أنت هنا:الكلمة الشهرية»النميمة من الأخلاق الذميمة

النميمة من الأخلاق الذميمة

  • شعبان 1437 - ماي 2016
  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 2830 مرة

 

إن من الأخلاق الرذيلة والصفات الذَّميمة والخِلال الوَضِيعة التي حذر منها ربنا في كتابه ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته، لكن لا زال الناس يمارسونها بشتى الوسائل القديمة والحديثة: خلق النميمة، والنميمة هي نقل الكلام بين طرفين لغرض الإفساد.

فغرض النمام الوقيعة بين الناس وبين الزوج وزوجه وبين الأخ وأخيه والصديق وصديقه فيفسد الذي كان ما بينهما من ودٍّ وأخوة وألفة أو تعامل تجاري دنيوي قائم على الخير والنجاح، كل ذلك بكلمة واحدة قد يقولها كاذبا أو لا تحتمل ما قاله ووشى  به.

قال تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيم).

فوصف الله تعالى النمام بأسوأ حَالِهِ بِأَنَّهُ يَتَجَشَّمُ الْمَشَقَّةَ ويمشي لِأَجْلِ النَّمِيمَةِ والإفساد بين الأحبة.

وفي حاضرنا المعاصر يزداد الأمر سوءا؛ لأنَّ النَّمامَ يستعمل كلَّ الوسائل الحديثة من هواتف نقالة ورسائل قصيرة ومواقع التَّواصل الاجتماعي، ولا يستدعي منه أن يُكثر الخطى ويتنقل لأجل النميمة بين بلدة وأخرى، بل يمشي في ذلك مشيا معنويا لا حراك به إلا بلسانه ويده.

فهو خُلق ذميم وانتشاره في المرأة أكثر من الرجل بل أصبح جزءا من شخصية كثير من النسوة؛ لأنَّ المرأة بطبعها تميل إلى الكلام في شؤون الآخرين حتى تظهر بأنها مطلعة وفاقت بنات جنسها، فتقع في الإفساد بين الأحبة شعرت أو لم تشعر خاصة إن كانت ذات بيان وحسنَ كلام فإنَّ من البيان لسحرا.

روى مسلم في صحيحه (2606) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ: الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» ؛ والعضْه  في لغة قريش: السِّحر، والعاضه: الساحر.

وسُميت النميمة سحرًا لأنَّ عمل النَّمَّام يوصل إلى ما يوصل إليه عمل الساحر من التفريق بين المرء وزوجه والأخ وأخيه، ينشر البغضاءَ والشحناءَ والفسادَ والفرقةَ والعداوة، فمن هنا شابه عمل الساحر بل قد يكون أشدَّ.

قال يحي بن أبي كثير رحمه الله: «يُفسد النمام والكذابُ في ساعة ما لا يُفسد الساحر في سنة» [«حلية الأولياء» (3 /70)].

لذا جاء النهي الشديد عنها والتحذير الأكيد من الوقوع في شراكها، روى البخاري في «الأدب المفرد» (323) وغيره وحسَّنه الألباني عن أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ ، الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ ، الْبَاغُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ» .

وصاحب النَّمِّ كالداء العِيـاء إذا ما ارفَضَّ في الجلد يجري ها هنا وهنا
يُبدي ويُخبر عن عورات صاحبه ومـا يرى عنده مـن صـــالحٍ دفنـا

فالنَّمُّ خُلق ذميمٌ وداء عُضال في المجتمع يبعث الفتن ويقطع الصلات ويزرع العنتَ والتَّناحر، يفرق الجماعات يجعل الصديقين عدوين والزوجين متنافرين بله مطلَّقَين، والمتقاربين متباعدين، فيوقع بين أهل البراءة الشُّرور.

فمن أجل هذا؛ حُقَّ فيه الجزاء المرتب على عمله في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ» [مسلم (105) من حديث حذيفة ـ رضي الله عنه ـ]، فَالجزاء من جنس العمل، وما ربك بظلام للعبيد.

بل إنَّ النمام يُعذَّب قبل ذلك في قبره جزاءً على ما جناه بلسانه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما مر النبي صلى الله عليه و سلم بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يُعذَّبان في قبورهما فقال النبي صلى الله عليه و سلم" «يُعَذَّبَانِ، وما يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ»، ثم قال: «بلى، كَانَ أَحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ» [البخاري (216)].

فالنميمة كبيرة من الكبائر وآفة من الآفات تنبئ عن اختلال في الأخلاق وبُعد عن مراقبة العليِّ الخلاق، صاحبها مطبوع في قلبه حبُّ السوءِ والشقاق، والحسد والنفاق، عديمُ المروءة ذو شخصية دنيِّة، عاجزٌ أي يصل إلى ما وصل له الكِرام من الرُّتَب العلية، فيعيبُهم وينتقصهم ويوقع بينهم، حتى يزول ما هم فيه من الخير والاجتماع والألفة السوية.

فالنميمة آفةٌ من الآفات المقيتة التي يزدريها أهل المروءات والفضائل، فعلي المسلم والمسلمة اجتناب ما يغضب الربَّ سبحانه ويودي بصاحبه في الإثم والهلاك، فإن ابتُلِيَ أحدٌ ونقل الأخبار وفضح الأخيار، فليوقِنْ أنَّ الله تعالى له بالمرصاد، وأنَّه مُطَّلِعٌ على السِّرِّ وأخفى، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، فيتوب إلى الله ويعمل بوصيَّة النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».

ولْتَعْلَمِ المرأةُ المسلمة أنَّ أكثر الأسباب الموقعة في النميمة: الفراغُ وكثرة الكلام، فلتَعْمُرْ وقتها بذكر الله وما يعود عليها وعلى أهل بيتها بالنفع في دينها ودنياها، ولتعلمْ أنَّ أكثر ما يوجب العذاب في الآخرة ويطرح الناسَ في النار ما تحصدُه هذه الألسن من الكلمات الباطلة والآفات القاتلة.

فعن معاذ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يُدخلني الجنة ويُباعدني من النار، قال: «لَقَدْ سألْتَني عَنْ عَظِيمٍ، وإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ، ثم قال: ألا أدُلُّكَ على أبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الخَطِيئَةَ كما يُطْفىءُ المَاءُ النارَ، وَصَلاةُ الرَّجل من جَوْفِ اللَّيلِ»، ثم تلا: (تَتَجافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجعِ) حتى بلغ (يَعْمَلُونَ)، ثم قال: «أَلَا أُخْبِرُكَ برَأْسِ الأمْرِ وَعمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنامِهِ؟» قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأسُ الأمْرِ الإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهادُ»، ثم قال: «ألا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذلكَ كُلِّهُ؟» قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه قال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، قلت: يا رسول الله! وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا معاذ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ ـ أو: على مناخرهم ـ إِلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟» [«جامع الترمذي» (2616) وصححه الألباني].

ويجب على النمَّام الواشي أن يحذر عقوبةَ الله في الدنيا قبل عقوبته في الآخرة، وليعلَمْ أنَّ من أوقعَ بينه وبين أحبَّته وأصدقائه مظلومٌ والظلم ظلمات يوم القيامة، ودعوتُه ليس بينها وبين الله حجاب.

ففي «الصحيحين» عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: «شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر ـ رضي الله عنه ـ فعزله واستعمل عليهم عمَّارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يُحسن يصلي فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إنَّ هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي؟ قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنتُ أصلي بهم صلاةَ رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أَخْرِمُ عنها، أصلي صلاة العشاء فأركُد في الأولَيَيْن وأُخِفُّ في الأُخرَيَيْن. قال: ذاك الظنُّ بك يا أبا إسحاق، فأرسَلَ معه رجلا أو رجالا إلى الكوفة فسأل عنه أهلَ الكوفة ولم يَدَع مسجدا إلا سأل عنه ويُثنون معروفًا حتى دخل مسجدا لبني عَبس فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة قال: أمَّا إذ نشدتنا فإنَّ سعدًا كان لا يَسيرُ بالسَّريَّة، ولا يَقسِمُ بالسَّويَّةِ، ولا يَعدِلُ في القضيَّةِ. قال سعد: أما والله لأدعوَنَّ بثلاث: اللهم إن كان عبدُك هذا كاذبًا قام رياءً وسمعةً فأطِل عُمْرَه وأَطِلْ فقرَه وعرِّضه بالفِتن. وكان بعدُ إذا سُئل يقول: شيخٌ كبيرٌ مفتونٌ أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيتُه بعدُ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرَّض للجواري في الطرق يَغمزُهنَّ» [البخاري(755)، ومسلم (453)].

وعلى من نُقِل إليه الحديث وأوقعوا بينه وبين من كان لديه حميمًا صديقًا، فسمعَ كلامَهم وعادى مَن أحبَّهم، أن يَعلَمَ أنَّ الله تعالى نهى عن استماع أقوال النَّمام وطاعته، وأمرك باتِّباع الحق مِن مظنَّته، ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين.

روي عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل عليه رجل فذكر عنده وشايةً في رجل آخر، فقال عمر: «إن شئت حقَّقْنَا هذا الأمرَ الَّذي تقول فيه وننظر فيما نسبتَه إليه؛ فإن كنتَ كاذبًا فأنت من هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنَبَأٍ فَتَبيَّنُوا وإن كنتَ صادقًا فأنت من هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنَمِيمٍ، وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدا».

والنَّمام إذا نَقَل إليك حديثًا فسينقل إلى غيرك حديثك، فلا تقبل منه ما لا تحبُّ أن يُقبل فيك، ففي أمثال العرب: «مَن نقل إليك فقد نَقَلَ عنك، ومَن نمَّ لك نمَّ عليك».

لا تقبـلــنَّ نميمة بُلِّغتهـــا وتحفَظنَّ من الذي أنباكـهـا
إنَّ الذي أهدى إليك نميمةً سينمُّ عنك بمثلها قد حاكها

فلا تفتح على نفسك أبواب الشرِّ بالسماع لكل ناقل والعمل بكل خبر باطل.

نسأل الله أن يحفظنا من شر الأشرار وعمل الفجار، وأن يجمع بيننا وبين أحبتها على المودة والصفاء والخير والوفاء.