أنت هنا:الكلمة الشهرية»قدوم رمضان

قدوم رمضان

  • رمضان 1434 - يوليو 2013
  • أ. د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 15932 مرة

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فإنَّ من النعم التي لا تُحصى تعاقب الليل والنهار والشهور والأيام، فتتوارد على قلب المؤمن العبادات والطاعات، فيزداد تقرُّبا إلى المولى الكريم العزيز الرحيم.

وفي هذه الأيام المباركات حلَّ علينا شهر البر والخيرات والصبر والمكرمات، والناس عند قدوم شهر الطاعات على أصناف، منهم من يكون حاله كما قال أبو نواس عامله الله بما يستحق:

 

ألا يا شهر كم تبقى مرضــنـا ومللناكا
إذا ما ذكرالحمــــد ومـا نطمع في ذاكا
فياليتك قدبِنْـــتَ ومـا نطمع في ذاكا
ولو أمـــكن أن يُقـ ـتل شهر لقتلناكا

 

فهُم أبعد الناس عن معرفة حِكم الصيام وما أراده الله تعالى من عباده منه، يتشاءم من قدومه، فينام نهاره ويسهر ليلَه، وكلُّه شوق أن تنتهي أيامُه وتنقضي، حتى يُطلق العنان لملذاته وشهواته.

روى البخاري في صحيحه (1903) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَن لم يدع قول الزور والعمل به والجهلَ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

وفي المسند (8856) والسنن عنه رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الجُوعُ وَالعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ».

وصِنفٌ من الناس يجعل هذا الشهر الكريم شهرَ الملذات والشهوات، يستيقظ على المحرمات وينام عليها، يُبرمج لنفسه أو يُبرمَج له ما يفعله ويراه مما حرمه الله من البرامج السيئة والقنوات الهابطة والمسلسلات الدنئية التي تحلق الدين والأخلاق والمروءات، من شروقه إلى غروبه، مرورا بنهاره وليله.

وصِنفٌ آخر وما أقلَّهم، أهل فقه ودراية، فقهوا عن الله حكمتَه، وعلموا أنَّ ربهم أراد منهم الأوبة والإنابة، فرِحوا بمقدم هذا الشهر بل دَعَوا قبل ذلك أن يبلغهم الله صيامه، ويعينَهم على قيامه، ليقفوا على الحكمة العليا من حِكمه وهي تقوى الله ونيل الزلفى لديه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾.

فحكمة الله هي تقواه ورضاه، ولا تحصل إلا بحب أمره والرضا به بل والفرح بذلك والاستبشار، وإخلاصِه لله تعالى من أن تشوبه شوائبُ الرياء أو بغضُ الطاعات والتكاسلُ عنها، فمَن حقَّق ذلك غفر الله ذنبه وأعلى درجته: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر الله ما تقدم من ذنبه» رواه البخاري (38) ومسلم (760).

إيمانا وتصديقا وحبا لفرائض الله وشرائعه، فهي خير للمسلم ولو كان فيها مشقةٌ في الظاهر، فالجزاء على قدر المشقة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «مَن صام يوما في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم حرَّ جهنم عن وجهه سبعين خريفا». وقال: «مَن صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خَندقا كما بين السماء والأرض». صحيح الترغيب والترهيب (990).

فالمؤمنُ يحتسب الأجرَ عند الله ولا يشتكي مِن حر الشمس ولا يتذمَّر، فالنعم عليه كثيرة، ويستشعر أنَّ الصومَ تعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن الأكل والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأنه فرض فرضه الله عليه، وليس عادة تعوَّد عليها الآباء وتبعهم الأبناء.

والله بحكمته نوَّع العبادات في التكليف؛ فجعل بعضها متعلقا بالبدن كالصلوات وبعضها بالمال كالزكاة وجمع بين هذا وذاك كالحج، كل ذلك ليختبر المكلَّف كيف يكون امتثاله لهذه الأنواع، فهل يمتثل ويقبل ما يوافق طبعَه، أو يمتثل ما به رضا الله عزّ وجل؟

وهذه التكاليف أيضا فيها ما هو بذل للمحبوبات كالأموال في الزكوات، وفيها ما هو كف عن المحبوبات كالكف عن الأكل والشرب وسائر الملذات في نهار رمضان، فربما يهون على المرء أن يُنفق آلاف الدنانير، ولا يصوم يوماً واحداً، فاختلاف هذه العبادات والطاعات تبين مدى امتثال العبد لأوامر الله ونواهيه، فمَن امتثل كلَّ ما أمر الله به من العبادات فهو العبد المؤمن، ومَن ترك بعضها وامتثل بعضا فنقصانُ إيمانه بحسب امتثاله وقد يزول.

فصيام رمضان، فرَضه الله لرفعة الدرجاتِ، وتكفير السيِّئات، فلا بد من استشعار التَّعبُّد لله بالصِّيام، واحتساب الأجْرَ عند الله فيما يُصيبُ المؤمن من عطشٍ وجوعٍ وآلام، ولا يتثاقل هذا الشهر الكريم ويراه عبئًا يتمنَّى رحيلَه؛ وهذا مما يُنافي الصبر على الطاعات والصبر على ترك المحرمات، لذلك كان الصيامُ عنوانَ الصبر بكلِّ أنواعه، فناسب أن يكونَ الجزاءُ عظيمًا، لمن كان للصبر مقيما، فالصَّائم داخل في عموم قول ربِّنا تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلُ عملِ بن آدم يُضاعف: الحسنة عشرُ أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنَّه لي وأنا أجزي به، يدَع طعامه وشهوته من أجلي للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك الصوم جنة».

فإذا صام العبد المؤمن إخلاصا واحتسابا فقد فتحت عليه مدرسة التقوى، حاملة النفحات والهبات وأبواب الخيرات، كما عليه الصلاة والسلام بقوله: «إذا كان أولُ ليلة من شهر رمضان صُفِّدت الشياطين ومَردة الجن، وغُلِّقت أبواب النار فلم يُفتح منها بابٌ، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها بابٌ، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصِر، ولله عُتقاء من النار. وذلك كل ليلة»، نسأل الله أن يبارك لنا في أعمالنا وأقوالنا، ويعيننا والمسلمين على صيام رمضان وقيامه، والحمد لله رب العالمين.