أنت هنا:الكلمة الشهرية»النسب العلمي

النسب العلمي

  • جمادى الآخرة 1436 - مارس 2015
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 3902 مرة

 

 

إنَّ منَ الأسباب الَّتي بها تنهضُ الحركةُ العلميَّةُ وتتلاحقُ عبر الأجيال والحقب الزَّمنيَّةِ المتعاقبةِ، هو التَّواصل الموجود بينَ أهل العلم مِن عُلماء وطُلاَّبِ علم، فكانت الرِّحلةُ في الطَّلب دأبَهم وديدنَهم وطريقًا من طُرق التَّعارف والتَّواصل، وللإبقَاءِ على هذه السِّلسلة متَرابطة الحلقَات والعُرى لا يفصمُها فاصمٌ ولا يقطعُها قاطعٌ؛ شُرِعَت الرِّحلةُ في طلب العلم زَمَنَ الأنبياءِ والرُّسلِ.

فقد حكى القرآنُ الكريمُ رحلةَ كليمِ الله موسى عليه السلام إلى الخَضِر عليه السلام لملاقاتِه وأخذِ العلم عنه؛ كما أُثِرَ عن كثيرٍ من السَّلف رضي الله عنهم أخبارُ رَحلاتِهم في الطَّلب ولقاءِ المشايخ والأكابرِ بدءًا بالصَّحابة رضي الله عنهم؛ كخَبر جابر بن عبد الله رضي الله عنهما المشهور في رحلتِه مسيرةَ شهرٍ إلى الشَّام لسماع حديث واحدٍ بلغه عن أحدهم يرويه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وقد تتابعَ العلماءُ على المضي في هذه السُّنَّةِ الحميدةِ والسِّيرةِ الرَّشيدة، إلاَّ أنَّ علماءَ الحديث أخذوا بالنَّصيب الأوفرِ وحازوا قصبَ السَّبق في ميدان الرِّحلة في طلب الحديث، فكانَ شرفُ المحدِّث يزيد سموًّا كلَّما كانَت رحلتُه أَطْوَلَ وأسفارُهُ أَبْعَدَ، ولقاءاتُه بالمشايخ والأعلام أَكْثَرَ، حتَّى عُدَّ لبعضهم ثلاثةُ آلافِ شيخٍ كالحافظ ابن النَّجار البغدَادي، ودامَت رحلتُه سبعًا وعشرين سنةً، ومنهُم مَن أخذَت رحلتُه خمسًا وأربعين سنةً مِن عُمره كالإمام أبي عبدِ الله بن مندَه، يُفارقون فيها الأوطانَ، ويتركونَ الأهلَ والوِلدَان، مع ما يُلاقيه هؤلاء الرَّحَّالون في أسفَارهم مِن مشاقَّ ومتَاعب وشدَائد، بعضُها دوِّن وحفظته كتبُ التَّاريخ، وبعضُها مضَى دون ذكر ولا تَدوين، ولا يعود أحدُهم إلى موطنه حتَّى يقضي وطرَه، ويُشبع نهمَتَه، فيرجع وهو يحمِلُ علمًا وأدبًا جمًّا، وهذا لإدراكهم حقيقةً مهمَّةً وهي أنَّ مُلاقاةَ العُلماء هو السَّبيلُ الأمثل لأخذِ العلم؛ ولهذا قالوا: «إنَّ العلمَ كانَ في صُدور الرِّجال، ثمَّ انتقَل إلى الكُتب، وصارَت مفاتحُه بأيدي الرِّجال»(1).

وقَد عقَد ابنُ خلدُون في «تاريخه» بابًا ترجَم له بقَوله: «في أنَّ الرِّحلةَ في طَلب العُلوم ولقَاءِ المشيَخَة مزيدُ كمالٍ في التَّعلُّم»؛ ثمَّ قال: «والسَّبَب في ذلكَ أنَّ البشر يأخذُون معارفَهُم وأخلاقَهُم، وما ينتَحلون به منَ المذَاهب والفضَائل، تارةً علمًا وتعليمًا وإلقَاءً، وتارةً محاكاةً وتلقينًا بالمُباشَرة.

إلاَّ أنَّ حصولَ الملَكَات عن المباشَرة والتَّلقين أشَدُّ استحكَامًا وأقوَى رسُوخًا، فعَلى قَدْر كثرَةِ الشُّيوخ يكونُ حصولُ المَلَكات ورسُوخُها».

فمِن أَعْظَمِ فوائدِ الرِّحلة في الطَّلب هي حصولُ اللِّقاء المُباشر معَ العَالم واكتِحال العَين برُؤيته، فيُطالعُ الطَّالبُ في شيخِه النَّموذجَ الصَّادقَ الَّذي يُتَرجمُ العلمَ الَّذي يحويه صدرُه إلى أعمالٍ وأقوالٍ وآدابٍ وتصرُّفاتٍ، فيشاهد صورًا من العبادة والزُّهد والأخلاق، وأشكالا منَ الهَدي والسَّمت والدَّلِّ؛ تنطَبع في النَّفس، ويكون لها أعظمُ الأثر في مسيرة الطَّالب العلميَّة والعمليَّة، ذلكَ لأنَّ العلمَ النَّافع يدعو إلى العَمل الصَّالح، ولا يكونُ نافعًا إلاَّ إذَا ظهَرت آثارُه على صاحبه، فيجدُ الطَّالبُ ضالَّتَه الفكريَّةَ والعقليَّةَ والرُّوحيَّةَ والأدبيَّةَ بهذه المباشرَة، ويستَفيد تـنمية ملكتِه العلميَّة ورسوخَها كمَا أشار إلى ذلكَ ابنُ خلدون؛ ورَووا أنَّه «كانَ يجتَمعُ في مجلس أحمَد زُهَاء خمسة آلاف أو يزيدون نحو خمسمائة يكتُبون، والباقُون يتَعلَّمون منهُ حُسن الأدَب والسَّمت»(2).

وأمرٌ آخرُ وهو أن يصلَ الطَّالبُ نفسَه بسلسلة العلم المبارَكَة الَّتي تنتَهي به إلى مبلِّغ الوحي نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم، فتشعُر نفسُه بالانتماءِ إلى حظيرة العلم وأهلِه، فتزكو أخلاقُه، وتَحسُنُ آدابُه، ويجمُل هديُه؛ وهذا ما يُحرمُ منه المتَّصلُ بالعلم بحبلٍ غير متين؛ إمَّا عن طريق الكتاب وحدَه، أو عن طريق الوسائل الحديثة كالمواقع والمنتديات الإلكترونيَّة في الشَّبكة العنكبوتيَّة، ونحوها، فهذه طرقٌ تُوصلُ إلى كثير منَ المعرفَة، لكنَّ التَّتلمذَ عليها وتنصيبَها في محلِّ الشَّيخ المعلِّم، والاقتصارَ عليها وحدَها، هو ضربٌ مِن ضُروب الخَلل الَّذي يُصدِّع شخصيَّةَ الطَّالب، ويهزُّ فكرَه، ويُهدر عليه وقتَه، ويجعَلُ منه متعلِّمًا هزيلاً، لا يحقِّق مقصدًا، ولا يبلغ مأربًا، ولا ينشَأُ منه عالمًا محرِّرًا، ذلك لأنَّ هذا العلم روحٌ به تتمُّ الحياةُ، فلا تنقله الآلةُ إلى الرُّوح، وإنَّما ينتقل منَ الرُّوح إلى الرُّوح، لتكمُل به النَّفسُ، فيتلقَّى العلمَ مِن أفواه المشايخ حِسًّا ومشاهدةً ومزاحمةً بالرُّكب بينَ أيديهم، فيكون قَد أخذَ العلمَ بأطرافه، فيعرف الشَّيخَ، ويعرفه الشَّيخُ ويتمُّ بينَهما التَّناسُب؛ فليس مَنْ أخذ العلمَ عن الإنسان الحيِّ النَّاطقِ كمَن أخذه عن الجمَاد ولو كان ناطقًا.

أمَّا من لم يُعِرْ هذا الأصلَ العظيمَ اهتمامًا، فقَد نادى على نفسِه بالخيبة والهوان، وسيُحيط به النَّدمُ عند فَوات الأوان؛ وقد قالوا قديمًا: «مَن دخَل في العلم وحدَه؛ خرجَ وحده»؛ قال الشَّيخ بكر أبو زيد :: «أي: مَن دخل في طلب العلم بلا شيخ؛ خرجَ منهُ بلا علمٍ؛ إذ العلمُ صَنْعَةٌ، وكلُّ صنعَةٍ تحتَاج إلى صانع، فَلا بدَّ إذًا لتَعلُّمها مِن معلِّمها الحاذق»(3).

وعندما يبلغ الرُّشدَ يجد نفسَه موتورَ النَّسب العلميِّ، ويُعاب على عرائه من المشيخَة، ولهذا لمَّا كتب أحمدُ ابنُ نصر الدَّاودي المسيلي (402 هـ) مُنكِرًا على معاصريه من علماء القيروان سُكناهم في مملكَة بني عُبَيْد، وبقاءَهم بين أظهرهم؛ كان جوابُهم عليه أن قالوا له: «اسكُت لا شيخَ لك»؛ لأنَّه لم يَتفقَّهْ في أَكْثَرِ علمِه عند إمَامٍ مشهورٍ، وإنَّما وصَل إلى ما وصل بإدراكه، ويُشيرون أنَّه لو كانَ له شيخٌ يفقِّهه حقيقةَ الفقه، لعَلم أنَّ بقاءَهُم مع مَن هناكَ مِن عامَّة المسلمين تثبيتٌ لهم على الإسلام، وبقيَّةٌ صالحَةٌ للإيمَان، وأنَّه لو خرجَ العُلماء من إفريقيَّة لتشرَّق(4) مَن بقيَ فيها منَ العامَّة الألف والآلاف، فرجَّحُوا خيرَ الشَّرَّيْن(5).

وفي كتاب «الصِّلة» لابن بشكوال (1 /250) عن صالح ابن الإمام أحمد رحمه الله قال: «لقَد التفَت المعتَصمُ إلى أبي فقَال له: كلِّم ابنَ دُؤاد؛ فأعرَضَ عنهُ أبي بوجهه، وقَال: كيفَ أكَلِّمُ مَن لم أرَه على باب عالمٍ قَطُّ».

فهذا هو المَهيعُ السَّائد والمنهجُ المعهود عند أهل العلم المتقدِّمين منهم والمتأخِّرين، فلم يكونوا يتصوَّرون طالبَ علم  عديمَ الصِّلة بالمشايخ والعلماء، أو فاقدَ العلاقة بالأساتذة والمعلِّمين، بل منَ الوصف اللاَّزم للطَّالب اشتهارُه بطَرْق أبوابهم للزِّيارة والاستفادَة، والجلوس بينَ أيديهم للتَّعلُّمِ والاستزادةِ، ورعايةُ حُرمتِهم في الغيب والشَّهادة، والتَّلطُّف عند مخاطبتهم، وحُسن الاستماع منهم، مع الأخذ بمجامع الأدب بحضرتهم وفي مجالسهم؛ فإنَّ العلمَ رحمٌ بينَ أهله، ولا بدَّ مِن وصلِ هذه الرَّحم، ودَفْعِ أسبابِ قطعها، وبقَدر هذَا الوصل يكون الفلاحُ والنَّجاحُ، وبقَدْر ترك هذا الوِصال يكونُ الفشلُ والإخفَاق.

فعلى طالب العلم النَّبيه أن يكون على صلةٍ وثيقةٍ بأهل العلم، لينتَظمَ في سِلكهم ويَلحقَ برَبْعِهم، وليَرفع الجهلَ والجهالةَ عن نفسه، فبالعلم يزولُ الجهلُ عنه، وبقُربه من أهل العلم ترتَفع جهالةُ عينِه وحالِه، فيَشتَهر عندَهُم بالطَّلب وتثبُت عدالتُه واستقامتُه؛ فممَّا كانَ مقرَّرًا عند المحدِّثين قديمًا أنَّهم لا يقبلُون حديثَ الرَّاوي حتَّى تُعلَم عينُه بأن يرويَ عنه على الأقلِّ اثنان من الرُّواة الثِّقات المشهورين، وتَنكشفَ حالُه من حيثُ العدالةُ والتَّجريحُ؛ لهذا كانَ من المستَهجن القَبيح أن ينصِّبَ الرَّجلُ نفسَه معلِّمًا، وهو مجهول النَّسب العلمي، ولا يَعرفُ عنه أهلُ العلم من أهل بلده القريبين منه ـ فضلاً عن غيرهم ـ شيئًا، لا عينَه وصورتَه، ولا حالَه وعدالتَه.

وبهذا الأسلوب السَّلفي الوجيه يُقطَع الطَّريقُ على المتطفِّلين على أهل العلم، والمنتَسبين إليهم بغير حقٍّ، ممَّن امتلأت بهم الدُّنيا هذه الأيَّام سواءً في عالَم الحقيقَة أو في عالَم الافتراض (عالم الأنترنت)، وصاروا يشَكِّلون عقبةً كؤودًا، يحولون بين النَّاس وبينَ العلماء، ويصرفون وجوهَ العامَّة إلى أنصاف العلماء، ويثيرون فتنًا هوجَاء، ويُشيعُون فهومًا عوجَاء، ويُصدرون أحكامًا وفتاوى عرجاء، والَّذي غرَّهم سهولةُ الوصُول إلى وسَائل العلم، ويُسر تناولها كوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة، والشَّبكَة العَنكبوتيَّة ونحوها، فهذه الوسائل كثيراً ما تصنِّف أشخاصًا تحت مسمَّى عالم، ومفتٍ، وداعية، وباحث شرعي ونحوها من المسمَّيات، وهو غير مؤهَّل لشيء من ذلك؛ لهذا انتبه سلفنا قديمًا إلى أنَّ الكتابَ ـ مع كونِه وسيلةً خالصةً للنَّفعِ ـ غيرَ أنَّه قد يُسبِّبُ هذا التَّطفُّلَ، قال الأوزاعي رحمه الله: «كانَ هذا العلمُ كريمًا يتَلاقاه الرِّجالُ بينَهم، فلَمَّا دخَل في الكُتب، دخَل فيه غيرُ أهلِه»(6)، فكيف اليوم بهذه الوسائل الَّتي ليست متمحِّضةً للنَّفع والخير، بل هي صارفةٌ عن كثير من الحقائق، وملهيةٌ عن كثير من الدَّقائق، وتجمع إلى جنب الخير الَّذي فيها كثيرًا منَ الشُّرور والآفات، فإنَّها تُخرِجُ الصَّغير في صورة الكبير، وتصوِّر الحقير في هيئة العظيم، والنَّاقص في صورة الكامل.

فالشَّأن الَّذي ينبغي أن يُعلَمَ أنَّ مُستَودعَ العلم صُدورُ الرِّجال، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ[العنكبوت:49]، لهذا عندما يحينُ وقت رفع العلم منَ الأرض، فإنَّ رفعَه لا يكون بإتلاف هذه الوسائل وإزالتها، بل بقَبض حمَلَة العلم وهُم العلماء، كما جاء في الحديث الصَّحيح: «إِنَّ اللهَ لا يَقْبضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، ولَكِنْ يَقْبضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاء»(7).

فإذا كنَّا نرومُ أن ترسُو سفينتُنا على شاطئ الأمان، ونسلمَ من الفتن وأسباب الهوان؛ فعلينا أن نعود بالعمليَّة التَّعليميَّة إلى سكَّتها الَّتي عهدها أهلُ العلم وتوارثها الخلف عن السَّلف وألِفُوها جيلا بعد جيل، وهو تسلُّم العلم من أفواه العُلماء والمشايخ، وأن نُبقي هذه السُّنَّة الحميدَة، والطَّريقة السَّلفيَّة الرَّشيدة، حفاظًا على شريعتنا الغرَّاء، وصيانةً لجناب سنَّة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم المحجَّة البيضاء من كلِّ سوء وفتنة عمياء.



(1) «الموافقات» (1 /140).

(2) «السِّير» (11 /316)؛ وفيه أيضًا: أنَّ أبا بكر ابن المُطوِّعي كان يقول: اختلفَت إلى أبي عبد الله ثنتي عشرة سنة، وهو يقرأ «المسند» على أولاده، فما كتبت عنه حديثا واحدا، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه.

(3) «حلية طالب العلم» (ص 159).

(4) أي صار على عقيدة المشارقة، ويومها كانت عقيدةَ العُبَيْديِّين الباطنيِّين.

(5) «ترتيب المدارك» (7 /103)، وقال الشاطبي: «وبهذَا الوجه وقَع التَّشنيع على ابن حزم الظَّاهري، وأنَّه لم يُلازم الأخذَ عن الشُّيوخ، ولا تأدَّب بآدابهم، وبضدِّ ذلكَ كانَ العُلماءُ الرَّاسخون كالأئمَّة الأربعَة وأشباههم» [«الموافقات» (1 /144)]

(6) «تاريخ ابن عساكر» (35 /188).

(7) البخاري (100)، ومسلم (2673).