أنت هنا:دراسات وبحوث»الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 467 مرة

 

عن النُّعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ الله وَالوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اِستَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعضُهُم أَعْلاَهَا وَبَعضُهُم أَسفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ في أَسفَلِهَا إِذَا اِسْتَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَن فَوْقَهُم؛ فَقَالُوا: لَو أَنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبنَا خَرْقاً وَلَم نُؤذِ مَن فَوقَنَا؛ فَإِن يَترُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِن أَخَذُوا عَلَى أَيدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا»(1).

***

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ!»فقالوا: ما لنا بُدٌّ! إنَّما هي مجالسنا نتحدَّث فيها؛قال:«فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ المَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا»؛ قالوا: وما حقُّ الطَّريق؟ قال: «غَضُّ البَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلاَمِ وَأَمرٌ بِالمَعرُوفِ وَنَهيٌ عَنِ المُنكَرِ»(2).

***

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبلِسَانِهِ، فَإِن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضعَفُ الإِيمَانِ»(3).

***

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النَّبيِّ ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُستَجَابُ لَكُمْ»(4).

***

وعن زينب بنت جَحش رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل عليها فَزِعًا يقول: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَيْلٌ لِلعَرَبِ مِنْ شَرٍّ اِقْتَرَبَ! فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثلُ هَذِهِ؛ وحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قالت زينب ابنة جحش: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصَّالحون؟! قال: «نَعَمْ! إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ»(5).

***

وعن تميم بن أوس الدَّاريِّ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قلنا: لمن؟ قال: «للهِ وَلِكِتَابِهِوَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(6).

وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: «بايعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة والنُّصح لكلِّ مسلم»(7).

***

هذه الأحاديث المتقدِّمة تدلُّ على أمرٍ خطير وعظيم من أمور الدِّين الحنيف، وهو الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، الَّذي جاء ذكرُه في القرآن الكريم في مواضع عدَّة، بل هو وظيفة الأنبياء عليهم السَّلام، وعليه قامت رسالاتهم، فما من نبيٍّ إلاَّ دعا قومه، وأمرهم بخير ما يعلمه لهم، ونهاهم عن شرِّ ما يعلمه لهم، وقد وصف الله تعالى نبيَّنا محمَّدًا ﷺ بأنَّه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون[الأعراف:157]، ووصف أمَّته بذلك أيضًا فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ[التوبة:71]، وقال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله[آل عمران:110].

فالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر هو جماع الدِّين، وهو الَّذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبَه.

***

وفي هذا المبحث نتناول بعض القضايا المتعلِّقة بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ونبيِّن من خلال الأحاديث الواردة بعض جوانب ومعالم هذا الأمر العظيم:

ـ ماهيَّة المعروف والمنكر.

ـ حكم الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

ـ شروط الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

ـ آداب الآمر بالمعروف والنَّاهي عن المنكر.

ـ ثمار الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

ـ عواقب ترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

الفوائد المستنبطة من أحاديث الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

ماهيَّة المعروف والمنكر

المعروف مأخوذ من مادَّة «عرف».

قال ابن فارس: «العين والرَّاء والفاء أصلان صحيحان، يدلُّ أحدُهما على تتابُع الشَّيء متَّصلاً بعضُه ببعض، والآخر على السُّكون والطُّمَأنينة.

فالأوَّل العُرْف: عُرْف الفَرَس, وسمِّي بذلك لتتابُع الشَّعر عليه...

والأصل الآخر: المعرِفة والعِرفان, تقول: عَرَف فلانٌ فلانًا عِرفانًا ومَعرِفة, وهذا أمر معروف, وهذا يدلُّ على ما قلناه من سُكونه إليه؛ لأنَّ مَن أنكر شيئًا توحَّشَ منه ونَبَا عنْه...

والعُرْف: المعروف، وسمِّي بذلك؛ لأنَّ النُّفوس تسكُن إليه, قال النَّابغة:

أبَـــى اللــهُ إِلاَّ عـــدلَــه ووفــــاءَه

فلا النُّكْرُ معروفٌ ولا العُرْف ضائعُ»(8).

وأمَّا المعروف شرعًا: فـ«هو اسم جامع لكلِّ ما عُرف من طاعة الله والتَّقرُّب إليه والإحسان إلى النَّاس، وكلِّ ما ندب إليه الشَّرع أو نهى عنه من المحسِّنات والمقبِّحات»(9).

أو يُقال: هو ما عُرف في الشَّرع أنَّه ليس بمعصية.

فيدخل فيه الاعتقاد بوحدانية الله والإيمان به وبرسله وكتبه واليوم الآخر والقدر.

والعبادات الظَّاهرة من الصَّلاة والصِّيام والحجِّ والجهاد وغيرها.

والأخلاق الفاضلة كالعدل والصِّدق وغير ذلك.

والأعمال الباطنة كحبِّ الله ورسوله وخشية الله، والتَّوكُّل عليه وغير ذلك.

والمنكر: لغة ضدُّ المعروف.

قال ابن فارس: «النُّون والكاف والرَّاء أصلٌ صحيح يدلُّ على خلاف المعرفة الَّتي يَسكُن إليها القَلب, ونَكِرَ الشَّيءَ وأنكَره: لم يَقْبَلْه قلبُه ولم يعترِفْ به لسانُه, قال:

وأنكرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ

مِنَ الحوادثِ إلاَّ الشَّيبَ والصَّلَعا»(10).

وشرعًا: «هو ضدُّ المعروف، وكلُّ ما قبَّحه الشَّرع وحرَّمه وكرهه فهو منكر»(11).

أو يُقال: هو ما عُرف في الشَّرع أنَّه معصية.

فيدخل فيه الشِّرك بالله وهو أصل ورأس المنكر، والكفر بالرُّسل والكتب وغير ذلك.

وكذلك ترك الطَّاعات والعبادات كالصَّلاة والزَّكاة والصِّيام.

وفعل ما ينافي الأخلاق الفاضلة كالكذب والسَّرقة وشرب الخمر وغير ذلك من الفواحش والآثام.

لذلك جاءت آثار عن السَّلف في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور[الحج:41] أنَّ أَمْرَهم بالمعروف أنَّهم دعوا إلى الله وحده لا شريك له، ونهيهم عن المنكر أنَّهم نهوا عن عبادة الشَّيطان والأوثان(12)؛ لأنَّ  أصل الدِّين هو الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ورأس المعروف هو التَّوحيد ورأس المنكر هو الشِّرك.

فيقال:

إنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر: هو دعوة الغير إلى إقامة دين الله وفعل كلِّ ما يُرضي الله، ونهيهم وتحذيرهم من كلِّ ما نهى عنه الله.

حكم الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر

من خلال الأحاديث الواردة في الباب يتبيَّن أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من الفروض والواجبات الَّتي أوجبها الله على هذه الأمَّة المرحومة؛ وذلك أنَّ قيام الدِّين لا يكون إلاَّ بقيام الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، «وهو فائدة الرِّسالة وخلافة النُّبوَّة»، وجاءت نصوص صريحة في وجوب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، من كتاب الله عزَّ وجلَّ، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون[آل عمران:104]، وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون[التوبة:67]، ثمَّ قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيم[التوبة:71].

قال القرطبي رحمه الله: «جعل تعالى الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين، فدلَّ على أنَّ أخصَّ أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ورأسُها الدُّعاء إلى الإسلام والقتال عليه»(13).

بل أخبر سبحانه أنَّ سبب هلاك الأمم ونزول لعنة الله عليهم هو بسبب تركهم الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المنكر كما سيأتي بيانه في الآثار المترتِّبة على ترك هذا الواجب.

لذلك نقل الإجماعَ غيرُ واحدٍ على وجوب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر(14).

واختلف العلماء في مرتبة هذا الواجب أهو كفائيٌّ إذا قام به البعض سقط عن الباقين؟ أم أنَّه يتعيَّن على كلِّ مسلم القيام بهذا الأمر الوارد في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ﷺ؟

l فذهب بعض العلماء إلى أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن الـمنكر من الواجبات الكفائيَّة، واستدلُّوا بقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون[آل عمران:104].

أخرج الطَّبري وغيره عن الضَّحَّاك أنَّه قال: «هم خاصَّة أصحابِ رسول الله، وهم خاصَّة الرُّواة»(15).

قال الطَّبري رحمه الله: «يعني بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أيُّها المؤمنون ﴿أُمَّةٌ يقول: جماعةٌ ﴿يَدْعُونَ النَّاس ﴿إِلَى الْخَيْرِ يعني إلى الإسلام وشرائعه الَّتي شرعها الله لعباده»(16).

قال ابن عطيَّة الأندلسي رحمه الله: «فعلى هذا القول «مِن» للتَّبعيض، وأمر الله الأمَّة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها، ويحفظون قوانينها على الكمال، ويكون سائر الأمَّة متَّبعين لأولئك؛ إذ هذه الأفعال لا تكون إلاَّ بعلم واسع، وقد علم تعالى أنَّ الكلَّ لا يكون عالمًا»(17).

ورجَّح هذا القول القرطبيُّ في «تفسيره»(18).

l القول الثَّاني: إنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر واجبٌ عينيٌّ على كلِّ أحدٍ من أفراد الأمَّة، واستدلُّوا بالأحاديث الواردة في ذلك، ومنها: «مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَليُغَيِّرهُ بِيَدِهِ فَإِن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِن لَم يَسْتَطِعْ فَبِقَلبِهِ وَذَلِكَ أَضعَفُ الإِيمَانِ».

وأمَّا استدلال الفريق الأول بالآية على أنَّ «من» للتَّبعيض فردَّه أصحاب هذا القول بأنَّ «من» هنا ليست للتَّبعيض وإنَّما هي لبيان الجنس.

قال البغوي رحمه الله: «﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ أي: كونوا أمَّةً «مِن» صلة ليست للتَّبعيض، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ[الحج:30]، لم يُرد اجتناب بعض الأوثان بل أراد فاجتنبوا الأوثان»(19).

وقال ابن عطيَّة الأندلسي رحمه الله: «وذهب الزَّجَّاج وغير واحد من المفسِّرين، إلى أنَّ المعنى: ولتكونوا كلُّكم أمَّةً يدعون، و«مِن» لبيان الجنس، قال: ومثله من كتاب الله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ[الحج:30]، ومثله من الشِّعر قول القائل:

أَخُو رَغَائِـبَ يُعْطِيـهـا وَيـسْأَلُـهـا           يأبى الظُّلامةَ مِنْهُ النُّوفَل الزُّفَرُ»(20).

l والقول الرَّاجح ـ والله أعلم ـ أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من فروض الأعيان، لكن كلُّ أحد بحسبه، ولا يجب على الإنسان تغييرُ كلِّ منكرٍ أو أمر بكلِّ معروف، إنَّما يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر الَّذي يستطيعه.

قال ابن كثير رحمه الله: «والمقصود من هذه الآية أن تكون فرْقَة من هذه الأمَّة متصدِّيةً لهذا الشَّأن، وإن كان ذلك واجبًا على كلِّ فرد من الأمَّة بحسَبِه»(21).

وقال ابن عطية الأندلسي رحمه الله: «وهذه الآية على هذا التَّأويل إنَّما هي عندي بمنزلة قولك: ليكن منك رجلٌ صالح، ففيها المعنى الَّذي يسمِّيه النَّحويُّون: التَّجريد، وانظر أنَّ المعنى الَّذي هو ابتداء الغاية يدخلها، وكذلك يدخل قوله تعالى: ﴿مِنَ الأَوْثَانِ ذاتها، ولا تجده يدخل قول الشَّاعر: «منه النُّوفل الزُّفر»، ولا تجده يدخل في «مِن» الَّتي هي صريح بيان الجنس، كقولك ثوب من خزٍّ، وخاتم من فضَّة، بل هذه يعارضها معنى التَّبعيض، ومعنى الآية على هذا التَّأويل: أمر الأمَّة بأن يكونوا يدعون جميع العالم إلى الخير، الكفَّار إلى الإسلام، والعصاة إلى الطَّاعة، ويكون كلُّ واحدٍ من هذه الأمور على منزلته من العلم والقدرة.

قال أهل العلم: وفرض الله بهذه الآية، الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وهو من فروض الكفاية إذا قام به قائم سقط عن الغير»(22).

وقال ابن تيمية رحمه الله: «وكذلك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر لا يجب على كلِّ أحدٍ بعينه، بل هو على الكفاية كما دَلَّ عليه القرآن، ولمَّا كان الجهاد من تمام ذلك كان الجهاد أيضًا كذلك، فإذا لم يَقُم به مَن يقوم بواجبه أَثِم كلُّ قادر بحسب قدرته؛ إذ هو واجب على كلِّ إنسان بحسب قدرته؛ كما قال النَّبيُّ ﷺ: «مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَليُغَيِّرهُ بِيَدِهِ فَإِن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِن لَم يَسْتَطِعْ فَبِقَلبِهِ وَذَلِكَ أَضعَفُ الإِيمَانِ»»(23).

شروط الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر

لا شكَّ أنَّ مثل هذا الواجب الَّذي جاء بيانه في كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ، ووردت الآيات والأحاديث في التَّحذير من تركه وعدم القيام به، له شروط ينبغي توافرها في الآمر النَّاهي، وجاء في أحاديث الباب بيان بعض شروط هذه الطَّاعة، فمن ذلك:

- التَّكليف: وهو مناط وجوب الأعمال والطَّاعات، فشرط الآمر أن يكون مكلَّفا، أي مسلمًا عاقلاً بالغًا.

- القدرة على التَّغيير: وهذه القدرة متفاوتة من شخص لآخر، يبيِّنها قوله ﷺ: «مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَليُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإِن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِن لَم يَسْتَطِعْ فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضعَفُ الإِيمَانِ».

قال ابن عطية الأندلسي رحمه الله: «والنَّاس في تغيير المنكر والأمر بالمعروف على مراتب، ففرض العلماء فيه تنبيه الحكَّام والولاة، وحملهم على جادَّة العلم، وفرض الولاة تغييره بقوَّتهم وسلطانهم، ولهم هي: اليد، وفرض سائر النَّاس رفعه إلى الحكَّام والولاة بعد النَّهي عنه قولاً، وهذا في المنكر الَّذي له دوام، وأمَّا إن رأى أحد نازلةً بديهةً من المنكر، كالسَّلب والزِّنا ونحوه، فيغيِّرها بنفسه بحسب الحال والقدرة»(24).

- العلم والحلم والصَّبر: وهذه الثَّلاثة لا بدَّ أن ترافق الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في كلِّ الأحوال، فبالعلم يُعرف المعروف ويميَّز عن المنكر، بل أمر الله تعالى نبيَّه أن يخبر النَّاس بأنَّ سبيله في الأمر والنَّهي بالعلم والبصيرة فقال: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِين[يوسف:108].

قال ابن كثير رحمه الله: «يقول الله تعالى لعبده ورسوله ﷺ إلى الثَّقلين الإنس والجنِّ، آمرًا له أن يخبر النَّاس: أنَّ هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنَّته، وهي الدَّعوة إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بَصِيرةٍ من ذلك ويقينٍ وبرهانٍ، هو وكلُّ من اتَّبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرةٍ ويقينٍ وبرهانٍ؛ شرعيٍّ وعقليٍّ»(25).

وبالحلم يوفَّق الآمر لنشر دعوة الله.

وبالصَّبر ينال رضى الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فلابدَّ من العلم بالمعروف والمنكر والتَّمييز بينهما، ولا بدَّ من العلم بحال المأمور والمنهيِّ، ومن الصَّلاح أن يأتي بالأمر والنَّهي بالصِّراط المستقيم، وهو أقرب الطُّرق إلى حصول المقصود.

ولابدَّ في ذلك من الرِّفق كما قال النَّبيُّ ﷺ: «مَا كَانَ الرِّفقُ في شَيءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ كَانَ العُنفُ فِي شَيءٍ إِلاَّ شَانَهُ»، وقال: «إِنَّ الله رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأَمْرِ كُلِّهِ وَيُعطِي عَلَيهِ مَا لاَ يُعطِي عَلَى العُنفِ».

ولابدَّ أيضًا أن يكون حليمًا صبورًا على الأذى؛ فإنَّه لابدَّ أن يحصل له أذى؛ فإن لم يحلم ويَصبر كان ما يُفسد أكثرَ ممَّا يُصلح، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور[لقمان:17]، ولهذا أمر الله الرُّسل ـ وهم أئمَّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ـ بالصَّبر؛ كقوله لخاتم الرُّسل؛ بل ذلك مقرون بتبليغ الرِّسالة، فإنَّه أوَّل ما أُرسل أنزلت عليه سورة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر[المدَّثر:1] بعد أن أنزلت عليه سورة: ﴿اقْرَأْ الَّتي بها نُبِّئ، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر * وَرَبَّكَ فَكَبِّر * وَثِيَابَكَ فَطَهِّر * وَالرُّجْزَ فَاهْجُر * وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِر * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر[المدَّثر:1-7]،  فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالنِّذارة وختمها بالأمر بالصَّبر، ونفسُ الإنذار أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، فعُلم أنَّه يجب بعد ذلك الصَّبر...

فلابدَّ من هذه الثَّلاثة: العلم والرِّفق والصَّبر.

العلمُ قبل الأمر والنَّهي، والرِّفق معه، والصَّبر بعده، وإن كان كلٌّ من الثَّلاثة مستصحبًا في هذه الأحوال؛ وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السَّلف ورووه مرفوعًا؛ ذكره القاضي أبو يعلى في «المعتمد»: «لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلاَّ من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه, رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه.

وليُعلم أنَّ اشتراط هذه الخصال في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ممَّا يوجب صعوبته على كثير من النُّفوس؛ فيَظنُّ أنَّه بذلك يسقط عنه فيَدَعُه؛ وذلك ممَّا يضرُّه أكثر ممَّا يضرُّه الأمر بدون هذه الخصال أو أقلُّ(26).

وقال النَّووي رحمه الله: «إنَّما يأمرُ وينهى من كان عالِـمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشَّيء، فإن كان من الواجبات الظَّاهرة والمحرَّمات المشهورة كالصَّلاة والصِّيام والزِّنا والخمر ونحوها، فكلُّ المسلمين علماءُ بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال وممَّا يتعلَّق بالاجتهاد لم يكن للعوامِّ مَدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء، ثمَّ العلماء إنَّما ينكرون ما أُجمع عليه، أما المختلَف فيه فلا إنكار فيه؛ لأنَّ على أحد المذهبين كلُّ مجتهد مُصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحقِّقين أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعيِّن لنا، والإثم مرفوعٌ عنه، لكن إن ندَبَه على جهة النَّصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسنٌ محبوب مندوب إلى فعله برفق، فإنَّ العلماء متَّفقون على الحثِّ على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلالٌ بسنَّة أو وقوع في خلاف آخر»(27).

- أن لا يترتَّب على المنكر المنهيِّ عنه منكرٌ أعظم منه:

وهذا الشَّرط من أعظم الشُّروط الَّتي ينبغي مراعاته عند الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ لأنَّ الغرض من ذلك هو إيجاد الخير وتكثيره، وإزالة الشَّرِّ وتقليله، فإذا أدَّى تغيير المنكر إلى منكر أشدَّ منه فلا يُنكر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «معلومٌ أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر وإتمامه بالجهاد هو من أعظم المعروف الَّذي أُمرنا به, ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غيرَ منكر.

وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبَّات، فالواجبات والمستحبَّات لابدَّ أن تكون المصلحة فيها راجحةً على المفسدة؛ إذ بهذا بُعثت الرُّسل ونزَلت الكتب، والله لا يحبُّ الفساد؛ بل كلُّ ما أمر الله به فهو صلاح.

وقد أثنى الله على الصَّلاح والمصلحين، والَّذين آمنوا وعملوا الصَّالحات، وذَمَّ الفساد والمفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدةُ الأمر والنَّهي أعظمَ من مصلحته لم تكن ممَّا أمرَ الله به، وإن كان قد تُرك واجب وفُعل محرَّم؛ إذ المؤمن عليه أن يتَّقي الله في عباده، وليس عليه هُداهم، وهذا من معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[المائدة:105]، والاهتداء إنَّما يتِمُّ بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضرَّه ضلالُ الضُّلاَّل، وذلك يكون تارةً بالقلب، وتارةً باللِّسان، وتارةً باليد.

فأمَّا القلب فيجب بكلِّ حال؛ إذ لا ضرَر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن كما قال النَّبيُّ ﷺ: «وَذَلِكَ أَدنَى ـ أو ـ أَضعَفُ الإِيمَانِ»، وقال: «لَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَردَلٍ»(28).

وقال أيضًا: «جماع ذلك داخل في القاعدة العامَّة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسَّيِّئات أو تزاحمت؛ فإنَّه يجب ترجيح الرَّاجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد.

فإنَّ الأمرَ والنَّهي وإن كان متضمِّنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فيُنظر في المعارض له، فإن كان الَّذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثرَ لم يكن مأمورًا به؛ بل يكون محرَّمًا إذا كانت مفسدته أكثرَ من مصلحته, لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشَّريعة، فمتى قدر الإنسانُ على اتِّباع النُّصوص لم يعدل عنها، وإلاَّ اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنَّظائر، وقلَّ أن تُعوِزَ النُّصوص من يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام.

وعلى هذا إذا كان الشَّخصُ أو الطَّائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرِّقون بينهما؛ بل إمَّا أن يفعلوهما جميعًا, أو يتركوهما جميعًا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر؛ بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أُمر به؛ وإن استلزم ما هو دونه من المنكر. ولم يُنه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النَّهي حينئذٍ من باب الصَّدِّ عن سبيل الله والسَّعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات.

وإن كان المنكر أغلب نُهي عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف؛ ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزَّائد عليه أمرًا بمنكر وسعيًا في معصية الله ورسوله.

وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما.

فتارةً يصلح الأمر, وتارة يصلح النَّهي, وتارةً لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين, وذلك في الأمور المعيَّنة الواقعة.

وأمَّا من جهة النَّوع فيُؤمر بالمعروف مطلقًا وينهى عن المنكر مطلقًا، وفي الفاعل الواحد والطَّائفة الواحدة يُؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويُحمد محمودها، ويُذَمُّ مذمومها بحيث لا يتضمَّن الأمر بمعروف فوات معروف أكبر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمَّن النَّهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه.

وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتَّى يتبيَّن له الحقُّ؛ فلا يقدم على الطَّاعة إلا بعلم ونيَّة وإذا تركها كان عاصيًا، فترك الأمر الواجب معصية, وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية. وهذا باب واسع...»(29).

ثمَّ ذكر أمثلة من سنَّته ﷺ حيث ترك تغيير بعض المنكر لاستلزام وجود منكر أعظم منه.

وقال ابن القيِّم رحمه الله: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ شرع لأمَّته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروفِ ما يحبُّه اللهُ ورسولُه، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنَّه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضُه ويمقتُ أهلَه، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنَّه أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنة إلى آخر الدَّهر، وقد استأذن الصَّحابةُ رسولَ الله ﷺ في قتال الأمراء الَّذين يُؤخِّرون الصَّلاةَ عن وقتها وقالوا: أفلا نقاتلهم، فقال:«لاَ مَا أَقَامُوا الصَّلاَةَ»، وقال: «مَن رَأَى مِن أَمِيرِهِ مَا يَكرَهُهُ فَليَصْبِرْ وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَدًا مِن طَاعَةٍ»، ومَن تأمَّل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصِّغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصَّبر على منكر، فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبر منه؛ فقد كان رسول الله ﷺ يرى بمكَّة أكبرَ المنكرات ولا يستطيع تغييرَها، بل لمَّا فتح الله مكَّة وصارت دار إسلام عزَم على تغيير البيت وردِّه على قواعد إبراهيم، ومنَعَه من ذلك ـ مع قدرته عليه ـ خشيةُ وقوع ما هو أعظم منه: من عدم احتمال قريش لذلك لقُرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثِي عهدٍ بكُفرٍ، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتَّب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء.

فإنكار المنكر أربع درجات:

ـ الأولى: أن يزول ويخلفه ضدُّه.

ـ الثَّانية: أن يَقلَّ وإن لم يُزل بجملته.

ـ الثَّالثة: أن يخلفه ما هو مثلُه.

ـ الرَّابعة: أن يخلفه ما هو شرٌّ منه.

فالدَّرجتان الأوليان مشروعتان والثَّالثة موضع اجتهادٍ والرَّابعة محرَّمة...»(30).

وشروط الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر كثيرةٌ يجمعها العلم وتقدير المصالح والمفاسد.

آداب الآمر بالمعروف والنَّاهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من الطَّاعات العظيمة الَّتي يقوم بها المسلم، وليكون لهذه الطَّاعة أثرها الإيجابي في المجتمع لابدَّ للقائم بها أن يتحلَّى بآداب وأخلاق تكون الحافز للمأمور والمُنهى أن يأتمر وينتهي، وجملة هذه الآداب كثيرة وبعضها تقدَّم في الشروط كالصَّبر والحلم، ومن ذلك:

- الإخلاص: وهو الرُّكن الأعظم لكلِّ عمل يُتقرَّب به إلى العليِّ الأكرم، فكلُّ عمل لابدَّ أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى لا دخل للعصبيَّة ولا للسُّمعة ولا لحبِّ الثَّناء والرِّياء فيه، لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا[الكهف:110]، وقوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا لِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى»(31)، وقوله أيضًا في الحديث القدسي: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: أَنَا أَغنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّركِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِركَهُ»(32)، وغير ذلك من الآيات القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة.

- الصَّبر: وقد أمر الله تعالى أنبياءه بالصَّبر على تبليغ ما أمروا به، فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُون[الأحقاف:35]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِين[الأنعام:34]، وقال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور[لقمان:17]، فعلى الآمرين بالمعروف والنَّاهين عن المنكر أن يصبروا على ما يصابون به في ذات الله كما يصبر المجاهدون على ما يصابون به في أنفسهم وأموالهم، فالصَّبر على الأذى في العِرض أولى وأولى, وذلك لأنَّ مصلحة الأمر والنَّهي لا تتمُّ إلاَّ بذلك.

- الحلم والرِّفق: وتقدَّم أنَّ الحلم والرِّفق من الأمور المطلوبة في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ولولا الحلم والرِّفق بالنَّاس لما ائتمر أحد بأمر وطاعة، ولما انتهى عن منكر ومعصية، وتقدَّم قول النَّبيِّ ﷺ: «إِنَّ الرِّفقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنزَعُ مِن شَيءٍ إِلاَّ شَانَهُ»(33)، وقال: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيْرَ»(34).

والأصل في الدَّعوة أن تكون بالطُّرق الحكيمة، وأمثلة ذلك في السُّنَّة كثير، كحديث بول الأعرابي في المسجد حيث اقترف أمرًا عظيمًا؛ فلم يعنِّفه النَّبيُّ ﷺ ولم يزجره، بل علَّمه آداب المسجد، فقال الأعرابي: «فَقَامَ النَّبيُّ ﷺ إِلَيَّ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي فَلَمْ يَسُبَّ، وَلَمْ يُؤَنِّبْ، ولم يضرب»(35)، وزاد أن تركه يكمل بوله ولم يقطعه عليه.

وجاء مثله أيضًا في حديث آخر وهو حديث معاوية بن الحكم السُّلمي الَّذي شمَّت العاطس وهو في الصَّلاة فرماه النَّاس بأبصارهم، قال: «فلمَّا صلَّى رسول ﷺ ـ فبأبي هو وأمِّي ـ ما رأيت معلِّمًا قبله ولا بعده أحسنَ تعليمًا منه؛ فوالله ما كَهَرَني ولا ضربني ولا شتمني، قال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسبِيحُ وَالتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرآنِ»(36).

لكن من الخطأ أن تُفهم الحكمة والرِّفق المأمور بهما على غير مفهومها الصَّحيح، وذلك باعتبار أنَّ كلَّ شدَّة في الدِّين ليست من الحكمة، بل حيثما أفادت الشِّدَّة وكانت المصلحة فيها فهي مطلوبة، وقد أباح الله القتال إذا بغت إحدى الطَّائفتين ولم يمكن إيقاف بغيها إلاَّ بالقتال، فقال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِين[الحُجُرات:9].

وهذا نبيُّ الله موسى أمره الله تعالى أن يلين مع عدوِّه وهو فرعون، فقال تعالى: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[طه:44]، واشتدَّ مع أخيه هارون فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ[الأعراف:150].

والنَّبيُّ ﷺ عنَّف بعض الصَّحابة، فلمَّا أطال معاذ بن جبل رضي الله عنه الصَّلاة بقومه قال له: «فَتَّانٌ فَتَّانٌ فَتَّانٌ(37)، ولما قَتَل حبُّه وابن حبِّه أسامةُ ابنُ زيد رضي الله عنه مشركًا نطق بكلمة التَّوحيد قال له: «يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله!» قال أسامة: فما زال يُكرِّرها حتَّى تمنَّيت أنِّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم»(38)، إلى غير ذلك من النُّصوص الَّتي فيها الشِّدَّة وكانت المصلحة في ذلك، والأصل هو الرِّفق في الدَّعوة ومعاملة النَّاس باللِّين والرِّفق، لكن إن دعت الحاجة إلى استعمال الخشونة والشِّدَّة فليستعملها الدَّاعية خاصَّة مع رؤوس أهل البدع الَّذين يظهرون بدعهم ويدعون إليها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلاَّ بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النَّظافة والنُّعومة ما نحمد معه ذلك التَّخشين»(39).

إلى غير ذلك من الآداب العامَّة والأخلاق الفاضلة الَّتي ينبغي أن يراعيها الآمرون بالمعروف والنَّاهون عن المنكر.

ثمار الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر

لا شكَّ أنَّ كلَّ طاعة لله عزَّ وجلَّ تؤتي ثمارها وأكلها في الدُّنيا والآخرة، وقيام العبد بهذا الواجب مع تحمُّل مشاقِّه وصعابه يؤجر عليه، فيكون الأجر على قدر المشقَّة، ومن ثمار ذلك:

- الفلاح والنَّجاة في الدُّنيا والآخرة: قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون[آل عمران:104].

فعلَّق الفلاح على الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والفلاح هنا يشمل فلاح الدُّنيا وفلاح الآخرة بالوصول إلى البغية المنشودة من دخول الجنان ورؤية الكريم المنَّان.

وكذلك ورد في حديث الباب في القوم الَّذين ركبوا السَّفينة وكانوا أسفلها، فإن يخرقوا خرقًا ويتركهم من فوقهم ولا ينهونهم يهلكوا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا هم وأنجوا غيرهم، وهكذا الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر يُنجي العبد الآمر والمأمور من عقاب الله وعذابه.

وقال تعالى: ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُون[الأعراف:165].

- ثبوت خيريَّة هذه الأمَّة: باتِّصافها بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله[آل عمران:110].

قال ابن عطية: «وهذه الخيريَّة الَّتي فرضها الله لهذه الأمَّة إنَّما يأخذ بحظه منها مَن عمل هذه الشُّروط من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والإيمان بالله»(40).

- حماية الأرض من انتشار الفساد والشَّرِّ فيها: قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ الله ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين[البقرة:251].

قال مكِّي بن أبي طالب رحمه الله: «أي بدفع أهل الطَّاعة عن أهل المعصية، وبالبرِّ عن الفاجر»(41)، إلى غير ذلك من الثِّمار اليانعة من إقامة شعائر الدِّين وإظهاره، وإقامة الحجَّة على المعاندين المصرِّين على الآثام والمعاصي والكفر.

عواقب ترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر

جاء بيان العواقب الوخيمة في ترك النَّاس للأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فعواقب التَّقصير فيه كثيرة، فمن ذلك:

- اللَّعن والطَّرد من رحمة الله عزَّ وجلَّ:

فترك الأمر بالمعروف عاقبته الطَّرد واللَّعن، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُون * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُون[المائدة:79].

- الهلاك ونزول الغضب والعقاب الإلهي:

كما تقدَّم في حديث حذيفة: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبعَثَ عَلَيكُمْ عِقَابًا مِنْهُ»، وحديث أمِّ سلمة: «أنهلك وفينا الصَّالحون؟ قال: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ».

وعن أبي بكر الصِّدِّيق أنَّه قال: «أيُّها النَّاس إنَّكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[المائدة:105]، وإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوا الظَّالِمَ فَلَم يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله بِعِقَابٍ مِنْهُ»(42).

- عدم استجابة الدُّعاء:

كما جاء في حديث حذيفة المتقدِّم: «وَالَّذِي نَفسِي بيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمَعرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبعَثَ عَلَيكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُستَجَابُ لَكُمْ».

فمن أسباب ردِّ الدُّعاء عدم تغيير المنكر وترك الأمر بالمعروف، فبالتَّالي يزداد الشَّرُّ وينتشر.

إلى غير ذلك من العواقب والمفاسد المترتِّبة على ترك هذا الواجب الجليل.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله:

«ومن تأمَّل أحوال الرُّسل مع أممهم وجدهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشدَّ القيام, حتَّى لقوا الله تعالى, وأوصوا من آمن بهم بالإنكار على من خالفهم, وأخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ المتخلِّص من مقامات الإنكار الثَّلاثة ليس معه من الإيمان حبَّة خردل وبالغ في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر أشدَّ المبالغة حتَّى قال: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا تَرَكُوهُ أَوشْكَ أن يَعُمَّهُمُ الله بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ»، وأخبر أنَّ تركه يمنع إجابة دعاء الأخيار, ويوجب تسلطَّ الأشرار, وأخبر أنَّ تركه يوقع المخالفة بين القلوب والوجوه, ويُحلُّ لعنة الله كما لعن الله بني إسرائيل على تركه»(43).

الفوائد المستنبطة من أحاديث الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر

من الفوائد المستنبطة من خلال دراسة بعض الأحاديث الواردة في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر:

- أنَّ إقامة الدِّين لا تكون إلاَّ بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ورأس المعروف توحيد الخالق جلَّ وعلا، ورأس المنكر الشِّرك به سبحانه.

- أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من الواجبات المجمع على وجوبها، واختلف العلماء في مرتبة وجوبها على العين أم الكفاية إن قام به بعض سقط عن الباقين.

- أنَّ للأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر شروطًا أعظمها العلم والقدرة على التَّغيير،وأن لا يترتَّب منكر أعظم منه.

- إنكار المنكر أربع درجات، اثنتان مشروعتان، وواحدة محرَّمة، وأخرى محلُّ اجتهادٍ.

- للأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر آداب وأخلاق تعين القائم به على قبول دعوته كالإخلاص لله، والصَّبر وتحمُّل الأذى، والحلم والرِّفق بالمدعوِّين.

- قد تكون الشِّدَّة والغلظة في مواضع ومواقف أجدى وأرجح من الرِّفق.

والله أعلى وأعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه.



(1) أخرجه البخاري في «صحيحه» (2493)، وأحمد في «مسنده» (18361).

(2) أخرجه البخاري في «صحيحه» (2465)، ومسلم في «صحيحه» (2121)، وأحمد في «المسند» (11309).

(3) أخرجه مسلم في «صحيحه» (49)، وأحمد في «المسند» (11073).

(4) أخرجه التِّرمذي في «جامعه» (2169)، وقال: «هذا حديث حسن».

(5) أخرجه البخاري في «صحيحه» (3346)، ومسلم في «صحيحه» (2880).

(6) أخرجه مسلم في «صحيحه» (55)، وأحمد في «المسند» (16942).

(7) أخرجه البخاري في «صحيحه» (57)، ومسلم في «صحيحه» (56)، وأحمد في «المسند» (19163).

(8) «معجم مقاييس اللُّغة» (4/ 281).

(9) «النِّهاية في غريب الحديث والأثر» (3/ 216).

(10) «معجم مقاييس اللُّغة» (5/ 476).

(11) «النِّهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (5/ 115).

(12) «الدُّرُّ المنثور» للسُّيوطي (10/ 518).

(13) «الجامع لأحكام القرآن» (5/ 73).

(14) «التَّمهيد» لابن عبد البرِّ (23/ 281)، «شرح النَّووي على صحيح مسلم» (2/ 22).

(15) «جامع البيان» (5/ 662)، «الدُّرُّ المنثور» للسُّيوطي (3/ 718).

(16) «جامع البيان» (5/ 660).

(17) «المحرَّر الوجيز» (3/ 310).

(18) «الجامع لأحكام القرآن» (5/ 252 ـ 253).

(19) تفسير البغوي «معالم التَّنزيل» (4/ 84).

(20) «المحرَّر الوجيز» (3/ 310).

(21) «تفسير القرآن العظيم» (3/ 138).

(22) «المحرَّر الوجيز» (3/ 310).

(23) «مجموع الفتاوى» (28/ 126).

(24) «المحرَّر الوجيز» (3/ 311).

(25) «تفسير القرآن العظيم» (8/ 91).

(26) «مجموع الفتاوى» (28/ 136)، «الاستقامة» (2/ 230 ـ 233).

(27) «شرح صحيح مسلم» (2/ 23).

(28) «مجموع الفتاوى» (28/ 126)، «الاستقامة» (2/ 211).

(29) «مجموع الفتاوى» (28/ 129 ـ 130)، «الاستقامة» (2/ 218).

(30) «إعلام الموقِّعين» (4/ 338 ـ 339).

(31) أخرجه البخاري في «صحيحه» (1)، ومسلم في «صحيحه» (1907).

(32) أخرجه مسلم في «صحيحه» (2985).

(33) أخرجه مسلم في «صحيحه» (2594).

(34) أخرجه مسلم في «صحيحه» (2592).

(35) أخرجه أحمد في «المسند» (10533)، وهو في «الصَّحيحين» بغير هذا اللَّفظ.

(36) أخرجه مسلم في «صحيحه» (537).

(37) أخرجه البخاري في «صحيحه» (701)، ومسلم في «صحيحه» (465).

(38) أخرجه البخاري في «صحيحه» (4269)، ومسلم في «صحيحه» (96).

(39) «مجموع الفتاوى» (28/ 53).

(40) «المحرَّر الوجيز» (3/ 318).

(41) «الهداية في بلوغ النهاية» (1/ 871).

(42) رواه التِّرمذي في «جامعه» (2168).

(43) «مدارج السَّالكين» (3/ 123).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 23»