أنت هنا:الكلمة الشهرية»الاحتساب في الدعوة إلى الله تعالى

الاحتساب في الدعوة إلى الله تعالى

  • جمادى الأولى 1438 - فيفري 22017
  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 2317 مرة

 

الدَّعوةُ إلى سبيل الله رسالةُ الأنبياء ووظيفةُ المصلحين والعلماء، الَّذين تجَرَّدوا لإعلاء كلمة الله العزيز الحميد وتفانَوا في الذَّبِّ عن التَّوحيد، وحرَصوا على إنقاذ العباد من ظلمات الجهل والغَواية ومخالفة الحقِّ، مبتغين بذلك رضوانَ ربِّهم وإظهارَ دينه وهدايةَ الخلقِ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين[فُصِّلَت:33]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله وَالله غَفُورٌ رَّحِيم[البقرة:218] وقال: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون[الحشر:8].

وبذلوا في سبيل ذلك الغاليَ والنَّفيس، وجادُوا بالأوقات والمُهَج، روى البخاري (6445) ومسلم (991) عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لاَ تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاَثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْن»، وقال لعليٍّ رضي الله عنه: «فَوَالله لأَنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَم» رواه البخاري (3701) ومسلم (2406)، وفي «تهذيب الكمال» للمِزِّيّ (9 /427) أنَّ زهير بنَ نُعَيْم البابي قال: «وددتُ أنَّ جسدي قُرِضَ بالمقاريضِ وأنَّ هذا الخلق أطاعوا الله»، وكان عمرُ بن عبد العزيز رحمه الله يَقُول ـ كما في «سيرته لابن عبد الحكم» (ص130) ـ: «يَا لَيْتَني قد عملت فِيكم بِكِتَاب الله وعملتم بِهِ، فَكلَّما عملت فِيكُم بسنَّة وَقع منِّي عُضْوٌ ، حَتَّى يكون آخرُ شَيْء مِنْهَا خُرُوجَ نَفسِي».

فكانت قرَّةُ أعينِهم وسرورُ قلوبِهم وراحةُ بالهم في ظهورِ التَّوحيد وعلوِّ الإسلام على الدِّين كلِّه ودخولِ النَّاس فيه كافَّةً، وخضوعِهم لأحكامه، ولم يكن شيءٌ أتعبَ لنفوسهم وأشدَّ على قلوبهم من بقاء الشِّرك والمنكرات وبروزِها والدَّعوة إليها، روى البخاري (6333) ومسلم (2476) عن جَرير بن عبد الله رضي الله عنه قَال: قَال لِي رسولُ الله ﷺ: «أَلاَ تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ ـ وَهُوَ نُصُبٌ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ يُسَمَّى الكَعْبَةَ اليَمَانِيَةَ ـ... فَانْطَلَقْتُ فِي عُصْبَةٍ مِنْ قَوْمِي فَأَتَيْتُهَا فَأَحْرَقْتُهَا».

لقد كان ﷺ حريصًا على هداية النَّاس مُشفقًا عليهم من الضَّلال والشَّقاء في الدُّنيا والآخرة، وهذا من أكملِ صفاتِ بني آدم وأعزِّها وجودًا، بل لا يُعرف إلاَّ عن الَّذين اصطفاهم الله من الأنبياءِ ووَرثتِهم، فكان ذلك دأبَه وهمَّه منذ أمَرَه الله بالنِّذارة إلى أن التَحَق بالرَّفيق الأعلى، ولم يدعُ إلى نفسه ولا إلى عَرَض من أعراض الدُّنيا، بل عُرضت عليه ورفَضها كلَّها، قال تعالى: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِين[يوسف:108]، قال ابن باديس رحمه الله في «تفسيره» (1 /122): «فكان يدعو إلى دين الله، ويبيِّنُ هو ذلك الدِّينَ ويمَثِّلهُ، يدعو إلى عبادةِ الله وتوحيدِه وطاعته، ويشاهدُ النَّاسُ تلك العبادةَ والتَّوحيد والطَّاعة، فكان ﷺ كلُّه دعوةً إلى الله، فما دعا إلى نفسه؛ فقد مات ودِرعُه مرهونةٌ في دَيْن».

كان نبيُّنا ﷺ وإخوانُه المرسلون عليهم السلام هداةً مهتدين ومعلِّمين ناصحين، وكانوا أنصحَ لقومهم من أنفسهم، يبذُلون لهم العلمَ والفقهَ لوجه الله مجَّانًا ولا يطلبون منهم جزاءً ولا شكورًا، ولا يطمعون في شيْءٍ ممَّا عندهم، بل ينفقون الدُّنيا وما فيها في مرضاةِ الله جلَّ وعلا ونُصرةِ دينه وتأليفِ القلوبِ عليه، ويحتسبون الأجرَ على ربِّهم، وكان النَّبيُّ من أنبياء الله عليه السلام يقول لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِين[الشعراء:109]، وقال خاتَمُهم محمَّد ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين[ص:86]، ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد[سبأ:47]، وقال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُون[الطور:40]، هذا استفهامٌ إِنْكارِيٌّ، أي إنَّك لم تسأَلْهُم عَلى ذَلِك شيْئًا، فأنت تدعوهم من غير أن تطلب منهم غرامةً تُثقِلُهم وتشُقُّ علَيهم، بل تطلب الأجرَ والثَّواب من الله الكريم الوهَّاب، كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِين[المؤمنون:72].

قال الشَّنقيطي رحمه الله في «أضواء البيان» (2 /179): «ويُؤْخَذُ من هذه الآياتِ الكريمة أنَّ الواجبَ على أتباعِ الرُّسُلِ من العلماءِ وغيرِهم أَنْ يَبذُلُوا ما عندهم من العلمِ مجَّانًا من غيرِ أَخذِ عِوَضٍ على ذلك».

وعن أبي العالية رحمه الله في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً[البقرة:41]، قال: «لا تأخذ على ما علَّمت أجرًا، فإنَّما أجرُ العلماءِ والحُكماء والحُلماء على الله عزَّ وجلَّ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التَّوراة: يا ابنَ آدم علِّم مجَّانًا كما عُلِّمت مجَّانًا»(1).

ومن حرصه ﷺ على الدَّعوة والنُّصح أنَّه كان يعطي على الإسلام عطاءَ الواثق بالله ورزقه وخَلَفه، وينفق نفقةَ من لا يخشى الفقر والحاجة، فعن أنس رضي الله عنه قَال: «مَا سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى الإِسْلاَمِ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاه، قَال: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَال: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِى عَطَاءً لاَ يَخْشَى الفَاقَةَ» رواه مسلم (2312)، فكان يبذل المال تحقيقًا للغاية الَّتي من أجلها أنزله الله، قال ﷺ: «إِنَّ الله قَالَ: إِنَّا أَنْزَلْنَا المَالَ لإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» رواه أحمد (21906)، وحسَّنه الألباني في «الصَّحيحة» (1639).

وفي حديث الهجرة في «صحيح البخاري» (2138) قال أبو بكر رضي الله عنه: «الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ الله»، قال: «الصُّحْبَةَ»، قَال: «يَا رَسُولَ الله إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلخُرُوجِ فَخُذْ إِحْدَاهُمَا»، قَال: «قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَن»، فلم يقبَلْها إلاَّ بالثَّمن لِتَكُونَ هِجْرَتُه إلى الله بِنَفْسِه وَمَالِهِ رَغْبَةً مِنْهُ ﷺ في اسْتِكْمَالِ فَضْلِ الهِجْرةِ وَالجِهادِ عَلَى أَتَمِّ أَحْوَالِهِما(2).

وفي هذا توجيهٌ حكيم للدُّعاة وتنبيهٌ لطيف للمصلحين على أن ينفقوا من أموالهم ما استطاعوا في سبيل الدَّعوة والتَّعليم؛ ليبقى أجرُهم على الله كاملاً غيرَ منقوص.

إنَّ الدَّاعيَ الصَّادقَ المبارَك يدعو إلى الله ويعلِّم لوجهه، ولا يتَّخذ ذلك سبيلاً لكسبِ الرِّياسة والشُّهرةِ ولا وسيلةً لنيل حطامِ الدُّنيا وعَطاءِ المدعوِّين، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَدْعُو إِلَى الله[يوسف:108]، فهذه الآيةُ فُرقانٌ بين الصَّادقِ الموفَّق والكاذبِ المخذول، قال ابن باديس في «تفسيره» (1 /127): «الصَّادق لا يتحدَّث عن نفسه، ولا يجلُب لها جاهًا ولا مالاً، ولا يبغي لها من النَّاس مدحًا ولا رِفْعة، أمَّا الكاذبُ فإنَّه بخلافه، فلا يستطيع أن ينسى نفسَه في أقواله وأعماله، وهذا الفرق من قوله تعالى: «إلى الله»».

وإنَّ من أخسرِ النَّاس صفقةً مَن يأكلُ بدينه ـ سؤالاً واستشرافًا ـ، وأفحشِهم غبْنًا مَن يسألُ بعلمه بغير حقّ، روى البيهقي في «شعب الإيمان» (6533) بإسناد حسن عن مَالِك بن أَنَس رحمه الله قال، قَالَ لِي رَبِيعَةُ الرَّأْيِ ـ وَكَانَ أُسْتَاذَ مَالِكٍ ـ: «يَا مَالِكُ مَنِ السَّفِلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: «مَنْ أَكَلَ بِدِينِهِ» فَقَالَ: مَنْ سَفِلَةُ السَّفِلَةِ؟ قَالَ: «مَنْ أَصْلَحَ دُنْيَا غَيْرِهِ بِفَسَادِ دِينِهِ» قَالَ: «فَصَدَرَنِي»، أي ضرب على صدره رضًا بفهمه واستحسانًا لجوابِه.

ولقد كان السَّلف ـ رحمهم الله ـ يزجُرون عن هذا الفعل وينفِّرون منه ويعُدُّونه خِسَّة ونَذالة، روى البيهقي في «الشُّعب» (6530) عن الفضيل ابن عياض رحمه الله أنَّه قال: «لأَنْ آكُلَ الدُّنْيَا بِالطَّبْلِ وَالمِزْمَارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آكُلَهَا بِدِينِي»، وفي «تاريخ الإسلام» للذَّهبي (5 /867) قال سَحنون القيروانيّ رحمه الله: «أَكْلٌ بالمسكنة خيرٌ من أكْلٍ بالعِلم»، وهذا محمول على المبالغة في الذَّمّ والزَّجر، على غِرارِ قولِ شعبة رحمه الله: «لأن أزنيَ أحبُّ إليَّ من أن أدلّسَ».

ورأى بعضُ العلماء أن لا يؤحذَ العلم عن أمثال هؤلاء ولا يؤتمَّ بهم، تقريعًا وتأديبًا.

فهذا عالمُ أهل الشَّام الحافظُ هشامُ ابنُ عمَّار رحمه الله، مع جلالةِ قدْره وسَعةِ علمه، تكلَّم فيه بعضُ الحُفَّاظ لأنَّه كان يأخذ أُجرةً على الحديث، ففي «تهذيب الكمال» للمِزِّيّ (30 /249) قَال مُحَمَّدُ ابنُ وارَة: عزَمت زمانًا أن أُمسِكَ عَنْ حديث هشامِ بنِ عمَّار لأنَّه كان يبيعُ الحديث، وقَال صَالِحُ جَزَرَةُ: كان هشامُ ابن عمَّار يأخذ عَلَى الحديث، ولا يحدِّثُ ما لم يأخذ، فدخلت عليه يومًا، فَقَالَ: يا أبا علي حَدِّثْنِي بحديث لعليِّ بنِ الجَعْد، فقلت: حَدَّثَنَا ابن الجعد قال: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر الرَّازِيُّ عَن الرَّبيع بن أنس عن أبي العالية قال: علِّمْ مجَّانًا كما عُلِّمت مجَّانًا، قال: تعرَّضتَ بي يا أبا علي؟ فقلت: ما تعرَّضتُ بك، بل قصدتُك.

قال الذَّهبي في «السِّير» (11 /426): «العَجَبُ مِن هَذَا الإِمَامِ مَع جَلاَلَتِهِ، كَيْفَ فَعَل هذَا ولَم يَكُن مُحْتَاجًا، وَلَهُ اجْتِهَادُهُ».

وفي «السِّير» (11 /369): «سُئل إسحاق بن رَاهَوَيْهِ عَمَّنْ يُحَدِّثُ بِالأَجْرِ؟ قَالَ: لاَ تَكْتُبْ عَنْه».

ومن قال لا أعلِّم ولا أصلِّي بكم ولا أأذِّن ولا أخطُب حتَّى تُعطوني كذا وكذا، فقد اتَّخذ الدِّينَ وسيلةً للدُّنيا، فلا يكونُ له في الآخرة من خلاق، قال أبو داود كما في «مسائل أحمد» له (ص 91): «سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ إِمَامٍ قَالَ لِقَوْمٍ: أُصَلِّي بِكُمْ رَمَضَانَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا؟ قَالَ: أَسْأَلُ الله العَافِيَةَ، مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ هَذَا؟!»، قال ابن تيمية رحمه الله في «مجموع الفتاوى» (26 /19): «والارْتِزَاقُ بِأَعْمَالِ البِرِّ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الصَّالِحِين، أَعْنِي إذَا كَانَ إنَّمَا مَقْصُودُهُ بِالْعَمَلِ اكْتِسَابَ المَالِ».

وإنَّ مِن أغرب المظاهر المنافية للإخلاص في الدَّعوةِ والإمامة اختيارَ المساجد للخَطابة وصلاةِ التَّراويح على أساسٍ دنيويٍّ بحْتٍ، فتُفضَّل ولو كانت الدَّعوةُ في غيرها أجدى نفعًا وأحسنَ عاقبةً، فبعضهم  يبحث عن المسجد الَّذي يظفَر فيه بالشُّهرةِ والسُّمعة وكثرةِ الأتباع، ومنهم من يحرِص على المسجد الَّذي يتردَّدُ عليه الأغنياءُ والوُجهاء ويختَلفُ إليه ذوو المناصب ورجالُ الأعمال الدُّنيويَّة، طمعًا فيما لديهم ورجاءَ نيل الحُظْوة عندهم.

ومن العجائب أنَّ هناك من تأتيه «عروضٌ»، فيختار الَّذي يَدْفعُ أغلى ويَجْمعُ أكثر، فأضحى الأمرُ شبيهًا بالأندية الرِّياضيَّة الَّتي تتنافس في أحسنِ اللاَّعبين وتُزايدُ فيهم، ثمَّ يتبجَّح بعضُهم بأنَّ هذا من تكريم حفَظَة القرآن وتبجيل أهلِ العلم وطلبتِه، وأنَّهم أولى بذلك من الرِّياضيِّين والفنَّانين والمغنِّين.

فأنَّى لهؤلاء أن يوفَّقوا ويسدَّدوا ويُوضعَ لهم القَبول، وقد دعَوْا لأنفسهم، وأكلوا بالعلم والقرآن واستكثروا به من المال والجاه ونحوِهما من الأعراضِ الدُّنيويَّة، روى أحمد (15529) وصحَّحه الألباني في «الصَّحيحة» (260) أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ وَلاَ تَغْلُوا فِيه وَلاَ تَجْفُوا عَنْهُ وَلاَ تَأْكُلُوا بِه وَلاَ تَسْتَكْثِرُوا بِهِ»، وروى أحمد (21220) وصحَّحه الألباني في «صحيح التَّرغيب» (23)؛ وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالدِّينِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصِيبٌ»، والجملة الثَّانية «كالاحتراز عمَّا يفيده عمومُ البشرى وإبانة أنَّها لمن عَمِل عمَلَ الآخرة للآخرة»(3)، فلا يفوزُ بالتَّوفيق والرِّفعة والنَّصر إلاَّ أهلُ الإخلاص والتَّقوى والصَّلاح، قيل لأحمد في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فيه: «مَنْ نَسْأَلُ بَعْدَكَ؟ فَقَال: سَلْ عَبْدَ الوَهَّاب، فقيل له إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ اتِّسَاعٌ فِي العِلْم، فَقَال: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، مِثْلُهُ يُوَفَّقُ لإِصَابَةِ الحَقِّ»(4).

إنَّ الإمامةَ والدَّعوة ـ حقًّا وصدقًا ـ دعوةٌ إلى تقوى الله وتعظيمِه ومرضاته والاستسلامِ لأحكامِه وإخلاصِ الدِّين كلِّه له ونُصرته والرَّغبةِ في الآخرة والزُّهدِ في الدُّنيا، وأصبحت اليوم عند قوم مباهاةً وتكاثرًا وحِرفةً للحصول على الأعراض الدُّنيويَّة، فهان العلمُ وزُهِد فيه وقلَّت بركتُه وانعدم التَّوفيقُ فيه، ودَبَّ إلينا داء الأمم قبلَنا الحسدُ والبغضاء، وهذه فتنة ـ لَعَمْرُ الله ـ من أعظم الفتن الَّتي بُلِيت بها الأمَّة ورُزِئ بها العباد، وصدق عَبْد الله ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ»،  قَالُوا: وَمَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: «... وَالتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ»(5).

وما أحسن ما قاله الشيخ حافظ حكمي في «منظومته الميمية»(6):

والنُّصحَ فابذُلْه للطُّلابِ محتسِبًا في السِّرِّ والجهرِ والأُستاذَ فاحْترِمِ
ومــرحـبًـا قــل لـمــن يأتـيك يَطلُبُهُ فيهمُ احفَظْ وصايا المصطفى بهِمِ
والنِّـيّـةَ اجـعـل لوجه الله خالصــةً إنَّ الـبـنــاءَ بـدون الأصـــلِ لـم يـقُمِ
ومَـن يكُـن لـيـقـولَ الـنّـاسُ يـطـلـبُـهُ أَخْـسِـرْ بصَفـقـتِه في موقفِ النَّدمِ
ومَــــن بـه يبـتـغي الدُّنيا فـلـيـس لَـهُ يـوم الـقيــامة مِـن حـظٍّ ولا قـســمِ
كفى بـ (من كان) في شورى وهود وفي الـ إِســراء مـوعـظةً للحــاذِقِ الـفَـهِـمِ

ولا يفوتُني أن أنبِّه على أنَّ جمهور العلماء يقولون بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم ونحوهما من أعمال البرِّ(7) أحذًا بعموم قوله: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ الله» رواه البخاري (5737).

فالمعلِّم والإمام والدَّاعي من أولى النَّاس بالعطاء والإكرام، فيأخذون العطاء أو المكافأة أو الجُعل أو الرَّاتب على تفرغهم، وبخاصَّة إذا كان أحدهم محتاجًا أو ذا عيال، فيأخذون الرِّزق ليستعينوا به على نفقاتهم واحتياجاتهم، لكن يجب عليهم أن يجعلوا عملهم ذلك خالصًا لله، ويكون مقصودُهم الدِّين، وأمَّا الدُّنيا فوسيلة فقط، لا العكس، وعلى هذا يأخذون ليعلِّموا، ولا يعلِّمون ليأخذوا، فمن سار على هذه النِّيّةِ الحسنةِ فقد أخذ طيِّبًا وأكل طيِّبًا، والله الموفِّق والمعين، والحمد لله رب العالمين.



(1) رواه أبو نعيم في «الحلية» (2 /220)، وابن عبد البرّ في ««جامع بيان العلم» (621) مختصرًا.

(2) انظر «الرَّوض الأُنُف» للسُّهَيلي (5 /57).

(3)  قاله الصَّنعاني في «التَّنوير» (4 /547).

(4)  «الورع» لأحمد رواية أبي بكر المروزي (4)، وعبد الوهاب هو ابن عبد الحكم الوراق صحب الإمام أحمد وكان من الصالحين العقلاء «طبقات الحنابلة» (1 /324).

(5)  رواه الدَّارمي (191) بإسناد صحيح.

(6) ص(13) / ط.دار الفضيلة.

(7) انظر «حاشية ابن عابدين» (2 /37)، «البيان والتَّحصيل» (8 /352)، «روضة الطَّالبين» (5 /187)، «المغني» (8 /136)، «مجموع الفتاوى» (24 /316)، (30 /193، 204).