أنت هنا:الكلمة الشهرية»الحج معالم ومواقف

الحج معالم ومواقف

  • ذي الحجة 1435 - سبتمبر 2014
  • حسن بوقليل
تم قراءة المقال 3579 مرة

 

تتوالى على المسلمين من الله عز وجل النَّفحات، وتتعاقب عليهم مواسم تدرُّ الخـيرات، وقلوبهم تهفو للبيت المعمور، حيث يتوجَّهون إليه كلَّ يومٍ في صلاتهم لقوله عز وجل: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ[البقرة:144]، وأنظارهم تتطلَّع للبقعة المباركة.

نفعه متعَدٍّ للحاضر والباد، ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ[الحج:28].

الأرزاق إليه دارَّة، ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا[القصص:57].

قد فرض الله عز وجل الحجَّ إلى بيته العتيق، وأداء المناسك على سنَّة نبينا صلى الله عليه وسلم، «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» [مسلم (1297) وغيره].

قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين[آل عمران:97]، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «هذه آية وجوب الحج عند الجمهور».

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ» [البخاري (8)، ومسلم (16)].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» [مسلم (1337)]، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد أجمع المسلمون في الجملة على أنَّ الحجَّ فرضٌ لازمٌ» [«شرح العمدة» (2/87)].

إنَّ للحجِّ منزلةً عليَّةً؛ فهو:

* أحد دعائم الإسلام:

فمن وسَّع الله عليه فلا يبخل على نفسِه، وليعجِّل بحجِّه، فعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَعَجَّلُوا إِلَى الحَجِّ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» [أحمد (2867)، وحسنه الألباني رحمه الله في «الإرواء» (990)].

ومن جحَد وجوب الحج كفر بالله تعالى، قال الله عز وجل: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين[آل عمران:97].

* الحج سهم من سهام الإسلام:

فمن تركه خاب، عن حذيفة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ: الإِسْلَامُ سَهْمٌ، وَالصَّلَاةُ سَهْمٌ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ، وَالصَّوْمُ سَهْمٌ، وَحَجُّ البَيْتِ سَهْمٌ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ سَهْمٌ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ سَهْمٌ، وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ سَهْمٌ، وَقَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ» [البزار (2927ـ كشف الأستار)، وحسنه الألباني رحمه الله في «صحيح الترغيب» (741)]، ومن وسَّع الله عليه ولم يحُجَّ فهو محرومٌ؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللهُ: إِنَّ عَبْدًا أصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي المَعِيشَةِ، يَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ وَلَا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ» [ابن حبان (960 ـ موارد)، والبيهقي في «الشعب» (3838)، وصححه الألباني رحمه الله في «الصحيحة» (1662)].

وقد أوجب الله عز وجل الحجَّ مرَّةً في العمر رحمةً بالمسلمين وشفقةً، عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: خطبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ»، فقام الأقرع بن حابس رضي الله عنه فقال: أفي كلِّ عامٍ يا رسول الله؟» قال: «لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا، وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، الحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ» [النسائي (2620)، وأحمد (2304)، وصححه الألباني رحمه الله في «الإرواء» (149)].

* الحجَّ محَطُّ الآثام:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [البخاري (1521)]، وعنه رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْـرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» [البخاري (1773)، ومسلم (1349)].

* الحجُّ من أفضل الأعمال:

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله» نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لَا؛ وَلَكِنْ أَفْضَلُ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» [البخاري (1520)].

* الحجَّاج وفد الله عز  وجل:

فعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحُجَّاجُ وَالعُمَّارُ وَفْدُ اللهِ، دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ» [البزار (1153)، وحسنه الألباني رحمه الله في «الصحيحة» (1820)].

ثم ليعلم الحاجُّ أنَّ في الحجِّ معالم ينبغي الوقوف عندها؛ منها ما يذكر بتوحيد الله عز وجل، ومنها ما يذكر بالآخرة، ومنها ما يزهِّد في الدُّنيا الفانية؛ ومن ذلك:

* السَّفر إلى بيت الله الحرام:

فالحاجُّ وهو يعِدُّ متاع سفره إلى الحجِّ يتذكَّر سفره إلى الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟ إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» [أحمد (2744)، وصححه الألباني رحمه الله في «الصحيحة» (439)].

وقد أشار الله عز وجل إلى هذا المَعلَم؛ حيث قال: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى[البقرة:197].

* معاناة المشاقِّ والمتاعِب:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ عَذَابٍ؛ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [البخاري (3001)، ومسلم (1927)]، ومما يتسلى به المسلم عمومًا، والحاجُّ خصوصًا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ» [البخاري (6478)، ومسلم (2822)].

* تجرُّد الحاجِّ من المخيط:

فهذا يدعوه للتَّجرُّد من ذنوبه ومعاصيه، وتنقية قلبه كما حرص على نقاء ثوبه؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ النَّاس أفضل؟ قال: «كُلُّ قَلْبٍ مَخْمُومٍ، صَدُوقِ اللِّسَانِ». قالوا: صدوق اللِّسان نعرفه؛ فما مخموم القلب؟» قال: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» [ابن ماجه (4216)، وصححه الألباني رحمه الله في «الصحيحة» (948)].

* التَّوجُّه إلى بيت الله الحرام:

فالمسلم يقصد بيت الله عز وجل للعبادة، ولا يقصد القبور والأضرحة، ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُون[المؤمنون:117]، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا[الجن:18]، وقال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ النَّبَوِي، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى» [البخاري (1189)، ومسلم (1397)].

* الجهر بدعوة التوحيد:

فالحاجُّ يعظِّم التَّوحيد، ويفتخر به، ويجهر به، قال جابر رضي الله عنه وهو يصِف حجَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» [مسلم (1218)]، وفي هذا إفراد الله عز وجل بتوحيده، وعبادته.

* الحرم الآمن:

يستحضر الحاجُّ وهو في هذا البيت الآمن قوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا[آل عمران:97]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون[الأنعام:82].

* تقبيل الحجر الأسود:

إنَّ تقبيل الحاجِّ للحجر الأسود وهو يعتقد عدم نفعه ولا ضرِّه لَأَعظم دليلٍ على توحيد الله عز وجل، والاقتداء بالسُّنة، وقد قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: «إنِّي أعلَم أنَّك حجَرٌ لا تنفع ولا تضُرُّ، ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلُك ما قبَّلتُك» [البخاري (1597)، ومسلم (1270)].

* الوقوف في عرفات:

إنَّ وقوف الحاجِّ في عرفة في سوادٍ عظيمٍ ليُذكِّره بالوقوف بين يدي الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ[الأنبياء:104]» [مسلم (2860)].

* ذبح الهدي والأضاحي:

من أعظم القرب إلى الله تعالى وتوحيده الذَّبح له، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِين[الأنعام:162-163]، وقال الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ[الحج:37].

ثمَّ إنَّ في امتثال إبراهيم عليه السلام إمام الموحِّدين لربِّه عز وجل في ذبح ولده إسماعيل عليه السلام لَأعظم دليلٍ على الطَّاعة والتَّوحيد.

إنَّ الحجَّ مدرسةٌ عظيمةٌ نتعلَّم منها التَّوحيد والاتِّباع، وعدم الابتداع، وأنَّ هذا الدِّين قد كمُل، ولا يحتاج إلى زيادات، فجدير بمن وفقه الله عز وجل إلى الحج أن ينظر فيها.

والحمد لله رب العالمين.