أنت هنا:دراسات وبحوث»إيقاظ العزائم إلى معرفة أحكام الولائم

إيقاظ العزائم إلى معرفة أحكام الولائم

  • أمينة حداد
تم قراءة المقال 92 مرة

 

الوليمة في اللُّغة: اسم لطعام العرس, أو كلُّ طعامٍ صُنِع لدعوةٍ أو غيرها.

ولقد وضعت العرب أسماءً لما كانت تصنعه من الأطعمة الَّتي لها موجِب وسبب, فسمَّوا طعام الختان «إعذارًا», و«العقيقة» للولادة, و«الخرس» لسلامة المرأة من الطلق, و«النقيعة» لقدوم المسافر, و«الوكيرة» للسَّكن المتجدِّد, و«الحِذاق» عند حذاق الصَّبي, و«الشُّندخ» طعام الإملاك على الزَّوجة, و«التُّحفة» طعام القادم, و«المِشداخ» الطَّعام المأكول في ختمة القارئ, و«المأدبة» ما يتَّخذ بلا سبب.

ويقع عليها جميعًا اسم الوليمة فيقال: وليمة ختان, أو وليمة إعذار, هكذا مقيَّدةً بالإضافة, أمَّا عند الإطلاق فالمقصود بالوليمة الطَّعام المصنوع للعرس(1).

وهذا بحثٌ محرَّر في الولائم الجائزة ممَّا ذكر, وهي الَّتي يقترن سببها بسرور حادث, وتجدُّد نعمة.

يخرج بذلك ما كان محظورًا كـ«الوضيمة» وهي الطَّعام المتَّخذ عند المصيبة والأسى, و«الزَّردة» وهو في عرفنا طعام يتَّخذ على ذبائح من بهيمة الأنعام عند مزارات من يعتقد صلاحهم.

أمَّا الأولى: أي الوضيمة فهي عملٌ منكرٌ وبدعةٌ في الدِّين, فعن جرير ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَعُدُّ الاِجتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ وَصَنعَةَ الطَّعَامِ بَعدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ»(2), قال ابن الحاج: «وأمَّا إصلاح أهل الميِّت طعامًا وجمع النَّاس عليه فلم ينقل فيه شيءٌ وهو بدعة»(3).

وأمَّا الثَّانية: وهي «الزَّردة», ففيها قال الشَّيخ حمَّاني مبيِّنًا تحريمها: «إنَّ الطَّعام واللَّحم المقدَّم في الزَّردة لا يحلُّ أكله شرعًا؛ لأنَّه ممَّا نصَّ القرآن على حرمة أكله فإنَّه سبحانه وتعالى يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ[المائدة:3] فاللَّحم ممَّا أهلَّ لغير الله, أي ذبح لغير الله بل للمشايخ»(4).

والقاعدة الَّتي تضبط المشروع من الممنوع في هذا الباب هي: «أنَّ الولائم إذا كان سببها إظهار سرور لموجب مباح لا موافقة لمواسم بدعيَّة أو أعياد غير شرعيَّة, فإنَّه لا مانع من الدَّعوة إليها, وتكون الإجابة واجبة, وقد قال ﷺ: «إِذَا دَعا أَحَدُكُمْ أخاه فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ»(5).

وهذا مزيد بيان لأحكام بعض الولائم المشهورة بين النَّاس:

أوَّلا ـ وليمة العرس:

هي واجبة في حقِّ الرَّجل, دلَّت على ذلك السُّنَّة, فعن أنس ابن مالك رضي الله عنه أنَّ عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه قال: يا رسول الله إنِّي تزوَّجت امرأةً على وزن نواة من ذهب؛ قال رسول الله ﷺ: «بَارَكَ الله لَكَ أَوْلِمْ وَلَو بِشَاةٍ»(6), ولم يثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّّه تركها أو تركها أصحابه, بل أولم وإن كان قليلاً, وقوله ﷺ لعبد الرَّحمن ابن عوف: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» ليس دليلاً على تعيُّن اللَّحم فيها, بل يحتمل أنَّه كان أقلَّ ما رآه ﷺ في حقِّ عبد الرَّحمن؛ لأنَّه كان واجدًا.

- ويستحبُّ لأصحاب الزَّوج وجيرانه مساعدته في وليمته بما عندهم, قال أنس رضي الله عنه: أصبح النَّبيُّ ﷺ عروسًا بصفيَّة فقال: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيءٌ فَلْيَجِئ بِهِ؛ قال: وَبَسَطَ نطعًا» فجعل الرَّجل يجيء بالأقط, وجعل الرَّجل يجيء بالتَّمر, وجعل الرَّجل يجيء بالسَّمن فحاسوا حيسًا فكانت وليمة رسول الله ﷺ»(7)

- وقد اختلف العلماء في وقتها هل تكون عند العقد أو عقبه أو عند الدُّخول أو عقبه, وفعل النَّبيِّ ﷺ قد دلَّ على أنَّها بعد الدُّخول, وحديث أنس في «الصَّحيحين» صريحٌ في ذلك حيث قال: «أَصْبَحَ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ, وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالمَدِينَةِ فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ اِرْتِفَاعِ النَّهَارِ»(8), كما يدلُّ على ذلك حديث بنائه  بصفيَّة المتقدِّم, ولأنَّ كمال السُّرور بعد الدُّخول فناسب أن يكون في ذلك الوقت.

وعلى هذا يكون من أولم قبل الدُّخول ـ كما جرت به العادة ـ قد عدل عن الأفضل كمن أولم بأقلَّ من شاة مع التَّمكُّن منها.

- ولا يسنُّ تخصيص الدُّخول بزمان معيَّن وقد استحبَّ بعض العلماء الدُّخول في شوَّال لحديث عائشة رضي الله عنها: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ الله ﷺ فيِ شَوَّال وَبَنَى بِي فيِ شَوَّال فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ الله ﷺ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي»، قال: وكانت عائشة تستحبُّ أن تُدخِل نساءَها في شوَّال(9)، وانظر: «نيل الأوطار» (6/ 189).

ولعلَّ عائشة رضي الله عنهاقالت ذلك ردًّا على من تطيَّر من شوَّال فكَرِه الزَّواجَ فيه, وقد ذكر النَّووي رحمه الله أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يتطيَّرون من التَّزويج والدُّخول في شوَّال, لما في اسم «شوَّال» من الإشالة والرَّفع(10).

- إذا علم أنَّ الوليمة واجبةٌ فهل يكون تكرارها مباحًا؛ لأنَّه داخلٌ في عموم الإطعام للمسرَّة أم أنَّه ممنوع؛ لأنَّه خروج عمَّا ألزم به الشَّرع وزيادة على ما أمر؟.

الَّذي يتوجَّه في هذا: صحَّة الأوَّل ـ أي جواز تكرارها ـ وإن لم يرد طلبها إلاَّ مرَّة واحدةً, فإنَّما ذلك تحقيقًا للقدر الواجب منها, وما زاد عليه عائدٌ إلى الأصل في جواز اتِّخاذ الضِّيافة لحادث السُّرور.

وقد أشار البخاري إلى ترجيح هذا القول في تبويبه لجامعه حيث قال: «باب حقُّ إجابة الوليمة والدَّعوة ومن أولم سبعة أيَّام ونحوه, ولم يوقِّت النَّبيُّ ﷺ يومًا ولا يومين»(11).

ومن نافلة القول التَّنبيه على أنَّ تكرار الوليمة على وجه المباهاة والسُّمعة محرَّم, كما يحرم كلُّ مباح اقترن بهما.

ثانيا ـ العقيقة:

العقيقة تطلق على ذبيحة المولود, ولا يلزم كونها طعامًا يدعى النَّاس إليه, فمن شاء تصدَّق بلحمها نيئًا, ومن شاء طبخه فدعا إليه أو أهداه, أو تصدَّق به.

قال ابن القيِّم رحمه الله في تقرير هذا كلِّه:

«...الأطعمة المعتادة الَّتي تجري مجرى الشُّكران كلُّها سبيلها الطَّبخ, ولها أسماء متعدِّدة فـ«القرى» طعام الضيفان, و«المأدبة» طعام الدَّعوة... ـ إلى أن ذكر العقيقة فقال ـ: فكان الإطعام عند هذه الأشياء أحسن من تفريق اللَّحم وأدخَل في مكارم الأخلاق والجود»(12).

وما ذكر معروف لدى الصَّحابة رضي الله عنهم, فعن معاوية ابن قرَّة قال: «لمَاَّ ولد لي إياس دعوتُ نفرًا من أصحاب النَّبيِّ ﷺ فأطعمتهم»(13), وبهذا يتَّجه الرَّدُّ على ما أورده ابن الحاج قائلاً وناقلاً: «وينبغي أن لا يعمل بها وليمة ـ أي العقيقة ـ ويدعو النَّاس إليها؛ لأنَّه لم يكن من فعل من مضى, وقد سئل مالك: أيصنع منها طعام ويجمع عليه الإخوان؟ فأنكر ذلك وقال: تشبه بالولائم؟! وقال: إنَّما تطبخ وتؤكل ويطعم الجيران»(14).

ثالثًا ـ الإعذار:

إنَّ الدَّعوة إلى الختان لم تكن معروفةً في عهده ﷺ ودليل ذلك ما رواه الحسن عن عثمان ابن أبي العاص رضي الله عنه أنَّه دُعِيَ إلى ختان فأبى أن يجيب، فقيل له؟! فقال: «إِنَّا كُنَّا لاَ نَأتِي الخِتَانَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ الله ﷺ وَلاَ نُدْعَى لَهُ»(15).

إلاَّ أنَّه بمنزلة الدَّعوة للحادث السَّارِّ, فإن قصد فاعلها شكرَ نعمةِ الله عليه وإطعام إخوانه لم يكن بذلك بأسٌ إن شاء الله(16), وقد روى نافعٌ عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّه كان يطعم على ختان الصِّبيان, وروى أشهب عن مالك أنَّه قيل له: النَّصراني يتَّخذ طعامًا لختان ابنه أفيجيبه؟ قال: «إن شاء فعل وإن شاء ترك»، قال الباجي معلِّقًا: «فهذا في النَّصراني قد أباحه فكيف بالمسلم؟!»(17).

وقال الشَّافعي رحمه الله: «كلُّ دعوة على إملاك, أو نفاس, أو ختان, أو حادث سرور فدُعِيَ إليها رجلٌ فاسم الوليمة يقع عليها ولا أرخِّص في تركها, ومن تركها لم يبن لي أنَّه عاصٍ»(18).

ودُعِيَ أحمد رحمه الله إلى ختان فأجاب وأكل(19).

وصرَّح بإباحتها شيخ الإسلام فقال: «وأمَّا دعوة الختان فلم تكن الصَّحابة تفعلها وهي مباحة»(20).

وصرَّح بمشروعيَّتها الحافظ فـي «فتح الباري»(21).

رابعًا ـ النَّقيعة:

ترجم لها البخاري فقال: «باب الطَّعام عند القدوم, وكان ابن عمر يفطر لمن يغشاه»(22), وأسند في هذا الباب عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ الله لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورًا أَو بَقَرَةً».

قال البخاري رحمه الله: «زاد معاذ عن شعبة عن محارب سمع جابر بن عبد الله: «اِشْتَرَى مِنِّي النَّبِيُّ بَعِيرًا بأُوقِيَتَيْنِ وَدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ, فَلَمَّا قَدِمَ صِرََارا ـ موضع بظاهر المدينة ـ أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ فَأَكَلُوا مِنْهَا»(23).

قال شمس الحقِّ آبادي رحمه الله: «الحديث يدلُّ على مشروعيَّة الدَّعوة عند القدوم من السَّفر ويقال لهذه الدَّعوة: النَّقيعة»(24).

قال ابن حجر رحمه الله: «قوله: وكان ابن عمر يفطر لمن يغشاه, أي لأجل من يغشاه, والأصل فيه أنَّ ابن عمر كان لا يصوم في السَّفر لا فرضًا ولا تطوُّعًا, وكان يكثر من صوم التَّطوُّع في الحضر..., لكنَّه يفطر أوَّل قدومه لأجل الَّذين يغشونه للسَّلام عليه والتَّهنئة بالقدوم ثمَّ يصوم».

وقد صار من المعلوم في عادة النَّاس اليوم ذهابهم لتهنئة العائد من الحجِّ والطَّعام عنده, بل وللأكل من الذَّبيحة الَّتي يُلْزَم بها العائد من هذا المنسك, حتَّى صارت أو كادت تصير من أركان الحجِّ البعديَّة, وقد بلغ من ذلك أنَّ بعض النَّاس ترك أداء هذه الفريضة شفقةً على نفسه من هذه النَّقيعة الَّتي ترهق الجيوب.

هكذا هي, موائد تفرضها العوائد, لا تأتي بحسنة ولا فوائد, فلو لم يكن في المنع من هذا الطَّعام سوى حفظ أموال النَّاس عليهم لكانت حسنة كافية, فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك درء العوائد المبتدعة عن الدِّين؟!

ولو كان للقوم عقول لعلموا أنَّ التَّهنئة إنَّما تكون على شيءٍ وقع عليه بالقبول, ومن ذا الَّذي علم أنَّ حجَّه قد ختم عليه بختم الحسنة والرَّفع والمثوبة حتَّى يقيم عليه فرحًا وطنينا ومأدبة؟!

خامسًا ـ الحِذاق:

وليست هذه على شرط البحث, وأذكرها تتميمًا للفائدة.

جاء في كتاب «فص الخواتم» لابن طولون عن الحسن: «كانوا إذا حذق الغلام قبل اليوم نحروا جزورًا واتَّخذوا طعامًا», وعن حميد قال: «كانوا يستحبُّون إذا جمع الصَّبيُّ القرآن أن يذبح الرَّجل الشَّاة ويدعو أصحابه»(25).

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: «تعلَّم عمر رضي الله عنه البقرة في اثنتي عشرة سنة, فلمَّا ختمها نحر جزورًا»(26).

وهذه المرويَّات من بين عجفاء وكسير الاستدلال بها ضعيف هزيل؛ لذلك تباينت آراء العلماء فيه بين مجيز ومانع, وإن كنَّا لا نجد فائدة عمليَّة في عرض خلاف للعلماء بلا ترجيح, إلاَّ أنَّه يحسن إيراده لئلاَّ يعيب محسن على مسيء, أو يتجاسر مسيء على محسن.

جاء في «فتاوى اللَّجنة الدَّائمة»(27): «...أمَّا الوليمة أو الاحتفال بمناسبة ختم القرآن فلم يعرف عنه ﷺ ولا عن أحد من الخلفاء الرَّاشدين رضي الله عنهم ولو فعلوه لنقل إلينا كسائر أحكام الشَّريعة, فكانت الوليمة أو الاحتفال من أجل ختم القرآن بدعة محدثة».

وسئل الشيخ عبد المحسن عن ذلك فقال: «كون النَّاس ختموا القرآن وبعد ذلك ذبحوا شاة شكرًا لله على هذه النِّعمة الَّتي أنعم الله بها عليهم عمل لا بأس به, ويعتبر جائزًا من أجل أنَّه شكر لله».

- - -

وأمَّا عن الإجابة إلى الوليمة وما يتعلق بها من أحكام ففيها أيضا مسائل:

أوَّلا: حكم الإجابة إلى الوليمة.

الإجابة إلى وليمة العرس واجبة على من دعي حرًّا مكلَّفا, وهو قول الأئمَّة الأربعة وأهل الظَّاهر, ويدلُّ على ذلك جملة من الأحاديث منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَن يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعوة فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَه»(28).

وقوله ﷺ: «وَمَنْ لَم يُجِب الدَّعوة فَقَد عَصَى الله وَرَسُولَه» يغني عن البسط والإكثار.

وذهب أهل الظَّاهر إلى وجوب الإجابة إلى طعام غير العرس, وذكر ابن حزم أنَّ عليه جمهور الصَّحابة والتَّابعين(29), وهو وجه عند الشَّافعيَّة, ويؤيِّده ظاهر السُّنَّة حيث لم يرد فيها تفريق بين طعام عرس وغيره؛ فعن البراء ابن عازب رضي الله عنه قال: «أَمَرَنا النَّبِيُّ ﷺ بسَبْعٍ...» وذكر فيها إجابة الدَّاعي(30) وقال ﷺ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكَم أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ».

ثانيًا: حكم الطُّفَيْلي.

وهو من يأتي إلى طعام لم يدع إليه, وفعله في العادة مستقبح, وذهب بعض الفقهاء إلى ردِّ شهادة من عرف بالتَّطفُّل وتكرَّر منه ذلك.

ومن جاءه متطفِّلٌ فهو بالخيار في ردِّه لما رواه أبو مسعود رضي الله عنه قال: «كان من الأنصار رجل يقال له أبو شعيب وكان له غلام لحَّامٌ؛ فقال: اصنع لي طعامًا أدعو رسول الله ﷺ خامس خمسة؛ فدعا رسول الله ﷺ خامس خمسة فتبعهم رجل فقال النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّكَ دَعَوتَنَا خَامِسَ خَمسَة وَهَذَا رَجُلٌ قَد تَبِعََنا فَإِنْ شِئتَ أَذِنْتَ لَهُ وَإن شِئتَ تَرَكْتَهُ» قال: بل أذنت له(31).

ففي هذا الحديث أنَّ من تطفَّل في الدَّعوة كان لصاحب الدَّعوة الاختيار في حرمانه, وأنَّ من قصد التَّطفُّل لا يمنع ابتداءً؛ لأنَّ الرَّجل تبع النَّبيَّ ﷺ فلم يردَّه لاحتمال أن تطيبَ نفسُ صاحب الدَّعوة بالإذن له.

ثالثا: الأعذار المسقطة للإجابة.

وهي كما قال الصَّنعاني رحمه الله مأخوذةٌ ممَّا علم في الشَّريعة, ومن قضايا وقعت للصَّحابة, ومن هذه الأعذار:

أن يكون كسب صاحب الدَّعوة محرَّمًا أو فيه شبهة, وقد حكى ابن عبد البرِّ الإجماع على أنَّه متى علم أنَّ عين الشَّيء حرام, أخذ بوجه محرَّم فإنَّه يحرم تناوُلُه.

قال البغوي رحمه الله: «إذا دعاك من أكثر ماله من حرام... فلا عليك الإجابة»(32).

ويتأكَّد الورع كلَّما كَثُرَ الحرام ويأخذ حكمَه إقامةً للأكثر مقام الكلِّ؛ لأنَّ الأقلَّ تابع.

ـ أن يكون الدَّاعي قد دعاه خوفًا من شرِّه أو طمعًا في جاهه أو ليعاونه على باطل, ولم يدْعُه تقرُّبًا وتودُّدًا.

ـ أن يكون هناك من يتأذَّى بحضوره.

ـ أن يكون الدَّاعي ممَّن يجوز هجره.

ـ أن يكون في الضِّيافة مبتدع يتكلَّم ببدعته, فإذا كان كذلك لم يجز الحضور معه إلاَّ لمن قدر على الرَّدِّ عليه, وإن لم يتكلَّم المبتدع جاز الحضور معه مع إظهار الكراهة, وكذلك إذا كان هناك مضحك بالفحش.

أن يكون له عذر مانع من مرض أو تشاغل بمرض, أو إقامة على حفظ مال, أو خوف من عدوٍّ على نفس أو مال, فإنَّ هذه وما شاكلها أعذار في سقوط الإجابة.

فإن اعتذر بزحام النَّاس في الوليمة لم يكن ذلك عذرًا في التَّأخُّر عن الإجابة, وقيل: احضر فإن وجدت سعة وإلاَّ عذرت في الرُّجوع.

وإن اعتذر بشدَّة حرٍّ أو بردٍ نُظِر, فإن كان ذلك مانعًا من تصرُّف آخر كان عذرًا في التَّأَخُّر, وإن لم يكن مانعًا من تصرف آخر لم يكن عذرا.

ومن الأعذار أن يدعو صاحب الوليمة الجفلى ـ وهي الدَّعوة العامَّة ـ.

ومنها أن يعتذر المدعوُّ إلى صاحب الدَّعوة فيرضى بتخلُّفه, فإذا دعاه اثنان في وقتٍ واحدٍ فإنَّ أهلَ القرابة والرَّحم أحقُّ بالتَّقديم, فإن لم يكن ثمَّة رحم فإنَّه يجيب أقربهما بابا, أو أسبقهما في الدَّعوة.

تنبيه: لا يسقط فرض الإجابة كون المدعوِّ صائمًا لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا دُعِي أَحَدُكُمْ فَليُجِب فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ (وفي رواية: دَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ) وَإِنْ كَانَ مُفْطِرا فَليَطْعَمْ»(33).

ومن الأعذار المسقطة للإجابة أن يكون هناك منكر من خمر, أو صوت مزمار, أو فراش حرير, أو صورة محرَّمة, وفي هذا تفصيل:

فلا يخلو المدعوُّ أن يكون عالمًا بوجود المنكر قبل حضوره أو غير عالم.

فإن علم قبل حضوره فله حالتان:

ـ إحداهما: أن يقدر على إنكاره وإزالته فواجب عليه أن يحضر لأمرين:

ـ أحدهما: لإجابة الدَّاعي.

ـ والثَّاني: لإزالة المنكر.

ـ والحالة الثَّانية: أن لا يقدر على إزالته ففرض الإجابة قد سقط.

وأمَّا إذا علم المدعوُّ أنَّ عند أهل الوليمة منكرًا لا يسمعه ولا يراه فله أن يحضر ويأكل.

- - -

صور من المخالفات التي تقع في الولائم

أولا ـ وجود لهو محرم:

روى أنس رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فيِ الدُّنْيَا وَالآخرِةِ مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ وَرَنَّة عِنْدَ مُصِيبَةٍ»(34)

فالضَّرب بآلة سوى الدُّفِّ في الولائم محرَّم تحريمًا شديدًا, وكذا ضرب الرِّجال على الدُّفِّ لا يفعله منهم إلاَّ من ألقى عن نفسه سربال الرُّجولة وتشهَّى أن يكون ذِكْرُه مقرونًا بتاء التَّأنيث.

قال ابن حجر رحمه الله: «والأحاديث القويَّة فيها الإذن في ذلك للنِّساء, فلا يلتحق بهنَّ الرِّجال لعموم النَّهي عن التَّشبُّه بهِنَّ»(35).

وكيف لا يستنوق الجمل إذا كان من الرِّجال من يتطرَّب طرب النِّساء ويلبس الحلية مع الحلل.

ويلحق في المنع ضرب النِّساء بالدُّفِّ في غير العرس كالختان وغيره, وقد قال بإباحته جمع من الفقهاء مستندين إلى حديث الأمة السَّوداء الَّتي قالت للنَّبيِّ ﷺ: إنِّي نذرتُ إن ردَّك الله سالمًا أن أضرب على رأسك بالدُّفِّ؛ قال ﷺ: «إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَافْعَلِي»(36).

وكذا ما رواه ابن سيرين قال: «نبِّئت أنَّ عمر كان إذا استمع صوتًا أنكره وسأل عنه فإن قيل عرس أو ختان أقرَّه»(37).

والَّذي يظهر أنَّ حديث الأمة السَّوداء إنَّما اغتفر فيه ﷺ الضَّرب بالدُّفِّ؛ لأنَّ فيه إظهارَ الفرح بسلامة الرَّسول ﷺ, وهذا فعل محمود, قال الخطَّابي رحمه الله: «ضرب الدُّفِّ ليس ممَّا يعدُّ في باب الطَّاعات الَّتي يتعلَّق بها النُّذور, وأحسن حاله أن يكون من باب المباح, غير أنَّه لمَّا اتَّصل بإظهار الفرح لسلامة مَقدَم رسول الله ﷺ حين قدم من بعض غزواته وكانت فيه مساءة الكفَّار وإرغام المنافقين صار فعله كبعض القرب»(38).

وأمَّا الأثر فإنَّ علَّة الانقطاع فيه ظاهرة.

وقد انتشرت في أيَّامنا «فرق» لنساء يضربن الدُّفَّ بأجرة, واحترفن ذلك حتَّى أصبحت لهنَّ في ذلك فنون وأساليب, وقد قال شيخ الإسلام: «رُخِّصَ في الضَّرب بالدُّفِّ في الأفراح وإن نهي عن أكل المال به»(39).

ثانيًا ـ التقاط الصُّور الفوتوغرافيَّة:

وهذا من عادات الكفَّار الدَّخيلة الَّتي غزت ديار المسلمين, وقد نصَّ العلماء المعتبرون علمًا وعددًا على تحريمها.

قال صدِّيق حسن خان رحمه الله في التَّصوير المحرَّم: «سواء صنعه بعمل اليد أو بذريعة آلة له, لصدق إطلاق التَّصوير على ما حصل بأعمال الآلات, وحكمه حكم التَّصوير, واستعماله استعمال التَّصوير»(40).

وقال الشَّيخ محمَّد الأمين الشَّنقيطي رحمه الله: «لا شكَّ أنَّ دخول المصوِّرين في المسجد لحرام بآلات التَّصوير يصوِّرون بها الطَّائفين والقائمين والرُّكَّع السُّجود, أنَّ ذلك منافٍ لما أمر الله به من تطهير بيته الحرام للطَّائفين والقائمين والرُّكَّع السُّجود, فانتهاك حرمة بيت الله بارتكاب حرمة التَّصوير عنده لا يجوز...»(41).

هذا ما قاله رحمه الله في تصوير الطَّائفين القائمين فكيف بتصوير اللاَّهين الغافلين؟!.

وممَّا شاع وهو منكر التَّصوير بالكامرا, يحصِّل به أهل الوليمة شريطًا عمَّا جرى فيها, أو قل هو فيلم بعد البثِّ, وهذا لا يخلو من محاذير ومفاسد منها:

ـ حرص النَّاس على الاطِّلاع عليه ذكرانًا وإناثًا, فيطَّلع الرِّجال على النِّساء, بل على عوراتهنَّ, وإدمان النَّظر إليهنَّ, وليست النَّتيجة خافيةً على من أوتي مسكةً من فطنةٍ أو فهم.

ـ إنَّ تصوير المدعوِّين بمثل هذه الآلة مسبِّبٌ للشُّعور بالانزعاج والحرج لدى كثيرٍ منهم, حيث يرى نفسه مضطرًّا إلى التزام هيئةٍ معيَّنة, وهذا منافٍ لأدب الضِّيافة.

ولا يخفى أنَّ نفس هذا العمل ـ أي التَّصوير ـ من العبث الَّذي يتنزَّه عنه المسلم, وماذا يستفيد منه سوى أنَّه حصَّل شاهدًا زائدًا على لغطه في ذلك اليوم, وما كفاه ملكان موكولان عن يمينٍ وشمال.

ثالثًا ـ اختلاط الرِّجال بالنِّساء:

في مثل هذه المواطن تنشط شياطين الإنس والجنِّ للزَّجِّ بالشَّباب, وحتَّى الشُّيَّب في حبائل الرَّذيلة والفساد, فما ظنُّك بمجامع تساهل النَّاس فيها بفكِّ العنان لنزواتهم بحجَّة الانبساط وإظهار السُّرور الَّذي يتعدَّى كلَّ حدٍّ ولا يضبطه قيد,بل تجد الكثير منهم يعتذر بسلامة باطنه وصفاء نيَّته!, وكيف يقبل هذا منهم وهذا النَّبيُّ ﷺ قد قال لعليٍّ رضي الله عنه: «يَا عَلِيّ إِنَّ لَكَ كَنزًا فيِ الجَنَّةِ وَإِنَّكَ ذُو قَرنَيْهَا فَلاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ»(42).

فمع علمه ﷺ بكمال زهد هذا الصَّحابي وورعه وعفَّة باطنه وصيانة ظاهره, يُحذِّره من النَّظر, ويؤمِّنه من الخطر, لئلاَّ يدَّعي الأمن كلُّ بطَّال, ولا يتحقَّق الأمن من الفتنة مع بقاء طبع البشريَّة كما قال بعض السَّلف: «لو خلوت بدجاجةٍ لم آمن على نفسي»(43).

رابعا ـ التَّكشُّف وإبداء العورات:

ومن الآفات الَّتي تضيق لها صدور أهل العفَّة والحياء في مثل هذه المناسبات: تزيُّن بعض النِّساء بتخفيف ثيابهنَّ وتقصيرها, بل ربَّما وجدن صعوبةً في الحركة من شدَّة ضيقها وتضييقها عليهنَّ.

وبالمقابل أخريات لا يجدن حرجًا في النَّظر إليهنَّ, وقد غاب عنهنَّ قوله ﷺ: «لا ينظر الرَّجل إلى عورة الرَّجل ولا المرأة إلى عورة المرأة»(44) وعورة المرأة أمام المرأة كعورة الرَّجل أمام الرَّجل, أي ما بين السُّرَّة والرُّكبة(45).

وقد تسرَّبت الآفة إلى بعض من شممن رائحة الفقه فصرن يكشفن عن ظهورهنَّ وصدورهنَّ بحجَّة أنَّ عورة الـمرأة ما ذكر ليس إلاَّ!

ويقال لهؤلاء النِّسوة مثل ما قيل في الرَّجل يخرج في النَّاس بثوبٍ لا يستر سوى سوأتيه ـ عند من يقول بأنَّ الفخذ ليس بعورة ـ أو يخرج وقد جرَّد بدنه ساترًا ما بين سرَّته وركبتيه, وإن لم يكن فيه إظهار للعورة إلاَّ أنَّه معدودٌ من الأفعال الَّتي تسقط بها المروءة وتردُّ بسببها الشَّهادة, نصَّ على ذلك الفقهاء(46).

وقال الشَّيخ ابن عثيمين رحمه الله: «اللِّباس الَّذي يشرع للمرأة أن تلبسه هو اللِّباس السَّابغ لجميع البدن ما عدا الرَّأس والكفَّين والقدمين بالنِّسبة للمحارم.

أمَّا بالنِّسبة للعورة, فعورة المرأة مع المرأة كعورة الرَّجل مع الرَّجل, لكن ليس معنى هذا أن تخرج المرأة للمرأة وليس معها إلاَّ سروال يستر ما بين السُّرَّة والرُّكبة, وإنَّما معناه أن لو كان على المرأة ثيابٌ سابغة واحتاجت إلى أن تكشف عن ذراعيها لشغلٍ أو مرض, أو أرادت أن ترضع فلا بأس.

ويجوز أن تخرج ساقيها وذراعيها ورأسها ورقبتها عند محارمها, وليس معنى ذلك أن نقول: تلبس الثَّوب القصير»(47).



(1) «فصُّ الخواتم» لابن طولون (39), «الإنصاف» (8/ 5/ 3), «مختصر المزني» (184).

(2) رواه أحمد (6905), وابن ماجه (1612), انظر «أحكام الجنائز» (210).

(3) «المدخل» (3/ 275).

(4) «أعراس الشَّيطان» (26 ـ 27)

(5) رواه مسلم (1429).

(6) رواه البخاري (5155), ومسلم (1427).

(7) رواه البخاري (371), ومسلم (1365).

(8) قطعة من حديث رواه البخاري (5166), ومسلم (1438).

(9) رواه مسلم (1423).

(10) «شرح مسلم» (9/ 221).

(11) «الفتح» (9/ 245).

(12) «تحفة المودود» (91 ـ 92).

(13) «صحيح الأدب المفرد» (رقم 955).

(14) «المدخل» (3/ 292).

(15) رواه أحمد (17908), وفيه ابن إسحاق وقد عنعنه, وانظر تعليق شعيب الأرنؤوط على «مشكل الآثار» (8/ 31)

(16) انظر «فتاوى اللَّجنة الدَّائمة» (5/ 183).

(17) «المنتقى» (3/ 349).

(18) «مختصر المزني» (184).

(19) «المغني» (8/ 116 ـ 117).

(20) «مجموع الفتاوى» (32/ 206 ـ 207).

(21) «فتح الباري» (10/ 343).

(22) (كتاب الجهاد/ باب 199).

(23) حديث رقم (3089).

(24) «عون المعبود» (10/ 152).

(25) «فصُّ الخواتم» (66).

(26) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (1805).

(27) (2/ 488).

(28) رواه البخاري (5177), ومسلم (1432).

(29) تعقَّبه العراقي في «طرح التَّثريب» (7/ 77)، وقال: «وفي ذلك نظر», كما تعقَّبه ابن حجر في «الفتح» (9/ 247).

(30) رواه البخاري (5175), ومسلم (2066).

(31) رواه البخاري (5434), ومسلم (2036).

(32) «شرح السُّنَّة» (9/ 149).

(33) رواه مسلم (1431),  وابن السُّنِّي في «عمل اليوم وللَّيلة» (843), انظر «الإرواء» (7/ 15).

(34) أخرجه البزَّار (7513) وصحَّحه الألباني لغيره في «آلات الطَّرب» (51 ـ 52).

(35) «الفتح» (9/ 226).

(36) رواه أحمد (23011), انظر «الصَّحيحة» (1609) و(2261).

(37) «المصنَّف» لابن أبي شيبة (3/ 485/ رقم 16396).

(38) «مرقاة المفاتيح» (10/ 459).

(39) «مجموع الفتاوى» (32/ 224).

(40) «الدِّين الخالص» (4/ 517).

(41) «أضواء البيان» (5/ 64).

(42) خرَّجه أحمد في «المسند» (22991) وهو حسن, وانظر تعليق مشهور على رسالة «أحكام النَّظر» لأبي بكر بن حبيب (43).

(43) «أحكام النَّظر» (39 ـ 45).

(44) رواه مسلم (338).

(45) «الموسوعة الفقهيَّة» (31/ 47).

(46) «الفروع» (6/ 513), «المغني» (14/ 152), «البحر الرَّائق» (7/ 153).

(47) لقاء الباب المفتوح: شريط (126) بتصرُّفٍ يسير.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 22»