أنت هنا:الكلمة الشهرية»حق له أن يركز ويتشدد

حق له أن يركز ويتشدد

  • شوال 1438 ـ جوان 2017
  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 4687 مرة

 

إنَّ مما يزيد المؤمن إيمانا وثباتا على دعوة الرسل وأتباعهم ما يقرؤه من مقالات لأناس لم يعظِّموا حقَّ الله ـ الذي هو توحيده ـ حقَّ التعظيم، ويهوِّنون من أمر الشرك وما يقع فيه المسلمون من مخالفات عقدية تؤثِّر في إيمانهم بربِّهم وتوحيده، ومن تلك المقالات التي خرج بها علينا أحد كتاب جريدة الشروق ـ وهو محمد الهادي الحسني ـ مقالة: «الوهابية أحرقها البترول»، ولا أريد مناقشة الكاتب في كلِّ ما ورد في هذ المقال، لكن أريد أن أنبِّه هنا على أمر استهان به واستصغره، وفي الوقت نفسه بان لكلِّ ذي عقل عِظم الأمر وخطورته في المجتمع الذي نعيش فيه ونعايشه وكل المجتمعات الإسلامية.
قال الكاتب ـ بعد أن ذكر وجود فئة من أهل العلم تبين للناس دينهم ـ: «من هؤلاء العلماء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي وإن كان ذا قلب حي، فإنه ـ كما يبدو من آثاره العلمية والعملية ـ لم يكن ذا عقلية مستوعبة للإسلام الكامل الشامِل، فاكتفى بالتركيز على جانب العقيدة، وإن تشدّد في ذلك».
فأقول للكاتب وغيره: حُقَّ للشيخ أن يركِّز على جانب العقيدة ويتشدَّد في ذلك؛ لأنَّ مسائل العقيدة تتعلق بالكفر والإيمان والتوحيد والشرك، وقد ركَّز عليها نبيُّنا عليه الصلاة والسلام، ولا زال يدعو إلى توحيد رب العالمين مِن أول بعثته إلى آخر يوم من حياته، ولا أريد أن أسوق النصوص في ذلك فهي كثيرة مشهورة، وهل استغنينا نحن عن العقيدة الصحيحة وتعلُّمها وتعليمها في هذا البلد حتى يُقال مثل هذا الكلام في الشيخ ومن كان على نهجه وطريقته؟
والناظر في أحوال الأمة الإسلامية اليوم وقبل اليوم يُدرك إدراكًا لا مرية فيه أنَّ من المسلمين من يقع في أنواع من الشرك بالله تعالى، فلذا كان الواجب على أتباع الرسل الاهتمام به والتركيز عليه والتشدُّد في أمره؛ لأنَّه حقُّ الله على عبيده، وقد بيَّن ذلك أئمة الإسلام في القديم والحديث، ومن مؤلفات علمائنا في ذلك كتاب: «الشرك ومظاهره» للشيخ مبارك الميلي رحمه الله.
ولا زالت أعمال الشرك وذرائعه تنتشر كلما تساهل الدعاة في أمر التوحيد والدعوة إليه، ولم يركِّزوا علي جانبه، ويكفي في بيان ذلك ما قرأناه وسمعنا عنه ما وقع في بلدة «عين مران» بولاية «الشلف» مِن دفن الإمام بساحة المسجد على مرأى ومسمع من الناس والجهات المسؤولة، وقد قال عليه الصلاة والسلام في مرضه الذي مات فيه: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، ولا شكَّ أنَّ مثل هذه الأعمال من ذرائع الشرك وتعظيم المخلوق ودعوته من دون الله.
فرحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أحيا دعوة التوحيد وركَّز على ما ركَّز عليه صفوة الخلق من الرسل والأنبياء عليه الصلاة والسلام، ورحم الله الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي وصف دعوته بقوله ـ وأقواله في ذلك كثيرة ـ: «إنَّ الوهّابيِّين قومٌ مسلمون يشاركونكم في الانتساب إلى الإسلام، ويَفوقونكم في إقامة شعائره وحدوده، ويفوقون جميعَ المسلمين في هذا العصر بواحدة وهي أنَّهم لا ُيقرُّون البدعة، وما ذنبهم إذا أنكروا ما أنكره كتابُ الله وسنَّةُ رسوله، وتيسّر لهم مِن وسائل الاستطاعة ما قدروا به على تغيير المنكر؟
أإذا وافقنا طائفةً من المسلمين في شيء معلوم من الدِّين بالضرورة وفي تغيير المنكرات الفاشية عندنا وعندهم ـ والمنكر لا يَختلف حكمُه بحكم الأوطان ـ تَنسُجوننا إليهم تحقيرًا لنا ولهم، وازدراءً بنا وبهم، وإن فرّقت بيننا وبينهم الاعتبارات، فنحن مالكيُّون برغم أنوفكم، وهم حنبليُّون برغم أنوفكم، ونحن في الجزائر وهم في الجزيرة، ونحن نعمل في طريق الإصلاح الأقلامَ، وهم يعملون فيها الأقدام، وهم يعمَلون في الأضرحة المعاولَ، ونحن نعمل في بانِيها المقاول». الآثار (1 /124).
فيا ليت الكاتب استشهد بكلام الشيخ الإبراهيمي ـ كما هي عادته ـ في التعريف بمحمد بن عبد الوهاب ودعوته، بدل أن يغمزها بكلام لا حقيقة له ولا دليل، وكأنَّه تفطَّن لما لم يتفطَّن له الشيخ الإبراهيمي رحمه الله.