أنت هنا:الكلمة الشهرية»الصداقة الحقيقية

الصداقة الحقيقية

  • صفر 1439 ـ أكتوبر 2017
  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 4714 مرة

 

إنَّ من أعظم نعم الله ـ جلَّ وعلا ـ على عبدِه أن يَرزُقَه صاحبًا ناصحًا أمينًا صادقًا عاقلًا، يتَّقي اللهَ فيه، ويكون له عونًا على طاعة الله وعلى اجتنابِ معصيتِه، يعلِّمه وينصحه ويُرشِدُه وينبِّهُه على أخطائه حتَّى يَترُكَها، ويشجِّعه على فعل الخير، ويَحُوطُه من ورائه ويُمِيطُ عنه الأذى، ويعينه على مصالحه الدِّينيَّة والدُّنيويَّة.

يعيش في كَنفه آمنًا مطمئنًّا، قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين﴾[التوبة:119]، والصادقون هم نبيُّنا محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان، فالمصاحب لهم ينتفع بصدقهم وعلمهم وخُلُقهم وأَدَبِهم، وعن عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه قال: «عليك بإخوان  الصِّدقِ فعِشْ في أكنافهم ـ يعني في ظِلالهم وجوانبهم ـ؛ فإنَّهم زيْنٌ في الرَّخاء، وعُدَّةٌ في البلاء» [رواه ابن أبي الدُّنيا في كتاب «الإخوان» (ص35)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (743)، والأصبهاني في «التَّرغيب والتَّرهيب» (1620)، وفي سنده مقالٌ].

فالأخ الصَّادق هو من يرغَّبكَ في طاعة الله، وينهاك عن معصيته، لا يغُشُّك ولا يخونك، بل يعاملك بالنُّصح والصِّدق والأمانة والوفاء، يعلِّمك إذا جهلتَ، ويذكِّرُك إذا نسِيتَ، ويَنصَحُك إذا أخطأتَ، يستر عيبَك، ويحفظ سِرَّك، ويَحمي عرضَك، يَعرفُك في السَّرَّاء والضَّرَّاء، ويزورك في الرَّخاء والبلاء، يعينك على البرِّ والتقوى، ويمنعك من الإثم والعدوان، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[المائدة:2]، وقال ذو النُّون المصري رحمه الله: «بِصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ تَطِيبُ الْحَيَاةِ، وَالْخَيْرُ مَجْمُوعٌ فِي القَرِينِ الصَّالِحِ، إِنْ نَسِيتَ ذَكَّرَكَ وَإِنْ ذَكَرْتَ أَعَانَكَ» [«حلية الأولياء» (9/359)].

لا يجمعُ بينك وبينه إلَّا المحبَّةُ في الله والسَّعيُ في مرضاته، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «سبعة يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ... و رَجُلَانِ تَحَابَّا في الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وتَفَرَّقَا عَلَيْهِ» متفق عليه، فتحاببُهما وتآلُفُهما يدور عَلَى طاعة الله ونيلِ رضاه، وجودًا وعدمًا اجتماعًا وتفرُّقًا.

 فهذا من أفضل الأصدقاء وخير الأصحاب، ينفع صاحبَه ويوصل إليه خيرَه ويكُّف عنه شرَّه، قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ الله خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ الله خَيْرُهُمْ لِجَارِه» [رواه أحمد (6566)، والتِّرمذي (1944) وسنده صحيح]، وسئل بعضُ الحكماء: «أيُّ الكنوز خير؟ قال: «أمَّا بعد تقوى الله فالأخُ الصَّالح» [كتاب «الإخوان» لابن أبي الدُّنيا (6)]، لأنَّ صلاحَه ينتقل إليك وخيره يصلُك، فالأخُ الصَّالحُ يذكِّرُك بالله واليوم الآخر وينصح لك ولا يداهنك.

فينبغي للعاقل أن يحرصَ على هذا النَّوع من الإخوان والأصدقاء ويبحثَ عنهم، فقد صاروا في هذا الزَّمان كالكبريت الأحمر والمسك الأذْفَر، صاروا من أعزِّ الأشياء وجودًا، وأصعبها تحصيلًا.

لقد أصبحت المصاحبةُ والمصادقةُ مَبنِيَّةً على المنافع الدُّنيويَّة والمصالح الشَّخصيَّة والموافقات النَّفسيَّة والتَّجمُّعات الحزبيَّة، مما يُسبِّب المداهنةَ والغشَّ والموافقةَ على الباطلِ وتركَ النَّصيحة والسُّكوتَ عن العيوب والأخطاء، ويسبِّبُ أيضا هدْمَ أصل عظيم من أصول هذا الدِّين، وهو النَّصيحة، وقد قال النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام: «إنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، الحديث، وعن جَرِيرِ بن عَبْد الله قَال: بَايَعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِم» متفق عليه.

إنَّ من عِلَلنا اليوم سكوتَنا عن عيوب محبِّينا وغضَّ الطرْف عن أخطاء موافقينا، وربما انتصرنا لها وجعلناها صوابا، ولو فعَلها غيرُهم لأنكرنا عليه وجرَّحناه، فلمَ الكيل بمكيالين والوزن بميزانين، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَالله أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[النساء:135].

والنصيحة ـ وجُرعتُها مُرةٌ لا يتحمَّلها إلا الصادقون ـ تقتضي أن تبصِّر أخاك بعيبه ليتوب منه، وتنبِّهه على خطئه ليرجع عنه ولو غضب وكره ذلك، قال بلال بن سعد رحمة الله عليه: «أخ لك كلما لقيك أخبرك بعيب فيك خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارا» [«المجالسة» (1428)]، ينبغي أن تواجهه بذلك محبةً له، وتصارحه شفقةً عليه، وقد تعاتبه وتزجره رحمةً به، قال شيخ الإسلام في «المجموع» (28/53): «فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْيَدَيْنِ تَغْسِلُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَقَدْ لَا يَنْقَلِعُ الْوَسَخُ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الْخُشُونَةِ؛ لَكِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ مِنْ النَّظَافَةِ وَالنُّعُومَةِ مَا نَحْمَدُ مَعَهُ ذَلِكَ التَّخْشِينَ».

إنَّ المخلصين الذين عظُم دينُ الله في قلوبهم وهانت عليهم أنفسُهم يفرحون بإهدائهم عيوبَهم قصدَ النصيحة، ويطلبون تنبيهَهم على زلاتهم نصرةً للشريعة، روى ابن إسحاق ـ كما في «السيرة» لابن هشام (2/661ـ بسند صحيح) أن أبا بكر الصديق لما وُلِّي الخلافة قال: «... وإن أسأت فقوِّموني»، وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله لرجلين من أخص جلسائه: «لا يكن لكما عمل إلا النظر إليَّ، فإن رأيتما منِّي شيئًا لا يوافق الحقَّ فخوِّفاني وذكِّراني بالله» [«مناقبه» لابن الجوزي (226)]، وقال ميمون بن مهران رحمه الله لبعض إخوانه: «قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره» [«الحلية» (4/86)].

مَوَدَّتِي لَكَ تَأْبَى أَنْ تُسَامِحَنِي      بِأَنْ أَرَاكَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الزَّلَلِ

وقال الذهبي في «السير» (7/393): «عَلاَمَةُ المُخْلِصِ الَّذِي قَدْ يُحبُّ شُهرَةً، وَلاَ يَشعُرُ بِهَا، أَنَّهُ إِذَا عُوتِبَ فِي ذَلِكَ، لاَ يَحرَدُ وَلاَ يُبرِّئُ نَفْسَه، بَلْ يَعترِفُ وَيَقُوْلُ: رَحِمَ اللهُ مَنْ أَهدَى إِلَيَّ عُيُوبِي، وَلاَ يَكُنْ مُعجَباً بِنَفْسِهِ؛ لاَ يَشعرُ بِعُيُوبِهَا، بَلْ لاَ يَشعرُ أَنَّهُ لاَ يَشعرُ، فَإِنَّ هَذَا دَاءٌ مُزْمِنٌ».

هذه هي المحبة النافعة والصداقة الرابحة، التي يُراعى فيها  تقوى الله ويُقَّدم حقُّه، قال بعضهم: «أنصح الناس لك من اتقى الله فيك» أي: قدَّم حقَّ الله وعاملك بشرعه وحذَّرك عقابه ونصحك ابتغاء وجهه، ولم يغرَّك ولم يغُشَّك، فالمحبة الشرعية لا تمنع من المناصحة وتبيين الأخطاء والصدع بالحق، بل يعدُّ هذا من الشفقة وإرادة الخير بالمنصوح، فمن أحبَّك نهاك ومن أبغضك أغراك، وضرب الناصح خير من تحية الشانئ.

وكلُّ هذا يدخل تحت قول الله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيم﴾[التوبة:71]، وقوله: ﴿وَالْعَصْر * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر[العصر:1-3].

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.