أنت هنا:فتاوى شرعية»في حكم إسقاط الزَّانية حملها قبل نفخ الرُّوح فيه

في حكم إسقاط الزَّانية حملها قبل نفخ الرُّوح فيه

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 88 مرة

 

السُّؤال:

امرأةٌ حاملٌ من الزِّنا تسأل:

هل يجوز لها إسقاط حملها قبل نفخ الرُّوح فيه؟

الجواب:

ينبغي التَّفريقُ بين الإجهاض في حدِّ ذاته وبين الإجهاض لوجود مُسوِّغٍ شرعيٍّ.

فأمَّا الإجهاض في ذاته إذا خلا من أيِّ عُذرٍ شرعيٍّ مقبولٍ؛ فهو عملٌ غيرُ مشروعٍ في جميع أطوار الجنين ومراحله؛ لأنَّه جنايةٌ على موجود حاصل، سواء كان الحمل من نكاحٍ أو من سِفَاحٍ.

علمًا أنَّ التَّحريم تزداد شِدَّتُهُ إذا بلغ الجنينُ الطَّورَ الثَّالثَ ونُفِخَ فيه الرُّوحُ، فالعلماء يُجمعون على تحريم الإجهاض بعد مائةٍ وعشرين يومًا مِن بدءِ الحمل قولاً واحدًا، ويُعَدُّ إسقاطه ـ في هذه المرحلة ـ جريمةً موجِبةً للدِّية على تفصيلٍ في مقدارها مع وجوب الكفَّارة على الصَّحيح من اجتهاد الفقهاء، وتتمثَّل في صيام شهرين متتابعين بالنَّظر إلى عدم وجود رقبةٍ مؤمنةٍ يعتقها؛ ذلك لأنَّ الإجهاض في هذه الفترة يدخل في عموم النُّصوص القرآنيَّة والحديثيَّة وإجماعِ المسلمين في تحريم إزهاق نفسٍ حرَّم اللهُ قتلها بغير حقٍّ، وعرَّض من فعل ذلك نفسَه لسخط الله، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا[الإسراء:33]، وقال أيضًا: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا[النساء:93]، وفي حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ»(1)، وعن أنس ابن مالكٍ رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «أَكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ باللهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، أَوْ قَالَ: وَشَهَادَةُ الزُّورِ»(2)، وقد أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير وجه حقٍّ(3).

أمَّا الطَّوران الأوَّلان ـ وإن كان إثمُ جِنايةِ الإسقاطِ بينهما يختلف غِلظةً بحسَب المرحلة الَّتي بلغ إليها الجنين إلاَّ أنَّهما دون الطَّور الثَّالث في شِدَّة الذَّنب والإثم ـ فيُعدُّ الإجهاض فيهما عملاً محرَّمًا، وإذا كان الجنين مُضغةً مخلَّقةً كان ذلك بمثابة الموءودة، والوأدُ جنايةٌ على موجودٍ حاصلٍ يصيرُ مآلاً وبالقوَّة إنسانًا؛ إذ «كُلُّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يَأْخُذُ حُكْمَهُ».

وضمن هذه الرُّؤية الفقهيَّة المقاصديَّة يقول ابن الجوزي رحمه الله: «لَمَّا كان موضوع النِّكاح لطلب الولد، وليس من كُلِّ الماء يكون الولد، فإذا تكوَّن؛ فقد حصل المقصود، فَتعمُّد إسقاطه مخالفة لمراد الحكمة، إلاَّ أنَّه إن كان ذلك في أَوَّلِ الحمل فقبل نفخ الرُّوح فيه إثمٌ كبيرٌ؛ لأنَّه مُتَرَقٍّ إلى الكمال وسارٍ إلى التَّمام إلاَّ أنَّه أقلُّ إثمًا من الَّذي نُفِخَ فيه الرُّوح، فإذا تعمَّدت إسقاط ما فيه الرُّوح كان كقتل مؤمن، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَت * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت[التكوير:8-9]»(4).

وقال ابن جُزَي رحمه الله: «وإذا قَبَضَ الرَّحِمُ المَنِيَّ لم يجزِ التَّعرُّض له، وأشدُّ من ذلك إذا تخلَّق، وأشدُّ من ذلك إذا نفخ فيه الرُّوح؛ فإنَّه قتل نفسٍ إجماعًا»(5).

هذا؛ وتختلف المسوِّغات الشَّرعيَّة لإسقاط الحمل باختلاف أطوار نموِّ الجنين ومراحل تطوُّره.

فإن كان الحمل في مدَّة الأربعين؛ فإنَّ العذر في إسقاطه يتمحور على دفع ضررٍ حسيٍّ أو نفسيٍّ متحقّق الوقوع أو متوقّع غير متوهَّم أو ظنِّيٍّ غالب يلحق أُمَّه بالدَّرجة الأولى.

ومن الأعذار المبيحة لإسقاط الجنين قبل نفخ الرُّوح: العلاج للمرض، أو ضعف بدن المرأة أو عجزها عن تحمُّل الوضع، أو وجود مصلحة شرعيَّة كالسَّفر الطَّويل الشَّاقِّ أو في حالٍ غيرِ آمنةٍ أو كون الولادة تسبِّب إرهاقًا أو تزيد في المرض، وبعبارة أخرى مقتضبة: إن كان الجنين يشكِّل خطرًا على النَّفس وضررًا بالبدن.

وليس من الأعذار في إسقاطه خشية إعالة الولد أو الخوف من تربيته والقيام على رعايته صحيًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا ودينيًّا؛ لعدم وجود الكفاية الماليَّة للنُّهوض بتكاليف معيشتهم وتعليمهم، فهذا من المنطق الجاهليِّ الَّذي وُعظوا به بمثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ[الأنعام:151].

ولحوق العار بالزَّانية الحامل ليس عُذرًا بمفرده في إسقاط الجنين إذا لم تقترن به مصلحة شرعيَّة أو دفع ضرر؛ لأنَّه يباح لمرتكب الزِّنا أن يستر على نفسه كما يباح له أن يراجع القاضي الشَّرعيَّ ويعترف بالزِّنا، وهو محلُّ إجماعٍ مع اختلاف العلماء في الأفضليَّة منهما.

بخلاف المرأة الحامل من نكاح أو سفاح؛ فلا يجوز لها أن تَكْتُمَ حملها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ[البقرة:228]، والآية وإن وردت في شأن الحامل من الزَّوجات المطلَّقات إلاَّ أنَّ «العِبْرَةَ بعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ بخُصُوصِ السَّبَبِ»؛ ذلك لأنَّ أمر الحمل لا يعلم إلاَّ من جهتهنَّ، فردَّ الأمر إليهنَّ وتوعَّدهنَّ فيه لئلاَّ يخبرن بغير الحقِّ، ويؤيِّده حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «فجَاءَتْ الغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَإِنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ تَرُدُّنِي لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا، فَوَاللهِ إِنِّي لَحُبْلَى، قَالَ: «إِمَّا لاَ فَاذْهَبي حَتَّى تَلِدِي، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بالصَّبِيِّ في خِرْقَةٍ، قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَالَ: اذْهَبي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بالصَّبِيِّ في يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبيَّ اللهِ! قَدْ فَطَمْتُهُ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبيَّ إِلى رَجُلٍ مِنْ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبلُ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ بحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبيُّ اللهِ سَبَّهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: مَهْلاً يَا خَالِدُ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ»(6).

والحديث يحتمل أن يكون حملها ـ حال اعترافها ـ في بداية تكوين الجنين أو في نهايته، وحمله على الطَّور الثَّالث، وإن كان يحرم إسقاطه بالإجماع ـ فيما تقدَّم ـ إلاَّ أنَّه يحتاج في تعيينه إلى دليل مبيِّن، فضلاً عن أنَّ حياةَ الجنين أولى مصلحةً، وإسقاطه أشدُّ مفسدةً من لحوق العار بالزَّانية.

ولا يجوز إجهاض الجنين ـ أيضًا ـ إذا كان عَلَقَةً أو مُضْغَةً للأسباب السَّابقة إلاَّ إذا تقرَّر طِبًّا من هيئة مختصَّةٍ موثوقٍ فيها بأنَّ نموَّ الجنين ينعكس سلبًا على صِحَّة أُمِّه وسلامتها، بحيث يفضي إلى اضطراب بعض أجهزتها الجسميَّة أو يخشى فتق موضعِ عمليَّاتٍ جراحيَّةٍ أُجريت لأُمِّه سابقًا، ونحو ذلك من الأخطار الَّتي تسوِّغ إسقاطَ الجنين بعد استنفاد كافَّة السُّبل الوقائيَّة لتفادي هذه الأخطار.

هذا؛ ولو أجهضت المرأة ما في بطنها في الطَّور الأوَّل والثَّاني من مراحل تكوين الجنين من غير مسوِّغ شرعيٍّ يخوِّل لها إسقاطه؛ فإنَّ إثم الفاعلِ والمعينِ يثبت من غير ترتُّب لأحكام المسؤوليَّة الجنائيَّة من جهة وجوب الدِّيَّة والكفَّارة؛ ذلك لأنَّ النُّطفة والعَلَقَة لا يطلق عليهما مُسمَّى الجنين ولا تأخذان حكمه، لذلك لا تترتَّب عليهما آثار المسؤوليَّة الجنائيَّة.

أمَّا المضغة المُخَلَّقة الَّتي صوَّرها الله بصورةِ الآدميِّ، وظهر فيها الرَّأس واليدان والرِّجلان، أو بعضها؛ فهي بهذا الاعتبار تسمَّى جنينًا على الأصحِّ سواء ظهرت الصُّورة عيانًا أو كانت الصُّورة خفيَّةً تعرفها القوابل ويشهدن بوجودها، وهو مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة(7)، أمَّا مذهب الحنفية فلا يعطون المضغة حكمَ الجنين إلاَّ إذا تبيَّن شيء من خلقه(8)، وعلى العكس من الرَّأيين السَّابقين فإنَّ المالكيَّة يعتبرون العَلَقَة في حكم الجنين إذا كانت مهيَّأة للانتقال إلى طور المضغة، وتعرف بعدم ذوبان الدَّم المجتمع فيها إذا صبَّ عليها الماء الحارِّ، بخلاف ما يذوب؛ فلا يعطى حكم الجنين(9).

وإذا أعطيت المضغة المُخَلَّقة حكمَ الجنين دون ما تقدَّمها من مراحل الحمل على الصَّحيح؛ فإنَّ إسقاطها تترتَّب عليه أحكام المسؤوليَّة الجنائيَّة.

هذا؛ ومن بابٍ أولى وأوْكَد أنَّه لا يحلُّ إسقاطه بعد الطَّور الثَّالث عند تمام أربعة أشهر من الحمل ونفخ الرُّوح فيه إلاَّ إذا كان بقاء الجنين ونموُّه في بطن أُمِّه يُؤدِّي حتمًا إلى موتها بتقرير هيئةٍ طبيَّةٍ موثوقٍ بها؛ فإنَّه ـ والحال هذه ـ يرخَّص في إسقاطه محافظةً على أصل الجنين ـ وهي أُمُّه ـ؛ لأنَّها سببٌ في وجوده، فلا يكون سببًا في موتها، وهو عذرٌ شرعيٌّ مقبولٌ عملاً بأهون الضَّررين وأخفِّ المفسدتين، وجلبًا لأعظم المصلحتين.



(1) أخرجه البخاري (6878)، ومسلم (1676)، وأبو داود (4/ 340)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(2) أخرجه البخاري (3/ 414)، ومسلم (88)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(3) «المغني» لابن قدامة (7/ 635).

(4) «أحكام النِّساء» لابن الجوزي (108 ـ 109).

(5) «القوانين الفقهيَّة» لابن جزي (207).

(6) أخرجه مسلم (1695)، وأحمد (5/ 348)، من حديث بريدة رضي الله عنه.

(7) انظر: «مغني المحتاج» للشّربيني (4/ 103 ـ 104)، «المغني» لابن قدامة (7/ 802).

(8) «رَدُّ المحتار» لابن عابدين (6/ 590).

(9) «الشَّرح الكبير» للدَّردير، معه «حاشية الدُّسوقي» (4/ 268).