أنت هنا:دراسات وبحوث»المهدي بين الحقيقة والسرداب

المهدي بين الحقيقة والسرداب

  • حسن بوقليل
تم قراءة المقال 122 مرة

 

«إنَّ أمر المهدي أمر معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، وهي متواترة تواترًا معنويًّا لكثرة طرقها واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها؛ فهي بحقٍّ تدلُّ على أنَّ هذا الشَّخص الموعود به أمر ثابت وخروجه حقٌّ، وهو محمَّد بن عبد الله العلوي الحسني من ذرِّيَّة الحسن بن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، وهذا الإمام من رحمة الله عز وجل بالأمَّة في آخر الزَّمان، يخرج فيقيم العدل والحقَّ، ويمنع الظُّلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمَّة عدلاً وهدايةً وتوفيقًا وإرشادًا للنَّاس»(1).

*وممَّا جاء من أحاديث فيه:ـ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يَخرُجُ في آخِرِ أُمَّتِي المَهْدِيُّ؛ يَسْقِيهِ اللهُ الغَيْثَ، وَتُخرِجُ الأَرضُ نَبَاتَهَا، وَيُعطِي المَالَ صِحَاحًا، وَتَكثُرُ المَاشِيَةُ، وَتَعظُمُ الأُمَّةُ، يَعِيشُ سَبعًا أَو ثَمَانِيًا ـ يعني: حججًا»(2).

ـ عن قرَّة بن إياس رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَتُمْلأَنَّ الأَرضُ جَوْرًا وَظُلْمًا، فَإِذَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا بَعَثَ اللهُ رَجُلا مِنِّي اسمُهُ اسمِي، فَيَمْلَأُهَا قِسْطًا وَعَدْلا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا»(3).

ـ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «يَنزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ ﷺ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمُ [المَهْدِيُّ]: تَعَالَ صَلِّ بِنَا، فَيَقُولُ: لاَ؛ إِنَّ بَعضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاء، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةِ»(4).

ـ عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «اَلمَهْدِي مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ، يُصْلِحُهُ اللهُ في لَيْلَةٍ»(5).

وقد جمع أهل العلم أحاديث المهدي الصَّريحة وغير الصَّريحة في مصنَّفات كثيرة، ومن أجمعها كتاب العلَّامة عبد المحسن بن حمد العبَّاد ـ حفظه الله تعالى ـ «عقيدة أهل السُّنَّة والأثر في المهدي المنتظر».

«واعلم يا أخي المسلم! أنَّ كثيرًا من المسلمين اليوم قد انحرفوا عن الصَّواب في هذا الموضوع؛ فمنهم من استقرَّ في نفسه أنَّ دولة الإسلام لن تقوم إلا بخروج المهدي! وهذه خرافة وضلالة، فهو في الحقيقة من المجدِّدين الَّذين يبعثهم الله في رأس كلِّ مائة سنة كما صحَّ عنه ﷺ؛ فإنَّ المهدي لن يكون أعظم سعيًا من نبيِّنا محمَّد ﷺ الَّذي ظلَّ ثلاثة وعشرين عامًا وهو يعمل لتوطيد دعائم الإسلام، وإقامة دولته. فالشَّرع والعقل معًا يقتضيان أن يقوم بهذا الواجب المخلصون من المسلمين، حتَّى إذا خرج المهدي لم يكن بحاجة إلا أن يقودهم إلى النَّصر، وإن لم يخرج فقد قاموا هم بواجبهم، والله يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ[التوبة:105]»(6).

وقد اتَّخذ الرَّوافض قضيَّة «المهدي» وخروجه ذريعة لضرب الإسلام وأهله؛ فحرَّفوا الأحاديث الثَّابتة، ووضعوا ألفاظًا تناسبهم، وصوَّروا «المهدي» في شخصيَّة محمَّد بن الحسن العسكري، وأنَّه سيخرج آخر الزَّمان!

*حقيقة المهدي الغائب عند الرَّوافض:

بعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري رحمه الله سنة (260هـ) اضطربت الرَّوافض، وأحسُّوا بخطر الانهيار؛ حيث صاروا بلا إمام! ولا دين! ومعلوم ضرورةً في دينهم أنَّ الإمام لا ينبغي أن يموت قبل أن يوصي؛ روى الكليني عن جعفر الصَّادق قال: «لا يموت الإمام حتَّى يعلم من يكون بعده؛ فيوصي إليه»(7)! فاهتدى الرَّوافض إلى اختلاق شخصيَّة الإمام الثَّاني عشر ـ والأخير ـ(8)، يقال له محمَّد بن الحسن العسكري، ولد سنة (255هـ)، ويسمُّونه (الحجَّة) و(القائم)، و«الَّذي دخل السِّرداب في زعمهم، سنة ستِّين ومائتين، أو قريبًا من ذلك بسامرا! وقد يقيمون هناك دابَّة؛ ليركبها إذا خرج! ويقيمون هناك في أوقات عيَّنوا فيها من ينادي عليه بالخروج! إلى غير ذلك من الأمور الَّتي يضحك عليهم منها العقلاء!!»(9). قال ابن القيِّم رحمه الله يصف مهديَّهم: «الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الَّذي يورِّث العصا، ويختم الفضا، دخل سرداب سامرَّاء طفلًا صغيرًا من أكثر من خمسمائة سنة، فلم تره بعد ذلك عين، ولم يحسَّ فيه بخبر ولا أثر. وهم ينتظرونه كلَّ يوم! يقفون بالخيل على باب السِّرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا! اخرج يا مولانا! ثمَّ يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه. ولقد أحسن من قال:

ما آن للسِّرداب أن يـلد الَّذي كلَّمتموه بجهلكـم ما آنــا؟
فعلى عقولكم العفاء فإنَّكم ثلَّـثـتـم العــنـقــاء والـغيــلانــــا

ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وضحكة يسخر منها كلُّ عاقل»(10). وسبب اختفائه في السِّرداب «إخافة الظَّالمين له، وقبض يده عن التَّصرُّف فيما جعل إليه التَّصرُّف والتَّدبير له»(11). وهذه الشَّخصيَّة الَّتي تجسَّد فيها مهديُّهم لا وجود لها؛ إذ إنَّ الحسن بن علي العسكري لم يعقِّب! وكانت تركته لأمِّه وأخيه جعفر(12).

وصار هذا الوهم عقيدة عندهم؛ لذا تراهم عند السِّرداب ينتظرونه! ويدفعون خمس أموالهم لنوَّابه! ولم يخرج بعد، ولن يخرج. وقد زعم الرَّوافض أنَّ للمهديِّ سفراء ونوَّابًا؛ منهم: أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (السَّمَّان)، وابنه محمَّد، وغيرهما، وهذا كلُّه حتَّى لا تنكشف كذبتهم على النَّاس. ومن غرائبهم؛ أنَّ المهديَّ في سردابه له غيبتان: صغرى، وكبرى. فالصُّغرى: لا يعلم حاله فيها إلَّا الخَّاصة من الشِّيعة. ذكر الكليني في «أصول الكافي» (1/ 271) عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «إنَّ للقائم غيبة قبل أن يقوم» قلت: ولم؟ قال: «إنَّه يخاف ـ وأومأ بيده إلى بطنه ـ يعني القتل». وعن زرارة عن أبي عبد الله قال: «للقائم غيبتان يشهد في إحداهما المواسم، يرى النَّاس ولا يرونه». والكبرى: لا يعلم حاله فيها إلا سفراؤه(13). بل زعم بعض كبارهم المعاصرين أنَّ (مثلَّث برمودا) يعتبر معسكرًا لـ«المهدي»!! ولا ندري هل سيمدد أصحاب العمائم السَّوداء بقاءه في السِّرداب؟!! قطع الله دابر الرَّوافض؛ ما أكذبهم.

*ومن نظر في أحاديث المهدي في كتب السُّنَّة علم الفرق الشَّاسع بين مهديِّنا، ومهديِّهم: ـ فمهديُّنا اسمه (محمَّد بن عبد الله)، ومهديُّ الرَّوافض اسمه (محمَّد بن الحسن)! ـ ومهديُّنا يظهر في آخر الزَّمان لينشر العدل، ويحكم بشريعة الإسلام، ومهديُّهم للقضاء على أهل السُّنَّة، وتحكيم شريعة داود عليه السلام. هذا غيض من فيض، وقد ألَّف العلماء قديمًا وحديثًا في أحاديث المهدي، وردُّوا على من أنكرها؛ من المعتزلة والرَّوافض، فلتراجع. نسأل الله تعالى أن يقينا وبلادنا شرَّ الرَّوافض، وأن يبصِّرنا بجرائمهم، وأن يوفِّقنا لردِّ باطلهم، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربِّ العالمين.



(1) مقدِّمة الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله لمحاضرة العلامة عبد المحسن العبَّاد ـ حفظه الله ـ عن المهدي، وهي مطبوعة باسم: «عقيدة أهل السُّنَّة والأثر في المهدي المنتظر».

(2) الحاكم (4/ 557)، انظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» (711).

(3) الطبراني في «الأوسط» (8325)، انظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» (1529).

(4) مسلم (156)، انظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» (2236).

(5) أحمد (645)، وابن ماجه (4085)، انظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» (2371).

(6) من كلام الإمام الألباني رحمه الله في «السِّلسلة الصَّحيحة» (4/ 42 ـ 43) باختصار.

(7) «أصول الكافي» (1/ 277) بواسطة «المهدي» للمقدِّم (375).

(8) يذكر أنَّ أوَّل من قال بهذه المهديَّة والغيبة (عثمان ابن سعيد العمري)، وقيل (محمَّد ابن نصير النُّميري). «أصول مذهب الشِّيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة» (2/ 834) للقفَّاري.

(9) «شرح الطَّحاوية» لابن أبي العزِّ (2/ 556 ـ ط. الأرناؤوط) بتصرُّف.

(10) «المنار المنيف في الصَّحيح والضَّعيف» لابن القيِّم (99 ـ ط. المعلِّمي).

(11) «المقنع في الغيبة» (52) لعليِّ بن الحسين الموسوي.

(12) وفي «أصول الكافي» (ص206) أنَّ الإمام الحسن العسكري ولد في رمضان (232هـ)، وتوفِّي بعد أن عاش ثمانية وعشرين عامًا، بدون أن ينجب ولدًا، حسب رواية أخيه جعفر بن علي.

(13) انظر: «الإمامة والرَّدُّ على الرَّافضة» لأبي نعيم (74 وما بعدها ـ ط. الفقيهي).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 26»