أنت هنا:الكلمة الشهرية»الفتنة في اتباع المتشابه

الفتنة في اتباع المتشابه

  • ذو القعدة 1435 - سبتمبر 2014
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 2875 مرة

 

منَ الأصُول العَظيمة الَّتي لا يُتَوصَّل إلى الهداية إلاَّ عَن طريقِها، هو اتِّباع المحكَم الواضِح من الدِّين، وردِّ المتشابه إليه؛ قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَاب[آل عمران:7].

إلاَّ أنَّ كثيرًا ممَّن قلَّ علمُهم بالوحي يغفلون عن هذا الأصل الكبير، ويعمدون إلى تقديم المتَشابه وردِّ المحكم إليه، بل عدم الالتفات إلى المُحكَمات أصلا؛ ومثال ذلك النُّصوص الصَّريحة في أنَّ الظُّلم الواقع على العبد سببُه ظلمه لنفسه، قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون[البقرة:57]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون[العنكبوت:40]، وقال: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون[يونس:44]، فكلُّ هذه الآيات وغيرها تؤكِّد أنَّ معاصي العبد وذنوبه هي السبب فيما يقع عليه من عقوبات في الدُّنيا والآخرة، لهذا كان من البدهي أنَّ من أراد أن يُرفع عنه الظُّلم أن يرجع أوَّلا على نفسه باللاَّئمة، وبهذا يكون قد لزمَ المحكمَ منَ القرآن الكريم واتَّبعه؛ وأمَّا أن يسعى إلى دفع هذا الظُّلم ودرئه بوسائل وطرائق هي نفسُها تحمل ظلمًا واعتداءً، ويُعرض بالكلِّيَّة عمَّا هو مقرَّرٌ في مُحكم التَّنزيل، ويرجو بعدَها رفْعَ الظُّلم عنه وهُو مِن أظلم النَّاس وأشدِّهم بغيًا؛ فهذا هو الجهل بعينه.

إنَّ الحال السَّائد لدى كثير من أفراد الأمة هو الشُّعور بالظُّلم وسَلْب الحقوق، وأنَّ الثَّروةَ توزَّعُ بلا عَدل ولا سويَّة وهو ما سهل لأتباع المتشابه منَ الدِّين أن يروِّجوا عليهم المتَشابهات، وأن يصرفوهم عن المحكمات؛ فأقنعوهُم أنَّ أمثلَ وسيلة لاسترداد ما أُخذ إنَّما هو بالخروج إلى الشَّوارع في مظاهرات ومسيرات واعتصامات؛ وزعموا أنَّها من الوسائل المشروعة، باعتبارها من العادات أو النَّوازل الَّتي لم يرد فيها شيءٌ يمنع منها؛ وكأنَّ شريعتَنا الغرَّاء قَد خَلَت من الحلِّ لمثل هذه القضيَّة، وكأنَّ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم المشفِق على أمَّته النَّاصح الأمين قَد أغفل مثل هذا الباب؛ والحقُّ الَّذي لا ريب فيه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَد أخبر أنَّه سيُبتلى النَّاس بعدَه بأمراء ظالمين، وسلاطين جائرين، فلم يذكُر طريقة لعلاج هذا الواقع المرِّ والمؤلم سوى الصَّبر واللَّجأ إلى الله تعالى؛ ففي البخاري (2603)، ومسلم (1843) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ» وفي هذا الحديث فائدتان عظيمتَان: أولاهما: أنَّه من دلائل نبوَّته صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ الأمر وقَع كمَا أخبَر؛ والثَّانية: أنَّ «فيه الحثَّ على السَّمع والطَّاعة ـ وإن كانَ المتولِّي ظالما عَسُوفًا ـ، فيُعطى حقَّه منَ الطَّاعة، ولا يُخرَجُ عليه، ولا يُخْلَع، بل يُتَضرَّعُ إلى الله تعالى في كشفِ أذاه، ودفع شرِّه وإصلاحِه» قاله النَّووي في «شرحه على مسلم» (12/232).          

أينَ هذا الحلُّ الشَّرعيُّ المتين، مِن الحلِّ الوافد الَّذي أنتجته أذهانٌ بشريَّةٌ أرضيَّةٌ؛ فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذكَر الدَّاء، ووَصَف الدواء، ولو كان لهذا الدَّاء علاجٌ غيره لذكره وما أغفلَه، لما نعلمُه مِن صدق نصحِه لأمَّته ـ بأبي هو وأمِّي ـ صلى الله عليه وسلم.

وفي موطن آخر نصح أمَّتَه ـ مِن بعده عند تسلُّط الحكَّام الظَّلمة، واستبدادهم واختصاصهم بالأموال والخيرات ـ بالصَّبر؛ ولم يجعل لهذا الصَّبر حدًّا وغاية سوى لقائه عند حوضه، ففي البخاري (7057)، ومسلم (1845) عَنْ أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَلا برَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَلا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلانًا؟ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً؛ فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ».

وإنَّ العجبَ لا ينقضي ممَّن ينتسبُ إلى الدَّعوة أو ما يسمَّى بالحركات والأحزاب الإسلاميَّة وتعشو عينُه عن مثل هذه النُّصوص الصريحات المحكماتِ ويتشبَّث بالمتشابهاتِ، فيَدع الوحيَ المنزَّلَ المعصومَ، ويلهث وراءَ سراب آلة إعلاميَّة تخدع بالصُّور، وتزيِّف الخبر بما يثير الفتنةَ والشَّرَّ؛ فتُوجِّه رأيَه، وتشكِّل تصوُّرَه، وتُحدِّد موقفَه فيظن نفسه أنَّه على شيءٍ؛ وليس هو على شيءٍ، وسيجد نفسَه بعد زمن يسير أنه كان صريعَ مؤامرة حُبكت بإحكام، وضحيَّةَ أطروحات صُنعت خارج الدِّيار، لا تريد للأمَّة المحمَّدية غير الفوضَى والشَّغب، وأن تعيش في الحيف والسَّغَب، فيتحوَّل هذا المتظاهر المسكين إلى أداة هدم وتخريب يتحرَّك أو يُحرَّكُ وفقَ أجندة تلكَ الأطروحات بشعور منه أو مِن غير شعور؛ وليُعلم أنَّ مَن لم يُسلِّم أمرََه للوحي تسلَّمه الشَّيطان والهوى.  

فالمسلم العَاقل يبذُل وُسْعَه في أن تكون تصرُّفاتُه كلُّها تحتَ نظام الشَّرع وسُلطانه، وقَد وضح لكلِّ ذي عينين أنَّ المحكَم منَ الشَّرع قَد نصَّ في التَّعامُل مع الحاكم المسلم ولو كان ظالمًا جائرًا بنصوص فيها ضوابط وأحكام لا يصلُح أمر اجتماع النَّاس إلاَّ بها، ولا يحفظُ أمنُهم ويلتئمُ اجتماعُهم إلاَّ بلزومِها؛ ولا يغرَّنَّك صيحاتُ المفتونين بالثَّورات الدَّاعية إلى مثل هذه الوسائل البدعيَّة وزعمهم أنَّها قَد آتت ثمارَها في أماكن عديدة من العالَم، وإن تعثَّرت في أماكن أُخرى؛ فيقال جوابًا عنهم: وهل يليق أن نُغامر بالأمَّة ونَحملها على وسيلة لا ندري أين تحطُّ بها؛ وندع الوحيَ المقطوعَ بسلامة آثاره وحلاوة ثماره؟ وقد أطبق علماؤنا الموثوقون كابن باز والألباني وابن عثيمين ـ رحمهم الله ـ وغيرهم على منع المظاهرات والتَّحذير منها، وأنَّها من أسباب الشُّرور والفتن.

فيجب أن تكونَ ثقتُنا في نبيِّنا صلى الله عليه وسلم مقدَّمةً على كلِّ ثقة حتَّى فيمَا نشاهدُه ونراه؛ فلا يهزُّها واقعٌ، ولا يزعزعُها طارئ، ونوقنُ أنَّ المصلحةَ في التَّسليم والمتابعَة، وأنَّ المفسدة والفتنَةَ في المشاقَّة والمخالفَة.

كما لا يمكن أن يتغنَّى متهوِّرٌ مفرِّطٌ بأنَّ الشَّجاعة هي في الخروج في هذه المظاهرات للمطالبة بالحقوق ومجابهة قوات حفظ الأمن، بل الشَّجاعة في المصابرة والوقوف في وجه الجَماهير لنَصر السُّنَّة المحكمَة ومقارعَة البدعة المشتبهة؛ وعكس ذلك كله هو الفتنة.