أنت هنا:فتاوى شرعية»في صفة مُهدي ثواب الصَّدقة إلى الميِّت

في صفة مُهدي ثواب الصَّدقة إلى الميِّت

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 446 مرة

 

* السُّؤال:

هل يجوز التَّصدُّق على بعض العلماء أو التَّابعين ـ رحمهم الله ـ أو الصَّحابة رضي الله عنهم؟

* الجواب:

اعلم أَنَّ باب القُرُبَات يُقتصر فيه على النُّصوص ولا يُتصرَّف فيه بأنواعٍ من الأقيسة والآراء، فالأحاديث الواردة في الصَّدقة على الأموات إنَّما وردت قاصرةً الولد على والديه بعد موتهما بدون وصيَّة منهما، ويصل إليهما الثَّواب، مثل ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ رَجُلاً قَالَ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، ـ وَلَمْ تُوصِ ـ وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا»(1)، وبما ثبت في الصَّحيح من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما: أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادة توفِّيت أُمُّه ـ وهو غائب عنها ـ فقال: «يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أُمِّي تُوفِّيَتْ ـ وَأَنَا غَائِبٌ ـ فَهَلْ يَنْفَعُهَا إِنْ تَصدَّقْتُ عَنْهَا بِشَيْءٍ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عليها»(2)، وبما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلاً قال للنَّبيِّ ﷺ: «إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ»(3).

فهذه الأحاديثُ وغيرُها لا تعارِض قولَه تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}[النجم:39]؛ لأنَّه قد ثبت أنَّ ولد الإنسان مِن سعي والديه وكسبِهما في قوله ﷺ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ»(4)، فإنَّ ما يفعله الولدُ الصَّالحُ من الأعمال الصَّالحة فلوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيئًا؛ ولأنَّ الوالد يزكِّي نفسه بتربيته لولده وقيامه عليه فكان له أجره، لقوله تعالى: {وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ}[فاطر:18].

أمَّا غيرُ الولد فإنَّ عموم الآية السَّابقة تدلُّ على أنَّه لا يصل ثوابه إلى الميِّت، فيُحكَّم العموم حتَّى يأتيَ دليلٌ يقتضي تخصيصَه، وقد ورد الدَّليل في أمر الدُّعاء لغير الولد في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا ...}[الحشر:10]، ومن ذلك مشروعيَّة الدُّعاء في صلاة الجِنازة، والدُّعاء له بعد الدَّفن وعند الزِّيارة له، ويخصِّص عمومَ الآية ـ أيضًا ـ قضاءُ الدَّين عن الميِّت، فقد أقرَّ ذلك النَّبيُّ ﷺ في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهِ، قَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا لاَ، قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: ثَلاَثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ رَجُلٌ مِن الأَنْصَارِ يُقاَلُ لَهُ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ»(5)، وقضاءُ الدَّين فكٌّ له عن الاحتباس، يجوز أن يتولَّى ذلك غيرُ الولد، لقوله ﷺ فيمن كان محبوسًا على باب الجنَّة من أجل الدَّين: «فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ»(6).

ويجوز ـ أيضًا ـ لغير الولد إِنْ أَوْصَى الميِّت؛ لأنَّ الوصيَّة ـ أيضًا ـ تدخل ضمن مساعي الميِّت وكسبِه.

والعلمُ عند اللهِ تعالى.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري (1322)، مسلم (2326).

(2)  أخرجه البخاري (2618)، وأبو داود (2882)، والترمذي (669)، وأحمد (3070).

(3)  أخرجه مسلم (4219)، والنسائي (3652)، وابن ماجه (2716)، وأحمد (8677).

(4) أخرجه أبو داود (3528)، والنسائي (4452)، وابن ماجه (2137)، وأحمد (25083)، من حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث صحَّحه الألباني في «الإرواء» (1626).

(5) أخرجه البخاري (2168)، وأحمد (16092).

(6) أخرجه أبو داود (3341)، وأحمد (19719)، والحاكم في «المستدرك» (2214)، والطبراني في «المعجم الكبير» (6753)، من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (7017).