أنت هنا:فتاوى شرعية»في المراد من إطلاق الأميَّة في الحديث

في المراد من إطلاق الأميَّة في الحديث

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 177 مرة

 

* السُّؤال:

ما المرادُ بوصف النبيِّ هذه الأمَّة بالأُمِّـيَّة في قوله : «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا»، يعني: مرَّة تسعة وعشرين، ومرَّة ثلاثين(1)، فهل يُستفاد منه نفي الكتابة والحساب؟

* الجواب:

المراد بالأُمَّة أكثر العرب، وأطلق عليهم وصف «الأُمِّيَّة» بالاعتبار الغالب؛ لأنَّ الكتابة فيهم كانت قليلةً ونادرةً وعزيزةً، وكذلك حساب النُّجوم وتسييرها، فلم يكونوا يعرفون الكتابة والحساب إلاَّ النَّزْر  اليسير، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ[الجمعة:2]، وإضافة صفة «الأمِّيَّة» للعرب في الحديث إنَّما هي صفة كاشفة للواقع لا مفهوم لها، وليست علَّة لحكم؛ ذلك لأنَّ غير أُمَّة الإسلام من الأُمم الأخرى كانت تضبط مواقيتَها بالكتاب والحساب، حيث يسطِّرون الجداول ويضعون حروف الجُمَل ويحسُبون مسير الشَّمس والقمر، حتَّى يتبيَّن لهم وقت استسرار القمر ووقت الإبدار، وغير ذلك من الأمور.

فالنَّبيُّ ﷺ بيَّن أنَّ أُمَّته لا تكتب هذا الكتاب ولا تحسب هذا الحساب، فعاد كلامه ﷺ إلى نفي الكتاب والحساب فيما يتعلَّق بأيَّام الشَّهر الَّذي يُستدلُّ به على استسرار الهلال وطلوعه، فعلَّق الحكمَ بالصَّوم والإفطارِ بالرُّؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التَّسيير، فَوَصْفُهُ لها «بالأُمِّيَّة» صفةُ مدحٍ وكمالٍ من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الرُّؤية للهلال، وهذا بلا ريبٍ اليقينُ الَّذي لا يدخله الغَلَط بخلاف النَّتائج الفَلَكيَّة، فضلاً أنَّ تعليقَ حكم الصَّوم بالرُّؤية البصريَّة يستوي في معرفتها أهلُ الحساب وغيرُهم(2).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.



(1) أخرجه البخاري (1814)، ومسلم (2511)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(2) للمزيد من الاطِّلاع راجع: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (25 /174 ـ 176)، «فقه النَّوازل» لبكر أبو زيد (147 ـ 178).