أنت هنا:فتاوى شرعية»في الاحتجاج بواقعة ذات أنواط على العذر بالجهل

في الاحتجاج بواقعة ذات أنواط على العذر بالجهل

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 493 مرة

 

السُّؤال:

..ثمَّ إنَّ أصحاب رسول الله قد سألوا النَّبيَّ أن تكون لهم شجرة ينوطون بها سلاحَهم ويستمدُّون منها البركةَ والنَّصرَ، فلم يُجِبْهُمْ إلى طلبهم، بل أنكر عليهم أشدَّ الإنكار لِمَا وقعوا فيه من معصية الشِّرك، فكان التَّحذير على أصل من أصول الدِّين، وقد أعذرهم بسبب الجهل لكونهم حديثي عهد بالكفر، فلذلك كان اعتبار الجهل عذرًا بحادثة ذات أنواط، وهذا نصُّها:

«عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ إِلَى حُنَيْنٍ ـ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ ـ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بنو إِسْرَائِيلَ: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ[الأعراف:138]، قَالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(1).

فإن كان للشَّيخ أبي عبد المعزِّ ـ حفظه الله ـ توجيه آخر سليم على غير ما ذكر، فليوضِّحه لنا ونكون له من الشَّاكرين.

الجواب:

التَّوجيهُ المطلوبُ لهذه الواقعة يظهر بوضوح في أنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ إنَّما طلبوا مجرَّدَ المشابهة للمشركين لا عَيْنَ الشِّرك، حيث إنَّ سؤالهم له باتِّخاذ ذات أنواط يشبه سؤال بني إسرائيل لموسى عليه السلام باتِّخاذ الآلهة من دون الله لا أنَّه هو بعينه؛ ذلك لأنَّ التَّشابه في وجهٍ أو فردٍ لا يلزم التَّشابه بينهما من كلِّ وجهٍ وفردٍ، كتعلُّق قلبِ المدمن بالخمر في قوله ﷺ: «مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ»(2)، فوجه التَّشابه بينهما أنَّ المدمنَ لا يكاد أن يَدَع الخمرَ، كما لا يدع عابِدُ الوثن عبادته، ويمكن الاستئناس بحديث عليٍّ رضي الله عنه لَمَّا مرَّ على قومٍ يلعبون بالشّطرنج قال: ما هذه التَّماثيل الَّتي أنتم لها عاكفون؟(3) فشبَّههم بالعاكفين على التَّماثيل، لذلك فالتَّشبيه من هذا الوجه لا يلزم بالضَّرورة المشابهة بينهما من كلِّ وجهٍ، قال الشَّوكاني رحمه الله: «هذا وعيدٌ شديد وتهديدٌ ما عليه مزيد؛ لأنَّ عابد الوثن أشدُّ الكافرين كفرًا، فالتَّشبيه لفاعل هذه المعصية بفاعل العبادة للوثن من أعظم المبالغة والزجر»(4).

ومثله قوله ﷺ: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»(5)، قال ابن أبي العزِّ: «وَليس تشبيه رؤية الشَّمس والقمر تشبيهًا لله، بل هو تشبيه الرَّؤية بالرُّؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي»(6).

فلذلك لم يطلب القوم الشِّرك الأكبر يقينًا، وإنَّما طلبوا أن تكون لهم شجرة ينوطون بها السِّلاح، ويستمدُّون من الله بها البركة والنَّصر، ولا يستمدُّون منها، لقيام الفرق بين طلب النَّصر والقُوَّة والبركة من الشَّجرة، وهو شركٌ أكبرُ، لصرف عبادة الدُّعاء والسُّؤال لغير الله تعالى، وبين الطَّلب من الله ذلك عندها أو بسببها، فهذا إنَّما يدخل في البدعة والشِّرك الأصغر، فشأنه كمن يعبد اللهَ وحده لا شريك له عند القبور، فهذا مُوَحِّدٌ لم يشرك بالله غيرَه، إلاَّ أنَّه مبتدعٌ؛ لأنَّه فضَّل مكانًا بغير مستنَدٍ شرعيٍّ، فانتقل من السُّنَّة إلى البدعة، وضمن هذا المعنى يقول ابن تيمية رحمه الله: «ولمَّا كان للمشركين شجرة يعلِّقون عليها أسلحتهم، ويسمُّونها ذات أنواط، فقال بعض النَّاس: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، إِنَّهَا السَّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(7)، فأنكر النَّبيُّ ﷺ مجرَّدَ مشابهتهم للكفَّار في اتِّخاذ شجرة يعكفون عليها، معلِّقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشِّرك بعينه؟

فمن قصد بقعةً يرجو الخيرَ بقصدها، ولم تستحِبّ الشَّريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشدُّ من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء، أو قناة جارية أو جبلاً أو مغارة، وسواء قصدها ليصلِّيَ عندها، أو ليدعوَ عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسَّك عندها، بحيث يخصُّ تلك البقعة بنوع من العبادة الَّتي لم يُشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينًا ولا نوعًا»(8).

فالحاصل أنَّ أصحابَ رسول الله ﷺ لم يطلبوا الشِّركَ الأكبرَ وإنَّما طلبوا مجرَّد المشابهة حيث قالوا: «اجعل لنا ذات أنواط»، فإنَّه يشبه قول بني إسرائيل: «اجعل لنا إلهًا»، فاتِّخاذ ذات أنواط يشبه اتِّخاذ الآلهة من دون الله لا أنَّه هو بنفسه، فحذَّرهم النَّبيُّ ﷺ وغلَّظ عليهم مع أنَّهم طلبوا ولم يفعلوا، والتَّغليظ كما يرد في الشِّرك الأكبر يرد ـ أيضًا ـ في الشِّرك الأصغر، فمثله: قوله ﷺ في قول من قال له: «ما شاء الله وشئت»، فقال: «أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدًّا؟»(9)، فكان في زجره ﷺ لهم عن هذه المشابهة تحذير شديد خشية أن يؤول أمرها إلى الشِّرك الأكبر، فقطع مادَّة المشابهة من أساسها وجذورها حملاً لهم على السُّنَّة والمعتقد السَّليم؛ لأنَّ البدع بريد الشِّرك الأكبر، والعلمُ عند اللهِ تعالى.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

 



(1) أخرجه الترمذي (2180)، وقال: «حسن صحيح»، وأحمد في «مسنده» (21390)، والحديث صححه الألباني في «جلباب المرأة المسلمة» (202).

(2) أخرجه ابن ماجه (3375)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم، وأخرجه أحمد في «مسنده» (2449)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2/ 289): «فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح، والله أعلم».

(3) أخرجه البيهقي في $سننه# (21532)، وفي $شعب الإيمان# (6518)، عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه. وأخرجه البيهقي في «سننه» (21532)، والآجري في «تحريم النرد» (ق43/ 1)، وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (47)، من طريق ميسرة بن حبيب. والحديث صحَّحه ابن حزم في «المحلى» (9/ 63)، وقال عنه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (32/ 244): «ثابت»، وصحَّحه ابن القيم في «الفروسية» (310)، وضعَّفه الألباني في «إرواء الغليل» (8/ 288). وانظر: «جامع العلوم والحكم» لابن رجب (395).

(4) «نيل الأوطار» للشوكاني (10/ 129).

(5) أخرجه البخاري (6998)، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وانظر «ظلال الجنة في تخريج السنة» للألباني (461).

(6) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (1/ 219).

(7) سبق تخريجه.

(8) «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (2/ 157 ـ 158).

(9) أخرجه أحمد في «مسنده» (1842)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (5906)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث حسّنه العراقي في «تخريج الإحياء» (3/ 128)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (139).