أنت هنا:الكلمة الشهرية»السلامة

السلامة

  • جمادى الأولى 1439 ـ جانفي 2018
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 3553 مرة

 

إنَّ الفتَنةَ تُعْمي القُلوب وتُصِمُّ الآذان، ويتَحوَّلُ فيها المرءُ منَ العلم واليَقين إلى الحَيْرة والاضطراب، فيَعرفُ ما كانَ يُنكر، ويُنكر ما كانَ يعرف، ويُحال بينَه وبينَ إدراك الحقِّ وقصدِه، لشدَّة الْتبَاس الحقِّ بالباطِلِ، وتستَحكمُ فيها ظلمةُ الجَهْل، ويخفتُ نورُ العِلم، وتتغوَّل قُوَّةُ الشَّرِّ وتضعُفُ القُدْرةُ على الخيرِ؛ فيُؤذي النَّاسُ بعضُهم بعضًا بالأقوال والأفعال، فكانَ لزامًا على المؤمن العاقل أن يتَلمَّسَ أسبَابَ السَّلامة منَ الفتنَة، والوسائل المجلِّية للحقِّ والصَّواب؛ وإنَّ أهمَّها وأعظمَها تقوَى الله، قَال تعالى: ﴿إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً[الأنفال:29]، أي أنَّ مَن اتَّقى الله وُفِّق لمعرفَة الفَرق بينَ الهدى والضَّلال، والحقِّ والباطل، فينجو في الدُّنيا والآخرة.   

قال ابنُ تيميَّة ـ كما في «مجموع الفتاوى» (20/ 45) ـ: «إذا كانَ القَلبُ معمُورًا بالتَّقوى انجلَت لهُ الأمُور وانكَشفَت، بخلافِ القَلب الخرَاب المظلِم».

فإعمَارُ القَلب بالتَّقوى والإيمَان يفتَحُ عينَيْك ويُصِحُّ بصرَكَ ويُصَفِّي بصيرتَك، فيُمكِّنُك اللهُ مِن رؤية ما لا يَراه غيرُكَ، فتَرى الحقَّ حقًّا، وتَرى الباطل باطلاً، في وقتٍ قَد يعزُّ فيه مثلُ ذلكَ على كثير منَ الخَلْق أيَّامَ الفتنَة. 

لهذَا جاءَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في وصفِ الدَّجَّال: «مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِب» [رواه مسلم (2934)] أي القَارئ والأمِّي؛ قال ابنُ تيميَّة أيضًا: «فدَلَّ على أنَّ المؤمنَ يتبيَّنُ له ما لا يتبيَّنُ لغيْره، ولا سيَما في الفتَن، وينكشفُ له حالُ الكذَّاب الوضَّاع على الله ورسُوله؛ فإنَّ الدَّجَّالَ أكذَبُ خلْق الله، مع أنَّ الله يُجري على يدَيْه أمورًا هائلةً ومخاريقَ مزلزلةً، حتَّى إنَّ مَن رآه افتُتِن به، فيكشفُها اللهُ للمُؤمن حتَّى يعتقدَ كذبَها وبُطلانَها.

وكُلَّما قويَ الإيمانُ في القَلب قويَ انكشافُ الأمُور له وعرفَ حقائقَها مِن بواطلِها، وكلَّما ضعُفَ الإيمانُ ضعُفَ الكشفُ»

ولا يصلُ العبدُ إلى تحقيقِ التَّقوى والإيمَان إلاَّ عن طَريق طلب العِلم الصَّحيح مِن أهلِه لا مِن غيرِهم، وكلُّ مَن قَصَّر في إحدى الجهتَيْن؛ إمَّا طلَبَ علمًا غير صحيح وهو الَّذي لا يُعتَمد فيه على السُّنَّة، أو طلَبَ العلمَ من عند غير العُلمَاء، فإنَّ أمواجَ الفتنَة ستَجْرفُه وتُوقعُه في اللَّغَط والغَلَط والشَّطَط، ويخوضُ فيمَا لا علمَ لهُ به، وقَد ينتَصرُ للباطل ويسير في أوديتِهِ، ويعزفُ عن الحقِّ تعصُّبًا وتقليدًا.

فكُلَّما تمسَّكَ المرءُ بالعِلم الصَّحيح، وطبَّقَ قواعدَه تطبيقًا سليمًا، ولزمَ وصايا العُلماء الأكابر ونصائحَهم عصَمَه ذلك منَ الانسيَاق وراءَ بهارج الفتنَة الَّتي تغرُّ في بداياتها، ولا تسُرُّ في عواقبها ومآلاتها. 

فلا أفضَل في أيَّام الفتَنة واشتبَاه الأمُور والْتباسِها منَ التَّعلُّق بالله واللَّجإ إليه بالصَّلاة والدُّعاء، ثمَّ التَّأنِّي وعدَم العَجلة، وأن لا يغتَرَّ المرءُ بكثرة، ولا يغتَمَّ لقلَّة، فالحقُّ يُعرفُ بدلائله وحَُجَجه وبراهينه، لا بشيءٍ آخَر، والخطأُ والزَّلل واردٌ على كلِّ أحدٍ.

فهذَا شيخُ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله عاداه علمَاء كثيرون في عصره، واضطُهِد وسُجن وقُرئ على المنابر المرسُومُ السُّلطاني الَّذي حكَم بكُفْره، وماتَ رحمه الله سجينًا، إلاَّ أنَّ الله رفعَ قدرَه، وأظهَر علمَه، فعُلِم يقينًا أنَّ الحقَّ كانَ معَه لا مع خصُومه وأعدائِه.

ومِن قبله الإمام البُخاري رحمه الله طُعِن فيه ورُمي ببدعة اللَّفظ، وماتَ وحيدًا بضَواحي بُخَارى، إلاَّ أنَّ الله أبقَى ذكرَه، وأعلى شأنَه، وقُدِّم كتابُه «الصَّحيح» على جميع كتُب السُّنَّة جمعَاء، ولا يستَغني عنه مسلمٌ على وجه الأرض.

فلا يهولنَّك تشغيباتُ المشنِّعين، ولا يفزعنَّك تهويلاتُ المُغرضين لدَفْع الحقِّ وتشويهِهِ، وطُعونهم في أهلِهِ وحملتِه، وإنَّ العاقبةَ لمن نصَر الدِّين والملَّة، حتَّى إذا خبَت نارُ الفتنَة، وانكشَفَت المحنَة، وزال الشَّكُّ باليَقين، حينَها يُدركُ النَّاسُ حجْمَ الكذب الَّذي سَرى، والتَّزويرَ الَّذي فشَا، وعندَها يُعلَمُ أنَّ السَّعيدَ هُو مَن تثاقلَ وتأنَّى، ولم يُصدِّق كلَّ ما سمعَ وتحرَّى، وأخذَ بنصائح العُلمَاء، ولم يتَعرَّض للأبريَاء، ولم يُسْهم في نَشْر الأخبَار وهتْك الأستَار وإذاعَة الأكاذيب والشَّائعَات، ولم يكُن له همٌّ سوَى حفظ دينِه وصوْن نفسِه وتعليق قلبه بربِّه؛ فاللهُ يُعاملُه بحُسْن قصدِه، ويهديه إلى معرفةِ الحقِّ وطريقِه، فيَخرجُ منَ الفتنَة سالمًا غانمًا، يزدادُ ثباتًا على السُّنَّة، ولزومًا للجماعَة، ومُفارقةً للبدعة، وبُغضًا للفُرقَة؛ فاللَّهُمَّ يا مُقلِّب القُلوب ثبِّت قلوبَنا علَى دينك، وأرنَا الحقَّ حقًّا وارزُقْنا اتِّباعَه، وأرنَا الباطلَ باطلا ويسِّر علينَا اجتنابَه، وجنِّبنا الفتنَ ما ظهَر منها وما بطَن.