أنت هنا:الكلمة الشهرية»نفع الناس

نفع الناس

  • ربيع الأول 1439 ـ نوفمبر 2017
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 1358 مرة

 

من أمارات التَّوفيق حرصُ المرء على نفع النَّاس بكلِّ خير مادِّيٍّ أو معنويٍّ، راجيًا بذلك ثواب الله وحده، والسَّعيدُ مَن أضحَى بذلُ الخير عندَه خلُقًا لازمًا وعادةً محكمةً، يجد فيه راحة بالِه وطمأنينةَ نفسِه وانشراح صدره؛ وتغمُره البَهجةُ إذا أدخَل سرورًا على مسلم، أو كشفَ عنه كُربةً، أو قضَى عنه ديْنًا، أو طَرد عنهُ جوعًا، لهذا يقُول النَّبيُّ ﷺ: «خيرُ النَّاس أنفَعُهم للنَّاس».

ولهذا كانَ بذلُ الخير خُلقًا راسخًا للنَّبيِّ ﷺ حتَّى قبل تحمُّل أعباءِ النُّبوَّة؛ قالت خديجة ڤ في وصفِه: «إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ»، وبعد النُّبوَّة قال أنس ﭬ: «ما سُئل رسُولُ الله ﷺ على الإسلام شيئًا إلاَّ أعطاهُ»، فلا يردُّ سائلا ولا يمنعُ محرُومًا، ولم يُؤثر عنهُ بخلٌ أبدًا بأبي هو وأمِّي ﷺ.  

وعلى مثل هذا النُّبل عاش سلفُنا الصَّالح، تَرِقُّ قلوبُهم للمسكين وذي الحاجة، وتدمعُ أعينُهم عند العجز عن تلبية حاجة المحتَاج، قَال مِسْعَر بنُ كِدَامٍ $: «كُنْتُ أَمْشِي معَ سُفيَانَ الثَّورِي، فسَألَهُ رجُلٌ، فلَمْ يكُنْ معَهُ ما يُعْطِيه، فبَكَى، فقالَ لهُ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: وأيُّ مُصِيبَةٍ أعظَمُ مِنْ أَنْ يُؤَمِّلَ فيكَ رجُلٌ خَيْرًا، فلا يُصِيبَهُ عِنْدَكَ» [«مكارم الأخلاق» للخرائطي (141)].

وهذا الحسُّ المرهَفُ هو ثمرَةُ العِلم والإيمانِ، وإنَّه كُلَّما كانَ نصيبُ المرءِ منهُما وافرًا، كانَ سعيُه في حوائج النَّاس شديدًا، ويسَّرَهُ اللهُ عليه تيسيرًا عجيبًا؛ ومَن جرَّب عرفَ.

إنَّ قضاء حوائج النَّاس ونفعَهم بتوفير طعَام أو شرَاب أو لبَاس أو غيرها ممَّا به قِوامُ الأبدانِ عملٌ يحبُّه الله، ويُثيبُ عليه كثيرًا، لكن ما به قِوَام الأديان أعظم أجرا، وحاجة الناس إليه أشد، وهو معرفة ما جاء به الرَّسول ﷺ، وهُو العِلم النَّافع المُوصِلُ إلى الله والجنَّة؛ لذا كانَ بذلُه أفضل الصَّدقات، قَال الحسَنُ البَصري: «ما تصَدَّقَ امرؤٌ مُسلمٌ أفضَلُ مِن نَشر العِلم»؛ لأنَّ مَن فاتَه الطَّعام والشَّراب ماتَ بدنُه، وأمَّا من فاته العلمُ النَّافع ماتَ قلبُه ولحقَه العذابُ.

فالعالمُ والمتعلِّمُ يبذُله بدرسِه وخطابه وكتابتِه، والغنيُّ بماله وإنفاقِه على وسائلِ العِلم وأدواتِ نشره، والوجيهُ بوجاهتِه وشفاعتِه لتَسهيلِ انتشاره وذيُوعِه، وهكذَا؛ كلٌّ على قَدْر طاقتِه وحدودِ وسعِه.

وهذا ما يغفُلُ عنه كثيرٌ من السَّاعين في نفع النَّاس وبذْل الخَيْر من أهل المال والوجاهَة، فيُفكِّرُ أحدُهم في الإطعَام والكسْوَة والدَّواء ونحوها، ولا يَرِدُ على خاطرِه عبادةُ بثِّ العلم ونشرِه، مع أنَّه مِن أعظَم سُبُل الخَيْر وأوْفَرها أجرًا، وأطيبها أثرًا؛ وأمَّا مَن علمَ ذلكَ وأحجمَ عنه، فليَعْلَم أنَّه واقعٌ في أقبَح أنواع البُخل وأسوئها، وهُو البُخل بالعِلم النَّافع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

* منقول من مجلة الإصلاح العدد 57