أنت هنا:فتاوى شرعية»في حكم الوقف

في حكم الوقف

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 247 مرة

 

السُّؤال:

هل يجوز شراء عقارات ومحلاَّت أصلها وَقْفٌ، عُرضت للبيع من الجهات المسؤولة عن طريق المزايدة أو غيرها؟

  • الجواب:

الأصلُ أنَّ الوقف الصَّحيحَ اللاَّزمَ الَّذي يحصل به مقصود الوقف من الانتفاع لا يجوز بيعه ويمتنع شراؤه(1)، ولا يُشرع التَّصرُّف فيه بأيِّ شيءٍ يزيل وقفيتَه، لِمَا صحَّ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «أصابَ عمرُ أرضًا بخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبيَّ يَسْتَأمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يا رسولَ اللهِ! إنِّي أصَبْتُ أرضًا بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالاً قَطُّ هو أنْفَسُ عندي منهُ، فما تأمرُني بهِ؟ قال: إن شئتَ حَبَسْتَ أصلَها وتَصَدَّقتَ بها، قال: فَتصدَّقَ بها عمرُ: أنَّهُ لا يُباعُ أصلها، ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهَبُ، قال: فتصدَّقَ عمر في الفُقراءِ وفي القُرْبى وفي الرِّقابِ وفي سبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ والضَّيفِ، لا جُناحَ على مَن وَلِيَها أن يأكُلَ منها بالمعروف، أو يُطْعِمَ صَدِيقًا غيرَ مُتموِّلٍ فيه»، متَّفق عليه، واللَّفظ لمسلم(2).

وفي رواية البخاري: «تَصَدَّقْ بأَصْلِهِ: لاَ يُبَاعُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ، فتَصَدَّقَ بِهِ»(3).

فإن تعطَّلت منافع الوقف بالكليَّة، ولم يمكن الانتفاع به ولا تعميره وإصلاحه كدارٍ انهدمت، أو محلِّ بيع قَلَّ العائدُ منه، أو أرضٍ خربت وعادت مواتًا ولم يمكن عمارتها، أو مسجدٍ انتقل أهل القرية عنه أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه، فيجوز ـ عند تعطل منافعه ـ أن يُباع الوقف للحاجة، ويُشْترى ما يقوم مقامه، وهو مذهب أحمد، ورواية عن مالك، واختاره ابن تيمية وابن القيِّم(4) ـ رحمهم الله ـ.

ذلك لأنَّ الوقف المحبوس إذا لم يحصل به المقصود قام بدلُه مقامَه، فالمسجد إذا تخرَّب يُباع ويُشترى بثمنه ما يقوم مقامه وهو مسجد آخر؛ لأنَّ الواقف غرضه في الجنس، والجنس واحد، فصرفه في جنس المقصود أولى، وهو أقرب الطُّرق إلى مقصود الواقف.

ويدلُّ على ذلك ما روي أنَّ عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد رضي الله عنه لما بلغه أنَّه قد نُقِبَ بيت المال الَّذي بالكوفة: «أن انقل المسجد الَّذي بالتَّمَّارين، واجعل بيت المال ممَّا يلي القبلة؛ فإنَّه لا يزال في المسجد من يصلِّي»(5)، وكان هذا بمشهد من الصَّحابة رضي الله عنهم ولم يظهر خلافه فكان إجماعًا(6).

هذا؛ وإذا تقرَّر جواز بيع الوقف عند تعطُّل منافعه فلا يجوز للنَّاظر على الوقف الاستقلال بمفرده بتحقيق مناط تعطُّل منافع الوقف، خشية أن يكون تحقيقه للمناط قاصرًا، لذلك يجب رفع الأمر إلى جهة مسؤولة ـ فعلاً ـ أو إلى قاضي البلد ليشكِّل من أهل الخبرة جماعةً لدراسة وضع الوقف، ثمَّ يُباع ويُصرف ثمنه في غيره ممَّا يكون وقفًا أولويًّا من جنسه، وذلك إذا كان تقرير الخبرة يقضي بتعطُّل منافعه، والعلمُ عند اللهِ تعالى.



(1) البيع كلمةٌ جامعة مشتركة بين البيع والابتياع، وهي من الأضداد. [انظر: «الأضداد» للأنباري (73، 199)].

(2) أخرجه البخاري (5/ 708)، ومسلم (2/ 770).

(3) أخرجه البخاري مُعلَّقًا (5/ 284).

(4) انظر: «الكافي» لابن عبد البرِّ (541)، «المغني» لابن قدامة (5/ 631)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (31/ 252)، «بدائع الفوائد» لابن القيم (3/ 128).

(5) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (9/ 192)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(6) «المغني» لابن قدامة (5/ 633).