أنت هنا:الكلمة الشهرية»لصوص العقول

لصوص العقول

  • صفر 1438 ـ نوفمبر 2016
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 3550 مرة

 

إنَّ هذا العنوان مأخوذٌ من كلمة للعلاَّمة البشير الإبراهيمي مُوجَّهةً لأولياء التَّلاميذ ليَحفَظُوا أبناءَهم ممَّن يحاول أن يَصُدَّهم عن العلمِ ويسعى لصَرفِهم عن طَلَبِه، فيحاول بهذه المقالة وَخْزَ الضَّمائرِ لتحيا القلوبُ، وتتيقَّظَ الهِممُ وتتفتَّح الأعينُ، ويَنتَبِهَ الآباءُ إلى أنَّهم كما يسعَوْن لتخليص أبنائهم من لصُوص الطَّريق إذا اعترضُوا طريقَهم وحفظِهم منهم؛ فعليهم أن يُدرِكوا أنَّ ثمَّةَ لصوصًا آخَرِين؛ فيقول رحمه الله: «... إلاَّ أنَّ لصوصَ العُقول أفتَكُ مِن لصُوصِ الأموالِ، وأشدُّ منهُم عبثًا وإفسادًا، وإنَّ اللُّصوصَ الَّذين أعنيهِم لصُوصُ عقُولٍ يتحكَّمُون بأبنائكم في مطارح هجرتِهم إلى العلم، وفي مَسارِح غيْبَتِهم عنكُم، فيُضلُّونَهم عن سَواء السَّبيل، ويوجِّهونَهم لغَيْر الجهَة الَّتي أردتُم، ويأتُونَهم كالشَّيطَان مِن بينِ أيديهِم ومِن خلفِهم وعن أيمانِهم وعن شمائلِهم، ويصُدُّونَهم عن ذِكر الله وعن الصَّلاةِ، وعن العِلم إلى أحاديثَ يزوِّقُونَها لهم، تملأُ السَّمعَ، ولا تملأُ العقلَ، ويصرِفُونَهم عن كُتُب العلم ودُروسِ العلم إلى جرائدَ حزبيَّةٍ مملوءَةٍ بالكَذب والنَّقائصِ والمهاتَرات والسِّبابِ»(1).

فهذا الخطابُ من الشَّيخِ الإبراهيمي قبل حوالي أكثر من خمسٍ وستِّين سنةٍ في زمَنٍ لم يَكُنْ فيه للُصوصِ العُقول من الوسَائل الَّتي يَصِلُون بها إلى الطَّلبةِ والتَّلاميذِ مثلَ ما صَار بأيديهم اليومَ منَ الأدوات والأجهزة الَّتي لا يكاد ينفكُّ عنها شخصٌ، ولم يعُدْ يخلو منها بيتٌ؛ كالهواتف الذَّكيَّةِ، والكمبيوتر، والتَّلفاز، وأجهزة الألعاب الإلكترونيَّة وغيرها، وارتبطت حياةُ النَّاس بهذه الأجهزة ارتباطًا عجيبًا ورهيبًا، فلم يعُدْ بإمكان الأولياء أن يحفظوا أولادَهم من لصوص العقول، ولا أن يَحجُبُوهم عنهم بيُسرٍ وسهولةٍ.

فأقولُ: كيف لو اطَّلع الشَّيخُ البشيرُ رحمه الله على آباءِ اليوم ورأى كيفَ أنَّ أحدَهم يحرصُ بنفسه على أن يجرَّ لصوصَ العُقول إلى بنيه بجلب هذه الآلات والأجهزة إلى البيت وجعلها في مُتنَاوَلِ أيدي الأطفال دون رقيب ولا حسيب، ليصرفَهم هؤلاء اللُّصوصُ ليسَ عن العلم فحسب، بل ليصرِفُوهم عن حقائقِ الأمور، ويُذيبوا فيهم روحَ الحياءِ والفَضيلةِ، ويُطفِئُوا في نفوسِهم نورَ الحشمة والعفَّةِ، ويُفسدوا عليهم أخلاقَهم وطبائعَهم وأذواقَهم؛ وقد يصل الأمرُ إلى أن يُسلَبَ الابنُ من أبَوَيْه وهو تحت ناظِرَيْهما؛ فنجد اليومَ أنَّ الوليَّ يرى ابنَه أمامَه ولا يكاد يفارقُ بصرَه؛ لكنَّه في الحقيقةِ لا يشاهد إلاَّ الصُّورةَ والجسدَ؛ لأنَّ عقلَه ولبَّه يسبح بهما في عوالم أخرى، غير العالم الَّذي يعيشه ببدنه مع أهلِه؛ إذ لا يُصبح الفتى ولا يُمسي إلاَّ وأصابعه تُلامِسُ أزرارًا أو تداعب لوحةً، ولا تراه إلاَّ مُقلِّبًا لصفحات إلكترونيَّةٍ، أو ناظرًا ومُحاوِرًا في مواقع التَّواصل الاجتماعي المتنوِّعةِ، أو لاعبًا بأحد هذه الألعاب الباهرة، قد سطا لصوصُ العقول على عقله فأسَروه وأحكموا أسرَه، وجعلوا منه عبدًا لهذه الآلات، فلا والدُه يستطيع أن يفكَّه، ولا أمُّه تستطيع أن تحلَّ قيدَه، ولا معلِّمُه يستطيع أن ينقلَه من عالمه الافتراضي إلى عالم الحقيقةِ والواقع؛ ومما يزيد الأمر تعقيدا أن تنتقل عدوى الافتتان بهذه الآلات إلى الآباء والأمهات، فكم من أوقاتٍ أُهدِرَتْ، وكم من طاقات بُدِّدت، وتسببت في قفل قلوب، وإغلاق فهوم، وتبلد أذهان، وتلاشي كثير من المعاني السَّاميةِ الَّتي تَربِطُ النَّاسَ وتقرِّبُ بين أرواحِهم داخلَ الأُسَرِ، كالمجالسةِ والمحادثةِ والمؤانسةِ، فجفَّتِ المشاعرُ وأقفرت الأحاسيس وانزَوَى كلُّ فردٍ في زاويةٍ من زوايا البَيت يُداعب هاتفَه أو لوحتَه، لا يقومُ إلاَّ على نداءِ والدتِه لتناول العَشاء أو تنبيهه على أنَّ الوقتَ متأخِّرٌ وعليه أن يأويَ إلى فراشِه للنَّوم، ونكون بهذا النَّمط منَ الحياة قَد فقدنا كثيرًا من لذائذِ الحياة وطَعمِ العيشِ السَّعيدِ، وصارت الرَّوابطُ الأسرِيَّةُ عند كثيرٍ من النَّاس ماديَّةً لا روحَ فيها.

بل إنَّ المختصِّين قد أنذروا، ونبَّهوا إلى أنَّ أبدان الصِّغار لم تعد تتحرَّك بالقَدْر الَّذي تدعو إليه مرحلةُ الصِّبا والطُّفولة، وهذا بسَبب الإغراق في هذه الآلات وطولِ الجلوس إليها؛ فظهرَتْ آفاتٌ جديدة وعللٌ غريبةٌ منها ما بات يُعرَفُ بالإدمان الإلكتروني أو الإدمان على الأنترنت، والَّذي لا يكاد يَختَلِفُ في ضرره على الطِّفل عن الإدمان المعروف على المُسكِرَات والمخدِّرات.

إنَّ لصوصَ العقول الَّذين تحدَّث عنهم الشَّيخُ الإبراهيمي رحمه الله كان لهم مجالٌ واحدٌ يَشغِلُون به الطُّلاَّبَ عن العلم وتحصيلِه ويصرفوهم إليه؛ هو مجالُ العمل السِّياسي والحزبي، أمَّا اليومَ فقد أتاحت لهم التِّقنِيَّةُ مجالاً فسيحًا متشعِّبًا متفرِّعًا إلى أوديةٍ كثيرةٍ وطُرقٍ عديدةٍ، يصلون به إلى من يشاؤون ويوصلون إليه ما يشتهون؛ من الشُّبهات والشَّهوات.

فينبغي ألاَّ يَغفُل الأولياءُ عن حقيقةٍ مهمَّةٍ، وهي أنَّ هذه الأجهزة صنعَتها عقولٌ لا تؤمنُ بالله ولا باليَوم الآخر، ولا تحرِّم ما حرَّم اللهُ ورسولُه، ولا تَدِينُ دينَ الحقِّ، من أهل الكفر والإلحاد وعبَدَة الأوثان، فهي لا تُراعي في الطِّفل المسلم ما يُراعيه الشَّرعُ المُطهَّرُ؛ ولا شيءَ يحدُّ أفكارَ صانعيها، لا حلالٌ يُرعى، ولا حرامٌ يُتَّقى، ولا فطرةٌ سليمَةٌ تُحفظ وتُحمى؛ والواقف على هذه الأدوات يَشعُرُ بأدنى تأمُّلٍ أنَّها بقَدر ما فيها من منافع، فهي تَحمِلُ في جوفها أضعافًا كثيرةً من وسائل التَّفنُّن في صناعةِ الانحلال الخُلُقي والإفسادِ العقدي بما يتماشى وأهواءَ صانعيها وفِطَرَهم الممسوخة، ويتوافقُ مع تشريعاتهم الوضعيَّةِ الَّتي أَضْحَتْ تبيحُ اللِّواطَ والسِّحاق وزواجَ المِثليِّين وتَكفُلُ حقَّهم في تبنِّي الأولاد كلُّ ذلك باسم الحرِّيَّةِ؛ وصَدق الله: ﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ [الفرقان: 44] فهَل يرضَى مسلمٌ عندَه مسكةُ عقلٍ أن يدَعَ أبناءَه ترعاهُم أيدٍ آثمةٍ غير آمنَةٍ كهذه الأيدي ـ ببرامجها وألعابها وصُوَرِها وأفلامها وأفكارها ـ، لتصقُلَ عقولَهم وتنحتَ شخصيَّتَهم وتوجِّه تفكيرهم.

لهذا وجب على الأولياء أن يَقِفُوا حُرَّاسًا على أبنائهم وأن يكونوا قريبين منهم غير بعيدين، ويحاوروهم برفق ولين ليعلموا منهم ما يدور في رؤوسهم وما يختلج في صدورهم؛ ليُخفِّفوا من وطأة شرِّ هذه الأجهزةِ الَّتي بأيديهم، والَّتي نَزعُم أنَّه لم يَعُدْ في الإمكان الاستغناءُ عنها؛ فينبَّهَ الطِّفلُ دومًا وباستمرار على ما فيها من محظوراتٍ شرعيَّةٍ كالموسيقى والغناء والصُّوَر الخَليعة والعُري والاختلاط ونحوها، ليحذرها فلا يميل إليها فيألفَها، ولا ينساقُ وراءها فيتعوَّدَها.

كما يلزم أيضًا أن يُنبَّهَ على المحتَوى والمضامين الكُفريَّةِ المخالفَةِ للاعتقاد السَّليم، والأفكارِ السَّيِّئة الَّتي يُراد غرسُها في نفُوس النَّاشئَة الَّتي تتلقَّف ببرائتها ما يُعرَضُ أمامَها من صُوَرٍ ورسومٍ متحرِّكةٍ ونحوها تُشِيعُ تعدُّدَ الآلهة والخضوع للأوثان وتصويرَ مخلوقاتٍ غريبة وإظهار المخلوق في صُورة الخارق القادر على كلِّ شيءٍ ولا يعجزه شيءٌ ونحوها من المعاني الفاسدة الَّتي تُغرَزُ في عقل الطِّفل غرزًا ممَّا يُبقِي أثرَها في النَّفس ولو بعد البلوغ، بل أحيانا حتَّى وهو راشد ناضجٌ متعلِّمٌ؛ ما قد يُحدِث لبعض النُّفوس خلَلاً في التَّصوُّرات والأحكام سائر الحياة.

وإنَّ من أخطَر لصُوص العُقول اليوم في شبكات التَّواصل ومواقع الأنترنت هم أولئك الزَّاعمون أنَّهم يرفعون رايةَ الجهاد في بلاد المسلمين وهم في حقيقتهم حاملون لمذهب الخوارج الآفِنِ وفِكْرِ الغلو في التَّكفيرِ الآسِنِ، فيتخطَّفون الشَّبَابَ والصِّغارَ بصُوَرِهم وشِعارَاتِهم وخُطَبِهم وأناشيدِهم ويَقذِفُون بهم في أُتُونِ فتنةٍ لا نهايةَ لها، ويقدِّمونَهم قرابين لحرب ليسُوا فيها سوى أعوادٍ تُوقَدُ بهم نارُها ويُشعَل بهم أُوَارُها، فلا للإسلام نصَروا ولا للكُفر كسَرُوا؛ بل على العكس من ذلك كانوا سببًا في تنفير النَّاسِ من دين الله وتشويهِ صُورَتِه، وصاروا سُبَّةً ومَعرَّةً تُرمَى بهم الأمَّةُ بعد أن أَثقَلُوا كاهِلَها بالجِرَاحاتِ والنَّكَبات ـ كفى الله الأمَّةَ شرَّهم ـ؛ فعلى كلِّ وليٍّ تحته صغارٌ وشبابٌ في مرحلة المراهقَة أن يرقُبَهم ويُراقب مواقعَ الأنترنت الَّتي يتردَّدون عليها وحساباتِهم الَّتي يتواصلون بها حتَّى لا يَسلُبَه منه هؤلاء اللُّصوصُ، فلا يفيقُ بابنه إلاَّ وهو أسيرٌ أو قتيلٌ أو مُنتَحِرٌ في إحدى هذه الدُّولِ الَّتي تَعُجُّ بالفتن.

وعليه؛ أردتُّ بهذه الكلمةِ أن أُوخِزَ الضَّمائِرَ مرَّة أخرى ـ كما فعل الشيخ الإبراهيمي رحمه الله في زمانه ـ وأَلفِتَ الانتباهَ إلى الخطر المُحدِقِ بأبنائنا وفَلَذَاتِ أكبادِنا، لنأخُذَ الحَيْطَةَ الكاملةَ من لصوص العقول الَّذين أحاطوا بهم من كلِّ جانبٍ، ولَبِسوا لَبُوسَ الصَّاحب النَّاصحِ، وهم ساعون لصَرفهم عمَّا هُيِّئوا له، وما نأمل أن نُوَرِّثَهم إيَّاه من التَّربيةِ الحسنة والصَّلاح؛ وإنَّ من الغش وتضييعِ الأمانةِ أن يهمل الأولياءُ من استرعاهم اللهُ ويَدَعُوهم فريسةً لهؤلاء اللُّصوص لينقضُّوا عليهم ويَخطَفُوهم من بين أيديهم، ويصنعوا منهم نماذِجَ ممسوخةً، وأشخاصًا بلا هويَّةٍ، ويصرفوهم عن العلم ومعالي الأمور إلى عالم مملوء بالأوهام والخيالات والجهالات والسفالات، ويشغلوهم بسفاسف الأمور، ويُزَيِّنون لهم العقوق ويُهوِّنون عليهم الحقوق، فيسهل عليهم ارتكاب الرذائل ويصعب عليهم التحلي بالفضائل.

فجدير بنا أن نأخذ الأمرَ مأخذ  الجدِّ وألا نتجاهله فنقعُدَ عن نجدة أبنائنا بحجَّة أنَّهم أطفالٌ وحقُّهم في اللَّعب والتَّرفيه ينبغي أن يُراعى، نعم هذا أمرٌ لا يُنكَر؛ لكن لا نُحِبُّ أن يَرعَى لَعبَهُم وترفيهَهم عقولٌ ليست كعقولنا، وقلوبٌ ليست كقلوبنا، وليس أحدٌ أعلمَ منَّا بما يصلُح لأبنائنا؛ والله الهادي.



(1) «الآثار» (3 /317).