أنت هنا:فتاوى شرعية»في حكم الوجبات الغذائيَّة الخاصَّة بالأعياد البدعية

في حكم الوجبات الغذائيَّة الخاصَّة بالأعياد البدعية

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 635 مرة

 

* السُّؤال:

نحن طلبةَ الجامعات والمعاهدِ، نقيمُ في الأحياء الجامعيَّة، ونستفيدُ من الخَدَمات المقدَّمة لنا طيلةَ السَّنَةِ، من الإيواء والمأكل وغيرِ ذلك، وقد جرت العادة في المواسم والمناسبات كالأعياد الوطنيَّة والدِّينيَّة وغيرِها، ومنها: رأس السَّنة الميلاديَّة، أن تقوم الإدارة بتحسين وجبات الغداء والعشاء، وقد وقع للبعض حرجٌ في تناولها، ممَّا أَدَّى إلى خلافٍ وانقسامٍ بين الطَّلبة ما بين ممتنعٍ رافضٍ لهذا النَّوع الخاصِّ من الوَجَبات، وبين من لا يرى بأسًا في تناولها بحُجَّة أنَّه غيرُ قاصدٍ للاحتفال بهذه المناسبة، وهو معتاد للأكل في هذه المطاعم وليس له غيرها، أفتونا مأجورين وبارك الله فيكم.

* الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلم أنَّ اللهَ تعالى أَبْطَلَ أعيادَ الجاهليَّةِ، وأبدلَ أهلَ الإسلامِ عِيدَيْن يجتمعون فيهما للذِّكْرِ والصَّلاةِ وهما: عيد الفطر وعيد الأضحى، فقد ثبت أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا قَدِمَ المدينةَ وجد للأنصار يومين يلعبون فيهما، ويعتبرونهما أعيادًا، فقال ﷺ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْرِ»(1)، كما شرع لأهل الإسلام الاجتماع للعبادة وذِكْرِ اللهِ يومَ الجمعة، ويومَ عرفة، وأيَّام التَّشريق، أمَّا ما عدا ذلك فلا يجوز الاحتفال بالأعياد الدِّينيَّة: كعيدِ المسيح عليه السلام ورأسِ السَّنة الميلاديَّة، وعيد الأُمِّ، والكِرِسْمِسْ للنَّصارى، أو عيدِ اليوبيل لليهود، وكذلك أعياد الرَّافضة كعيد الغدير، وعيد المعراج، وعاشوراء، وليلةِ أَوَّلِ شعبانَ، وليلةِ نصفِهِ، وليلةِ رجب، وليلةِ نِصْفِهِ، والاحتفال بالمولد النَّبوي عندهم وعند المتصوِّفة، والاحتفال برأس القرن الهجري ونحو ذلك، كما لا يجوز الاحتفال بالأعياد الأخرى: كأعياد الميلاد والعمَّال، والمرأة، وعيد العلم، والطِّفل، والشَّجرة، وأشباه ذلك من محدثات الأمور الَّتي سلك فيها كثيرٌ من المسلمين طريق أعداء الله من اليهود والنَّصارى وأشباههم، وقَلَّدوهم في أعيادهم وأخلاقهم وسيرتهم وسائر أنماط حياتهم، قال ﷺ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟»(2).

فالواجب ـ إذن ـ تركُ كلِّ ما لم يشرع الله لنا عيدًا وتركُ توابِعِه وملحقاتِه كالاجتماع فيها على الدُّروس أو المحاضرات أو الطَّعام أو إقامة الأفراح؛ لأنَّ «تَوَابِعَ الشَّيْءِ مِنْهُ»، ويُلْحَقُ حكمه به جريًا على قاعدة: «التَّابِعُ تَابِعٌ»، وأسباب المنع والتَّحريم يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولًا: إنَّها من محدثات الأمور، وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ»(3)، وفي قوله ﷺ: «وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»(4)، وبقوله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(5)، وبقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(6).

ثانيًا: ولأنَّ الاحتفالَ بالمواسم والأعياد البدعيَّةِ تَقَدُّمٌ بين يَدَيِ اللهِ ورسولِهِ في اعتبار أيَّامٍ مخصوصةٍ لم يعتبرها الشَّرعُ أعيادًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيم﴾[الحُجُرات:1].

ثالثًا: ولأنَّ فيه تشبُّهًا باليهود والنَّصارى ومَن على شاكلتهم في أعيادهم وتقاليدهم وعاداتهم، وهو نوعٌ من الموالاة لهم وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾[المائدة:51]، وقال ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(7).

وعليه، فالمشاركةُ في هذه الأعياد غيرِ المشروعة بالاجتماع على الموائد، والاحتفال على المنصَّات، إقرارٌ بالبدعة، ورضًى بما نهى اللهُ عنه؛ والامتثالُ لأمره والابتعاد عن نهيه هو عنوانُ محبَّةِ اللهِ ورسولِه ﷺ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيم﴾[آل عمران:31]، قال ابن كثير رحمه الله: «وهذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كُلِّ من ادَّعى محبَّةَ اللهِ وليس هو على الطَّريقة المحمَّديَّة، فإنَّه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتَّى يتَّبع الشَّرع المحمَّدِيَّ، والدِّينَ النَّبويَّ في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصَّحيح عن رسول الله ﷺ، أنَّه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»»(8).

قلت: ويندرج ضِمْنَ العمل المردود مشاركةُ الخبَّازين وصُنَّاع الحلويات والطَّبَّاخين وتجَّار اللُّحوم البيضاء والدِّيك الرُّومي وغيرِهم، لأجل إحياء هذه المناسبات المُحْدَثَة لما فيها من التَّعاون الآثم وتجاوز حدود الشَّرع، وقد نهى اللهُ عن هذا التَّعاوُنِ بقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَاب﴾[المائدة:2].

واللهَ أسألُ أن يُصْلِحَ حالَ المسلمين، ويُزَكِّيَ قلوبَهم وأعمالَهم ممَّا يخالف صفاءَ الدِّين، وأن يُوفِّقَهم للتَّمسُّك بكتاب ربِّهم وسُنَّةِ نبيِّهم محمَّدٍ ﷺ، وعلى اتِّباع سبيل المؤمنين، إنَّه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه أبو داود (1136)، والنَّسائي (1567)، وأحمد (12332)، والبيهقي (6342)، من حديث أنس رضي الله عنه، وصحَّحه الألباني في «الصَّحيحة» (2021).

(2) أخرجه البخاري (7320)، ومسلم (2669)، وأحمد (12120)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(3) أخرجه أبو داود (4609)، وأحمد (17608)، والدارمي (96)، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وصححه الألباني في «الصَّحيحة» (2735).

(4) أخرجه مسلم (2042) من حديث جابر رضي الله عنهما.

(5) أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (4589) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(6) أخرجه مسلم (4590) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(7) سبق تخريجه.

(8) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (1 /358).