.

ومثالُ ذلك كتاب الجامع آخر «الموطَّأ»، فمالكٌ وضع كتابًا جامعًا، جمع فيه أحاديثَ عدَّة، في مواضيع مختلفة، بوَّب عليها تبويباتٍ عدَّة تدلُّ على فقه الحديث ومعناه، فالجامع كتابٌ واحدٌ، مبوَّب إلى عدَّة أبواب؛ لكنَّ المحقِّق تجاسر وغيَّر، فذكر كتبًا في الجامع وبوَّب تلك الكتب، وذكر تحتها الأحاديث حسب ما اتَّفق، فالنَّاظر فيها يجد أنَّها لا توافق التَّرتيب الذي وضعه مالك.

والغريب في ذلك أنَّ المحقِّق لم يكتف بما في «شرح الزّرقاني»، فالزّرقاني لم يذكر إلَّا كتاب الجامع، وتحت هذا الكتاب عدَّة أبواب في قضايا مختلفة كما وضعه مالك رحمة الله عليه، والله أعلى وأعلم.

فمن هذا العرض يتبيَّن لنا أنَّه لا علاقة بما طبعه محمَّد فؤاد عبد الباقي برواية يحيى اللَّيثي، فطبعته لم تكن مبنيَّة على أساس علميٍّ متين، بل كانت على تغيير وتبديل لِما كانت عليه رواية يحيى اللَّيثي رحمه الله.

وللكتاب طبعةٌ أخرى أحسن وأتقن من هذه الطبعة، نشرها: د. بشار عواد معروف، وطَبَعَتْهَا دارُ الغرب الإسلامي، وكان بشارٌ تنبَّه لما وقع فيه محمَّد فؤاد عبد الباقي من أخطاء جسيمة، فانتقده نقدًا شديدًا في ذلك بعد أن كان تبعه في بعض أخطائه في تحقيقه لموطَّأ مالك برواية أبي مصعب الزُّهري.

وطبعة بشار تميَّزت بأنَّها محقَّقة على أصول خطيَّة، منها نسخة نفيسة بغدادية متقدِّمة النَّسخ، ونُسَخ أخر جعلها مساعدة متأخِّرة النَّسْخِ.

إلَّا أنَّه لم يتنبَّه لكثير من الفوارق بين رواية عبيد الله عن أبيه، ورواية محمَّد بن وضَّاح عن يحيى اللَّيثي، فأدمج إحدى الرِّوايتين في الأخرى، وكذا وقع في بعض الأخطاء سأشير إلى بعضها، والذي يبدو أنَّ الذي أوقعه في ذلك اقتصاره على نسخ معدودة من رواية يحيى ـ مع اعتذاره عن ذلك ـ وكما قدَّمت فنُسخ موطأ يحيى كثيرة، وسبق أن ذكرت نموذجًا من نسخ نفيسة في مكتبة المحمودية وغيرها.

ومن تلك الأخطاء التي وقع فيها، وقد يكون بعضها من النُّسخ التي اعتمدها:

المثال الأول: ذكر الحديث (رقم 346) في باب: في العَتَمَة والصُّبح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إِذْ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ...»، الحديث، ثمَّ ذكر معه حديث: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ»، وبعده حديث: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ...» الحديث.

وهذا الحديث الأخير ليس عند يحيى بن يحيى في هذا الموضع، إنَّما أورده في باب: ما جاء في النِّداء، وأسقطه في هذا الموضع وذكر فقط الحديثين اللَّذين قبله، مع أنَّ الحديث الثَّالث هو الموافق للتَّرجمة، وأصلحه محمَّد بن وضَّاح فذكره في هذا الباب، ولم يُنبِّه المحقِّق على ذلك.

وهذا الحديث لم يثبت في نسختيّ المحموديَّة (ل: 23/أ)، و(ل: 25/ب) وهما من رواية عبيد الله عن أبيه.

وقال ابن عبد البرِّ: «هذه ثلاثة أحاديث في واحد، كذلك يرويها جماعة من أصحاب مالك، وكذا هي محفوظة عن أبي هريرة، أحدها: حديث الذي نزع غصن الشَّوك عن الطَّريق، والثَّاني: حديث الشُّهداء، والثَّالث: قوله: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ»، إلى آخر الحديث، وهذا القسم الثَّالث سقط ليحيى من باب، وهو عنده في باب آخر منها ما كان ينبغي أن يكون في باب العَتَمَة والصُّبح، وقوله: «وَلَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ» إلى قوله: «وَلَوْ حَبْوًا»، فلم يَرْوِه عنه ابنه عبيد الله في ذلك الباب، ورواه ابن وضَّاح عن يحيى»(38).

وذكر أبو العبَّاس الدَّاني الفصلين الأوَّلين من الحديث، ثمَّ قال: «هذا الحديثُ فصلان، وليس فيه عند يحيى بن يحيى ما تقتضيه التَّرجمةُ، وسائِرُ رواة «الموطَّأ» يَصِلون به الحديثَ الَّذي قبله (أي حديث شهود العَتَمَة)، وبه يُطابقها»(39).

المثال الثَّاني: ذكر حديث أبي هريرة برقم (1322)، وفيه قصَّة خروجهم إلى خيبر والغلول من الغنائم، وجاء أنَّ القصَّة كانت بخيبر، والصَّواب أنَّ يحيى اللَّيثي ذكر أنَّ القصَّة وقعت في حنين في موضعين من الحديث، وأصلح ذلك ابن وضَّاح وردَّه إلى «خيبر»، ولم يُنبِّه المحقِّق على ذلك.

قال أبو العبَّاس الدَّاني: «خيبر مذكورةٌ في موضِعَين من هذا الحديثِ، وتصحَّفَ ليحيى بن يحيى في كِلَا الموضِعَين بحُنين بِنُونَيْنِ، وأصلحَه ابنُ وضَّاح فَرَدَّ «خيبر»، بالرَّاء والخاء المعجمةِ كما عند سائِرِ الرُّواة»(40).

قلت: كذا وقع في نسختيّ المحمودية (ل: 58/ب)، (ل: 86/ب) وأثبت خيبر في هامشها، وكذا في نسخة شستربتي (ل: 29/ب)، وبيَّن فيها أنَّ خيبر من تغييرات ابن وضَّاح.

وهناك أمثلة أخرى غير ما ذكرت لا نطيل بذكرها.

وبالجملة فهذه أحسن الطَّبعات لموطَّأ مالك برواية يحيى بن يحيى اللَّيثي، ولعلَّ المحقِّق يستدرك ذلك في طبعات قادمة للكتاب، والله الموفِّق للصَّواب، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وآله.



(1)  «تاريخ العلماء» (2/176، 177).

(2) «تاريخ العلماء» (2/176، 177).

(3) «أخبار الفقهاء والمحدثين» (358).

(4) «أخبار الفقهاء والمحدثين» (358).

(5) «الانتقاء» (109).

(6) «جذوة المقتبس» (360).

(7) «الإرشاد» (1/265).

(8) «أخبار الفقهاء والمحدِّثين» (367).

(9) انظر: «أخبار الفقهاء والمحدِّثين» للخشني (ص 359، 365)، «تاريخ العلماء» (2/176)، «الانتقاء» (ص106).

(10) «ترتيب المدارك» (3/380).

(11) انظر: «إتحاف السَّالك» (137).

(12) «أخبار الفقهاء والمحدِّثين» (348، 349).

(13) «السِّير» (10/523).

(14) هو أحد رواة «الموطَّأ» عن يحيى بن يحيى عن مالك، كما سيأتي.

(15) انظر: «أخبار الفقهاء والمحدِّثين» (349 ـ 358).

(16) «التَّمهيد» (7/102).

(17) «ترتيب المدارك» (3/381).

(18) وممَّن روى أيضًا عن يحيى بن يحيى: إبراهيم بن محمَّد ابن باز يُعرف بابن القزاز، أبو إسحاق القرطبيُّ، توفي سنة (274هـ)، كان فقيهًا عالمًا زاهدًا وَرِعًا.

انظر: «تاريخ العلماء» (1/18)، وروايته للموطَّأ في «فهرست ابن خير» (ص77، 79، 80).

(19) انظر الأسانيد المتَّصلة بعبيد الله ومحمَّد بن وضَّاح عن يحيى بن يحيى اللَّيثي في «التَّمهيد» (1/11)، «الفهرست لابن خير» (77 ـ 83)، «فهرس ابن عطيَّة» (63 ـ 64)، (78 ـ 80)، (91، 97، 107، 109، 130)، «الغنية» للقاضي عياض (29 ـ 32) (106)، «صلة الخلف» (33 ـ 35).

(20) «أخبار الفقهاء والمحدثِّين» (229).

(21) «تاريخ العلماء بالأندلس» (1/292)، وانظر: «جذوة المقتبس» (250)، «السِّير» (13/531).

(22) «أخبار الفقهاء والمحدِّثين» (122)، وذكر في ترجمته أسماء من روى عنهم ابن وضَّاح من أهل الأمصار.

(23) «تاريخ العلماء بالأندلس» (2/17)، وانظر: «جذوة المقتبس» (87)، «السِّير» (13/445).

(24) «الإلماع» (185، 186)، وانظر: «مقدِّمة ابن الصَّلاح في علوم الحديث» (175).

(25) «مشارق الأنوار» (3، 4).

(26) يكنَّى أبا عبد الملك، كان بصيرًا بالحديث متصرِّفًا في فنون العلم، توفي سنة (338هـ) [«تاريخ العلماء» (1/50)].

(27) «تاريخ العلماء بالأندلس» (2/17).

(28) «أخبار الفقهاء والمحدِّثين» (130)، وذكر الخشني جملة من أوهامه في الأحاديث.

(29) «التَّمهيد» (22/258، 259).

(30) انظره في «رجال الموطَّأ» (ل: 25/أ).

(31) «الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطَّأ» (4/553 ـ 555).

(32) انظر: المقدِّمة (19، 20).

(33) انظر: (2/379) (8).

(34) «التَّمهيد» (6/89).

(35) «التَّمهيد» (6/100).

(36) «الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطَّأ» (4/462).

(37) «أسماء شيوخ مالك بن أنس» (183).

(38) «التَّمهيد» (22/11).

(39) «أطراف الموطَّأ» (3/442).

(40) «أطراف الموطَّأ» (3/527).


* منقول من مجلة الإصلاح «العدد الثالث»