أنت هنا:الكلمة الشهرية»قيمة كل امرئ ما يطلب

قيمة كل امرئ ما يطلب

  • شوال 1435 - أغسطس 2014
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 3585 مرة

 

إنَّ من أطايب القول المستفاد من كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله قوله: «والعامَّة تقولُ: قيمَةُ كُلِّ امرئٍ ما يُحسِنُه؛ والعَارفُون يقُولون: قيمَةُ كلِّ امرئٍ ما يطلُب» أي أنَّ قيمةَ الإنسان همَّتُه ومطلَبُه.

فمَن كان طالبًا معالي الأمور عظم قدرُه وعلا شأنُه؛ ومَن كانَ طالبًا سفَاسفَ الأمور وخسيسِها نزلَت مرتبتُه وتضعضَع أمرُه؛ والمحمودُ منَ النَّاس مَن كانَ عاليَ الهمَّة، شامخَ النَّفس، لا يرضى بالأماني عن الحقَائق، وهو ذاكَ الرَّجل الَّذي غلَّب على نفسِه داعي العَقل والرُّشد ولم يستَسلم لدَاعي الحسِّ والطَّبع؛ فلا تغلبه شهوةٌ ولا تجرفه شبهةٌ، ولا يصرفه عن طلب رضا الله تعالى صارف، ولا يثني عزمه عن طلب الجنَّة عائق، جعل همَّه اللهَ والدَّارَ الآخرة، ولم يعد لروحه أمنيَّةٌ تتطلَّع إليها غير هذه الغاية النَّبيلة، وهذه همَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم الَّذي أبت عليه إلا أن يختار أن يكون عبدا رسولا على أن يكون ملكًا نبيًّا؛ ومن هذا الطِّراز كان الصَّحابة رضي الله عنهم ، ومنهم ربيعَةُ بنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ رضي الله عنه لمَّا قال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: سَلْني، فقال: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ؛ قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ؛ قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ» [مسلم (489)]، فلم يسأل شيئًا من حُطام الدُّنيا.

وأمَّا أصحاب الهمم السَّاقطة فلا همَّ لأحدهم إلا تحقيق شهوة آنيَّة أو نزوة حاليَّة أو لذَّة فانية؛ وقد تعجَّب الإمام ابن القيِّم رحمه الله من هذا التَّباين وقال في [«مدارج السَّالكين» (3/147)]: «ولله الهمَم! ما أعجبَ شأنَها، وأشدَّ تفاوتَها؛ فهمَّةٌ متَعلِّقةٌ بمَن فوقَ العَرش؛ وهمَّةٌ حائمَةٌ حولَ الأنتَان والحُش».

وإنِّي أهيب بكلِّ عاقل وبخاصَّة إن كان منَ المنتسبين إلى العلم الشَّرعي إلى أن يسمو بهمَّته، ويحلِّق بها عاليًا، فلا يطلب ولا يقصد بأقواله وأفعاله غير الخالق سُبحانه؛ وأن يبذل جهده في الدَّعوة والنُّصح لإيصَال الخلق إليه سبحانه؛ فإنَّها همَّةُ صفوة الخلق أنبياءِ الله ورُسله عليهم السَّلام وأتباعهم.

وبمثل هذه الهمم العالية تتحقَّق المكاسب الدَّعوية المرجوَّة، ويكونُ لدعوتنا الأثر البالغ في النُّفوس، لأنَّنا ندعو إلى التَّمسُّك بالوحي المنزَّل؛ وهذا الوحي ـ كما قال البشير الإبراهيمي رحمه الله ـ: «لا يؤتي آثاره في إصلاح النُّفوس إلاَّ إذا تولَّته بالفَهم عقولٌ كعُقول السَّلف، وتولَّته بالتَّطبيق العَملي نفوسٌ ساميةٌ، وهِممٌ بعيدةٌ، كنفُوسهم وهِمَمِهم» [«الآثار» (2/249)].