أنت هنا:فتاوى شرعية»في حكم الإقامة في بلد الكفر للحاجة

في حكم الإقامة في بلد الكفر للحاجة

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 196 مرة

 

* السؤال:

أَجْرَت أختٌ عقدَها الشَّرعيَّ والمدنيَّ مع أخٍ مسلمٍ وُلد في فرنسا وله جنسيَّةٌ فرنسيَّة، ومن أسباب بقائه هناك تكفُّله بأُمِّه المريضة، كما أنَّه وَعَدَها بتغيير إقامته إلى بلد مسلم، فهل يجوز له الإقامة في بلاد الكفر والحالة كذلك؟ وهل يجوز لها مرافقته مع العزم على الرَّحيل متى تهيَّأت الظُّروف؟ وجزاكم الله خيرًا.

* الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا يساورنا شَكٌّ في خطورة الإقامةِ والحلول في بلدان الكفر على دين المسلم وأخلاقه وسلوكه، والقول بعدم جواز السَّفر إلى بلدان الكفر والإقامة بين ظهور المشركين لمن لا يأمن الفتنة، أو لا معرفة له بدينه، أو لا يستطيع أن يُظهر شعائرَ الدِّين ويجهر بها على وجه الكمال هو القول الأسلم لدينه والأحفظ له من انصهار شخصيَّته في المجتمع الكفريِّ والهُوِيِّ به في مهالكه ومفاسده، أمَّا إذا تمكَّن المسلم من إظهار دينه وشعائره، والجهر بها: من إقامة الصَّلوات والصِّيام والحجِّ والجمعة والجماعات وغيرها من شعائر الإسلام وقدر على الولاء والبراء، متجنِّبًا موالاةَ الكفَّار ومحبَّتَهم، بل يبقى مُضمرًا لبغضهم ولعداوتهم وعدم الرِّضى بأفعالهم؛ لأنّ محبَّة أعداء الله تستلزم موافقتهم واتِّباعَهم والرِّضى بفعلهم، وهذا كما لا يخفى منافٍ لعقيدة الولاء والبراء، وهي أوثق عُرَى الإسلام قال تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾[المجادلة:22]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾[المائدة:51]، وقال ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(1)، وقال ﷺ ـ أيضًا ـ «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»(2) ، كما يكون المسلم المقيم ببلاد الكفر له معرفةٌ بأحكام دِينِه ما يكفيه للحفاظ عليه والأمن من الفتنة، والانحراف عن جادَّة الطريق، وعليه فإنْ تحقَّقت هذه الضَّوابط فيباح له الإقامة بقدر حاجة أُمِّه إلى العلاج؛ لأنَّ القائم على المريض في حكمه، أي تنصرف أحكامه إليه، وخاصَّة إن كان مُسْتَضْعَفًا تحول دون ترك تلك البلدان الظُّروفُ الصِّحِّيَّة والجغرافيَّة والسِّياسيَّة.

والزَّوجة في حكم زوجها؛ لأنَّها تابعةٌ له، و«التَّابِعُ تَابِعٌ»، ومن حقِّها أن تشترط عليه حالَ العقد عدم السَّفر بها إلى هذه البلدان، فإنَّ «المسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»(3).

ثمَّ ينبغي أن يُعلَمَ أنَّ الإقامة السَّكنيَّة غيرَ المقرونة بالضَّرورة الشَّرعية أو الحاجة الشَّرعية من أعظم المفاسد وأخطر المهالك على دين المسلم؛ ذلك لأنَّ المساكنة تدعو إلى المشاكلة، ومشاكلة الكفَّار في عاداتهم وأخلاقهم وسلوكهم وطبائعهم مع ما يعلنونه من حكمٍ بغيرِ ما أنزل اللهُ وغيرِها من الشَّعائر الشِّركية، الأمر الذي قد يفضي بالمسلم إلى مماثلتهم كما صَرَّح النَّبيُّ ﷺ بقوله: «مَنْ جَامَعَ المشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»(4)، والحديث وإن كان ضعيفًا ـ عند بعض أهل الحديث ـ إلَّا أنَّ معناه صحيحٌ من ناحية أنَّ «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» وكذلك من رَضِيَ وأحبَّ.

قال ابن تيمية رحمه الله: «وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التَّشبُّه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبّه بهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ[المائدة:51]»(5)، والعلمُ عند الله تعالى.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه أبو داود (4033)، وأحمد (5232)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه العراقي في «تخريج الإحياء» (1 /359)، وحسنه ابن حجر في «فتح الباري» (10 /288)، والألباني في «الإرواء» (1269).

(2) أخرجه البخاري (6169)، ومسلم (6888)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(3) أخرجه أبو داود (3594)، والحاكم (2309)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والتِّرمذي (1352)، من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (2915).

(4) أخرجه أبو داود (2787)، من حديث سمرة ابن جندب رضي الله عنه، وحسَّنه الألباني في «الصَّحيحة» (2330).

(5) «اقتضاء الصِّراط المستقيم» لابن تيمية (1 /270).